أخطر جرائم الاستعمار الفرنسي.. التّغييب الحضاري للجزائر

إلى وقت قريب، كان طالب العلم في بعض دول الساحل الإفريقي، يُجيب إذا سُئل عن حفظه للقرآن الكريم، بأنه يحفظُ ربعَ الجزائر أو ثلثَها أو نصفَها، ذلك أن المصحفَ، الذي كان يقرأ فيه، مطبوعٌ في الجزائر، إضافة إلى أن معظم مدارس تعليم اللغة العربية والعلوم الإسلامية هي امتدادٌ لتلك المدارس التي أسّسها، منذ قرون، الشيخ “عبد الكريم المغيلي” الجزائري، في المناطق الإفريقية.

تُوصف مدارس تعليم اللغة العربية والعلوم الإسلامية بأنها “تقليدية”، ولا ينتبه الواصفون إلى أن علوم العربية، انطلاقا من رسمها وتشكيلها، وصولا إلى قواعدها وبلاغتها، إنما قامت من أجل دراسة القرآن الكريم في المقام الأوّل. ونزعم أن علوم اللغة العربية ما كانت لتظهر وتنشأ وتزدهر، منذ عصورها الأولى، لو لم يرسل الله عزل وجل رسولاً في الأميين بلسان عربي مُبين.

قبل 1830.. لم يكن في الجزائر أميّ

وإذًا، التعليم “التقليدي”، كان يهدف بالأساس إلى ضبط العلاقة بين المُسلم والإسلام في إطار الفهم الصحيح للدين، المبني على معرفة واعية باللغة العربية. وأوُلى خطوات هذا التعليم، هو تمكين المُسلم من أداة “القراءة والكتابة”. وفي هذا السياق يُمكن أن نفهمَ شهادات بعض الفرنسيين والرحّالة الغربيين الذين قالوا بأن الجزائر لم يكن فيها أميٌّ، عندما وقع الاحتلال الفرنسي.

سنة 1834، سجّل الجنرال الفرنسي “فالز” بأن الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي كانت متفوّقة على أوروبا كلّها في نسبة التعليم، حيث قال: “كل العرب (الجزائريون) تقريباً يعرفون القراءة والكتابة، حيث إن هناك مدرستين في كل قرية”.

أمّا الرّحالة الألماني “فيلهلم شيمبرا”، الذي زار الجزائر سنة 1831، فقد قال: “لقد بحثتُ قصدًا عن عربي واحد في الجزائر يجهل القراءة والكتابة، غير أني لم أعثر عليه، في حين أني وجدت ذلك في بلدان جنوب أوروبا، فقلّما يصادف المرء هناك من يستطيع القراءة من بين أفراد الشعب”.

جزائريٌّ لم يُنصف تاريخَه

مثل هذه الشهادات كثيرةٌ، ومن المُجدي جمعُها في كتاب مُستقبل، للتأكيد بأن الأميّة كانت، على الأقل، شبه مُعدومة في الجزائر، إبّان السنوات الأولى للاحتلال الفرنسي. وأيضا للردّ على بعض المؤرّخين الجزائريين الذين وصّفوا التعليم الجزائري، خلال تلك الفترة، بأنّه كان في أدنى دركات الانحطاط والتردّي، وهو ما يعني أن المُجتمع ذاته كان في غيبوبة معرفية وغارقٌ في الأميّة حدّ “العطش” المُدقع.

أحد كبار مؤرّخي الجزائر، يزعم أن حالة التعليم في الجزائر إبان المرحلة العثمانية، كانت منحطّة، ما يعني أن فرنسا حينما احتلّت الجزائر وجدَتها غارقة في الجهالة، حيث يقول: “يزعمون أن التعليم في فترة (الاحتلال) العثماني للجزائر كان مزدهرا، وأن هذه الحقبة الاستعمارية أنجبت العديد من العلماء والباحثين الذين لم نجد لهم أثرا في بطون الكتب، ولم نجد لهم مخطوطات بأيديهم تدل على نبوغهم ورقي عصرهم.. ثم إن قراءتنا للتاريخ بعيون الحاضر تكشف لنا زيف مقولة: التعليم في فترة الاحتلال العثماني في الجزائر مزدهر وراقي”.

حديث في الثقافة عن عصر بلا ثقافة

رغم الخدمات الجليلة التي قدّمها هذا المؤرّخ للتاريخ الجزائري، وخاصة للثقافة في تلك المرحلة التي يصفها بأدنى دركات الانحطاط، فمن الواضح أن “عداءَه” غير المُعلن لمُكوّنات جزائرية، لم تقوَ الأزمنة على إلغائها أو القضاء عليها، دفعه إلى السقوط في التناقض بين اعترافه بوجود تاريخ ثقافي، وفي الحين ذاته، انعدام التعليم إلى درجة “التصفير”.

