آن للشعبوية أن تمد رجليها.. فرنسا “الجديدة” تستعيد وجهها القديم

فيما هو أقرب إلى الكابوس الذي هزّ أركان “الإليزيه” وأخلّ بكل المعادلات السياسية التي سيكون لها أثرها القريب، ليس فقط على الفرنسيين ولكن على الساحة الأوروبية والعربية معا، تعيش فرنسا اليوم على وقع زلزال سياسي أفرزته صناديق الاقتراع في تشريعيات غيّرت نتائج دورها الأول وجه “باريس”، وذلك بعد أن أخرج الفرنسيون “البَقّ” الذي في داخلهم ليرموا به إلى ساحة الصراع، ويقولوا للعالم أنّ فرنسا الحرية والعدل والمساواة، ليست إلا شعارا ضاق بـ “فرنساه”، وأنه آن الأوان لباريس الجن والملائكة، كما تُسمّى، أن تكشف وجه “المجاري” القديمة فيها، لترمي بـ “بقّها” إلى سطح الأحداث، وفوق هذا وذاك تَهِبُ لذلك “البَقّ” سلطة القرار ليكون الحاكم الفعلي لفرنسا من خلال يمين متطرف ومعروف بعنصريّته المقيتة..

حيث الواقع كما الزلزال اليوم، أن “ماري لوبان”، التي ورثت كل أحقاد والدها المتراكمة الغل، قد قدَّمت، بمبايعة الفرنسيين ليمينها المتطرف، خدمة كبيرة للعالم بشكل عام وللمغتربين والمهاجرين بشكل خاص، حين كشف انتصارها السياسي، الوجه الحقيقي لفرنسا قديمةٍ، ضاقت بِعِطر باريسها الفوّاح وبأقنعة المساواة والحرية والعدل في البنية المجتمعية لإنسانها، لترسخ في الجميع، أن فرنسا، بشعبها “الجنتلمان” والمحتضن لمهاجري مستعمراتها القديمة، ليست إلا عاصمة للبق، التي كانت ينتظر فرصة “ماري لوبان” ليُخرج المجتمع الفرنسي ما في داخله من فطرة “عنصرية”، معلنا أنه آن الأوان لعاصمة “المجاري” التاريخية العفن والأحقاد، أن يراها العالم على حقيقتها بلا مساحيق ولا مكياج ولا عُطور باريسية الأضواء واللمعان..

الزلزال السياسي الذي ضرب العمق الفرنسي، بعد اكتساح حزب “ماري لوبان” المتطرف للصناديق الانتخابية وسيطرته على المشهد العام، بقدر ما يمثِّل من مخاوف قادمة، أدّت بالرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، إلى إعلان حالة الطوارئ والتحذير من سقوط الجمهورية ومن حرب أهلية على الأبواب، كما سبق وأن صرّح ، بالقدر ذاته، فإنه عَرّى الوجه الآخر لفرنسا، ليس كتحوُّلٍ سياسي، ولكن كمجتمع وكشعب أخرج كوامنه وتراكماته التاريخية، بعد أن تدافع مواطنوه لمبايعة “الشيطان” على حساب من قدّم نفسه على مدار سنوات في عباءات الملائكة، وذلك تحت شعارات التعايش والتصالح مع الآخر، لتأتي الانتخابات التشريعية، وتضرب كل تلك الأوهام والعناوين السابقة في الصّفر، كما تكشف حقيقة مرعبة عن “مجتمع” فرنسي رفع مئات الآلاف منه بورصة الشيطان، مرسِّخين، أنهم على دين “ماري لوبان” وأنّ “لوبان” كتوجّهٍ سياسي ومجتمعي وعنصري يمثِّلهم وينوب عنهم في معركة الأحقاد والتراكمات..

والمهم فيما رسا عليه مزاد فرنسا الانتخابي، أن “لوبان” بوجهها الحقيقي ليست تيّارا ولا توجُّها سياسيا ولكنها “طبيعة” مجتمعية في “جينات” فرنسية، ضاقت بلعبة المسرح والتمثيل البليدين تجاه المهاجرين والمغتربين بشكل عام والجاليات العربية والإسلامية والإفريقية بشكل خاص، لتُخرج في آخر المطاف “بَقّها” المتراكم، وتعرِّي على حقيقة فرنسا التاريخية والاستعمارية كما هي وليس كما زيّن ملامحها العابرون على قصر “الإليزيه” في توازنات برهنت الأيام أنها لم تكن إلا صورة من سياسة “ذر” الرماد في الأعين لغاية في نفس استغلال وتلاعب وسيطرة متوارثة..

الجميل في “مخاض” التحوّل الذي تعيشه فرنسا ، أنه ومن باب رُبّ ضارة أو “لوبان” نافعة، أن “ماكرون” من خلال حزبه، الذي يرتدي قناع الفضيلة ويرافع للتسامح وللتعايش ولفرنسا المتفتحة على العالم، قفز على حقيقة ثابتة، بأنه لا فرق بين فرنسا “لوبان” وفرنسا “ماكرون”، إلا في وسيلة الخنق لمستعمرات فرنسا القديمة، فإذا كانت “ماري لوبان”، امتلكت الجرأة على ممارسة لعبة الوضوح تجاه الجاليات العربية، متوعِّدة إياها بالخنق بأسلاك شائكة، فإن خيوط “الحرير” التي كتم بها الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” أنفاس الجاليات والمهاجرين على مدار سنوات حكمه، وذلك من خلال سياسة التضييق والتقنين للقمع الذي لم يستثن أحدا، ليست إلا صورة “قتل” رحيم ومرن، لكن في النهاية فإن النتيجة واحدة، وسواء تعلق الأمر بخنق بسلك شائك أو خنق بخيط حريري، فإنّ القتل ثابت كما فرنسا واحدة..

فرنسا بطبعة “ماكرون” هي نفسها فرنسا بطبعة “لوبان”، كما أنها الـ “فرنسا” ذاتها بطبعة المؤرخ ووزير الخارجية الأسبق “ألبرت أوغست غابرييل هانوتو”، حيث تركها الرجل وصيّة وقاعدة ثابتة من تاريخ الجمهورية “الثالثة” من عام 1894، ملخّصها، على أن مشكلة فرنسا الأبدية ستظل مع الإسلام، وذلك حين قال بكل وضوح: “رغم انتصارنا على أمة الإسلام، إلا أنّ الخطر لا يزال ماثلا من انتفاض المقهورين الذين أتعبتهم النكبات التي أنزلناها بهم.. لأن همّتهم لم تخمد بعد”..

والنتيجة أنه، سواء تعلق الأمر بـ “ماري لوبان” الواضحة الأحقاد والتراكمات، أو بـ “إيمانويل ماكرون” الذي يُظهر الطيبة ويقتات وجوده من لعبة التنويم والتمييع، فإن “الجَدّ” كما الحقد والتاريخ واحد، ولا مجال للتهرب ولا القفز على أن فرنسا خلال أمس “غابرييل هانتو”، هي فرنسا بطبعة “شارل ديغول”، وطبعة “ساركوزي”، وطبعة “هولاند”، وطبعة “ماكرون” وكذا بطبعة “لوبان”، فلا شيء تغير عبر مراحل التاريخ إلا ملامح الشيطان، حيث بين ملاك هنا وشيطان هناك، فإن الأقنعة من تتغير، فيما الثابت أن عقيدة القهر لكل ما يرمز للإسلام وللعروبة ولإفريقيا المقهورة، هي الوجه الحقيقي لفرنسا بأمسها الذي كان، وحاضرها الذي نعيش وغدها الذي سيأتي..

لذلك، فإنّ ما يجري الآن من تحوّل، وما يُسمّى اللحظة بالزلزال، ليس إلا سقوطا للأقنعة من على وجه ملاك افتراضي كان هو “ماكرون” لصالح “شيطان” واضح الملامح والأهداف والغايات هو “ماري لوبان”، ومنه، فلا حاجة للعويل فإنّ الزلزال لم يكن يوما في من يعتلي عرش “الإليزيه”، ولكنه في فرنسا قديمة لم تحد يوما عن نهجها التاريخي إلا بتغيير وسائل الاستغلال والقتل والتوحش، فمن انتخب “ماري لوبان” اليوم، هو نفسه من انتخب “ماكرون” بالأمس، والقضية برمَّتها و”بَقِّها” الذي أخرج “ماري لوبان” من المجاري العتيقة، أن المجتمع الفرنسي، ضاق بنفاق العطر الباريسي الذي اعتنقه كطبع مكتسب، زيّن واجهة “باريس” أمام العابرين، ليرمي في آخر المطاف بطبيعة مجاريه الكامنة، ويرسِّخ في الجميع، أن الأصل في فرنسا، هو تاريخ الحقد، كما أن فرنسا كطبيعة تكوين مجتمعي ستظل هي فرنسا، وإن اختلفت الأوجه والأقنعة وأدوار الراكبين لعرش “الإليزيه”..

آخر الكلام، ليست فرنسا وحدها من أخرجت حقيقتها من خلال ثنائية: “ماكرون” يسقط و”لوبان” تحلِّق، ولكنه زمن “البق” العالمي من استحضر موسمه القذر، فمن “نتنياهو” إلى “بايدن” و”ترامب” أمريكا، فـ”ميلوني” إيطاليا، وصولا إلى “ريشي سوناك”، بريطانيا فـ “خافيير الأرجنتين”، فإنّ الحال ذاته، كما موسم “البقّ” نفسه، ووحدها الأمة “العربية” “الثكلى” في حكامها وأنظمتها الخانعة من تتوهّم أنّ هناك رئيسا رحيما وآخر سيء، فيما الحقيقة، أنّها سياسة دول لا قاعدة فيها إلا الاحتكام إلى التوجهات الثابتة والإستراتيجيات المدروسة، وأكبر توجه ثابت: الذبح والقصف والقتل، هو ما عاشه ولا زال العالم يعيشه من إبادة مباركة عالمية بساحة “غزّة”، حيث ومهما اختلفت مُسمّيات وتوجّهات الحاكم الحزبية في العروش الأوربية، فإن “السياسة” تجاه كل ما هو غير أوروبي أو أمريكي ثابتة..

والملخص فيما رست عليه بورصة الانتخابات الفرنسية، أنه لا فرق بين “ماكرون” استهدف الإسلام واستنفر خوذته “الصليبية” في واقعة الإساءة لصورة سيد الخلق أجمعين، صلوات الله عليه وسلامه، وبين “سجاح” فرنسا المُسمّاة “لوبان”، وما تضمره للإسلام وللعرب بشكل عام وللجاليات المغتربة بشكل خاص! فقط، الفرق الوحيد بين التوجّهين، أنّ “ماكرون” رجل حريري، يستعمل السم في تصفية الآخر، فيما “لوبان” حاقدة حديدية، متعتها الكبرى، أن تضع عينها في عين ضحيتها وهي تغرز في صدرها رمح التاريخ بكل الحقد المتوارث من أزمنة الغابرين..

أيها السادة.. لا داعي لأن تخافوا وترتعبوا من نتائج الانتخابات الفرنسية ومن صعود اليمين المتطرف، فكلنا في نهاية الأمر حبّة قمح والقاضي دجاجة في حالة “لوبان”، فيما هو الدّيك في حالة “ماكرون”، فأوقفوا مهزلة “فيف” ماكرون، ولتسقط “لوبان”، فإن الأصل بأمسه ويومه وغده، أن فرنسا هي فرنسا وأنّ: “الفرنسيس” هم الفرنسيس.

أسامة وحيد - الجزائر

أسامة وحيد - الجزائر

اقرأ أيضا