من حفظ للجزائر دينها ولغتها قبل 1930؟

في هذا السياق، نطرح سؤالا هامشيا: قبل أن تصل الجزائر إلى زمن الصحوة والإصلاح مع ظهور جمعية العلماء المُسلمين، من هي المُكوّنات الجزائرية التي حافظت على الهوية الدينية واللغوية والتاريخية للجزائر، على الأقل خلال حقبة الاستعمار الذي أراد تجريف العقل الجزائر؟ ولن نسأل عن تنظيم المُجتمع في شؤون قضائه وعباداته وتكافله في الجوائح والأزمات.. ولا حتى عن الأماكن التي تلقّى فيها علماء الجزائر تعليمهم (الأوّلي على الأقل)، قبل أن يصلوا إلى مرحلة الانطلاق في الإصلاح.

رؤية تاريخية غير صائبة

في موضع آخر، يقول المؤرّخ الكبير أن: “سارعت السلطات الفرنسية في الجزائر بتنظيم المدرسة في إطار التعليم العام، على أن يتعلم الأطفال المواد الابتدائية كما في فرنسا، يضاف إليها اللغة العربية. وقد ظهر ذلك في أول مدرسة رسمية فرنسية في الجزائر وهي التي سميت بمدرسة التعليم المشترك لتعليم القراءة والكتابة والحساب (افتتحت في إبريل 1833) وكانت تضم حوالي 200 تلميذ. وقيل إن بعض الأطفال الجزائريين قد دخلوها أيضا، ولكنهم عادوا وقاطعوها”.

هذه الرؤية تخدم النظرية الاستعمارية التي عملت على ترويج فكرة أن الجزائر كانت مُقفرة من الحياة التعليمية والفكرية، وعانت خلال القرون التي سبقت الاحتلال من الجهل و”الهمجية”.

فرنسي يُحمّل بلادَه مسؤولية تأخّر الجزائر

ومن الطريف أن الكاتب الفرنسي “يولار” حمّل فرنسا مسؤولية تأخّر الجزائر في القرن العشرين، حيث قال: “لقد أشاع دخول الفرنسيين إلى الأوساط العلمية والأدبية، اضطرابا شديدا، فهَجر معظم الأساتذة الأفذاذ مراكزهم هاربين. ولقد كان يقدر عدد الطلاب قبل 1830 م بمائة وخمسين ألف طالب أو يزيدون، ومهما يكن من أمر فلم ينجح من المدارس القديمة سوى عدد قليل من المدارس الصغيرة، وحرمت أجيال عديدة من التّعليم”.

يلاحظ القارىء أن “يولار” يُقرُّ بوجود الأوساط العلمية والأدبية والأساتذة الأفذاذ وعشرات الآلاف من الطلبة.. عكس ما ذهب إليه المؤرّخ الجزائري الذي آثرنا عدم ذكر اسمه، ولا تحديد المقصود بالمكوّنات الجزائرية، وذلك حتى نترك للقارئ فُسحة الإسهام في استكمال الفكرة.

مائة مدرسة في المدينة عام 1830

الفرنسيون لن ينصفوا الجزائر، ومع ذلك فإن القليل الذي “يبوحون” به يكشف بأن أخطر الجرائم التي ارتكبتها فرنسا هي التغييب الحضاري للجزائر، إضافة إلى سجّل جرائمها التي يجب أن يُختّرعَ لها لغة خاصة لتوصيفها على الأقل. وللقارىء أن يتخيّل مدينة يقطنها بضعة آلاف ساكن، تنتشر فيها مائة مدرسة، حيث يقول “المسيو روزي”: “قبل دخولنا إليها، كان يُوجد بالجزائر (المدينة) مائة مدرسة يُعلّمون فيها الأطفال القراءة وكتابة القرآن والحساب”، بمعنى التعليم الأوليّ أو الابتدائي المُوجّه للأطفال، فكيف كان حال التعليم في مستويات أخرى؟

جنرالٌ فرنسي: هدفنا تحطيم الشعب الجزائري ماديا ومعنويا

في تقرير تم إرساله إلى “نابليون الثالث”، كتب جنرالٌ فرنسي: “يجب علينا أن نضع أن يكون هدفنا هو تحطيم الشعب الجزائري ماديا ومعنويا”. وأضاف آخر: “إن آخر أيام الإسلام قد دنت، وفي خلال عشرين عاما لن يكون للجزائر إله غير المسيح، ونحن إن أمكننا الشك في أن هذه الأرض تملكها فرنسا، فلا يمكن أن نشك، على حال، أنها قد ضاعت من الإسلام إلى الأبد، أما العرب فلن يكونوا ملكا لفرنسا إلاّ إذا أصبحوا مسيحيين جميعا”.

الجزائر الجديدة نحو مُستقبل يليق بعظمتها

إنّ أصالة الشعب الجزائري، و”أسرار” العناصر الثورية التي شكّلت شخصيته عبر العصور، وحصانته الروحية المنيعة، مكّنته أن يصمد أمام أخطر مُخطّطات التغييب الحضاري، وها هي الجزائر الجديدة تستعيد مكانتها الدولية وتتوجّه بثبات ويقين نحو المُستقبل الذي يليق بعظمتها التاريخية.

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا