أخوّة الضمير.. “هنا أمريكا اللّاتينية العربيّة” !

إذا استثنينا الجزائر وجنوب إفريقيا، فسيكون من الصعب تحديد أسماء دول كبرى مستقرة تقول كلمتها – بكلّ جرأة ودون أدنى مصلحة – ضدّ الاحتلال الصهيوني، انتصارا لحقوق الشعب الفلسطيني في الاستقلال والحرية، وبالمقابل، ثمة شخصيات على مستوى هرم السلطة في بلدان أخرى، استطاعت أن توجّه اتهامات صريحة ضدّ سلطة الكيان، ومن بين تلك الشخصيات الزعيم «لولا دا سيلفا» رئيس البرازيل الذي تعرّض لهجوم حاد من (تل أبيب) وحلفائها، لكنه رفض أن يتخلّى عن “كرامته في وجه الباطل”، إذ أعاد التأكيد بأنّ “إسرائيل” ترتكب – بالفعل – إبادة جماعية ضدّ الفلسطينيين، وقد أيّده في هذا الطرح القوي زعماء أمريكا اللاتينية: (فنزويلا، بوليفيا، كوبا وكولومبيا)، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يبدو قادة النظام العربي عاجزين عن اتخاذ موقف حقيقي وصارم ضدّ الكيان باسم بلدانهم (شعبا وحكومة وجيشا) – كما تفعل الجزائر وجنوب إفريقيا – أو على الأقل توجيه إدانة صريحة – بالصوت والصورة – كما يفعل «دا سيلفا» وغيره من الرؤساء والمسؤولين ولو بشكل متفاوت.

=== أعدّ الملف: حميد سعدون – منير بن دادي – سهام سوماتي ===

لقد كرّر الرئيس البرازيلي، لولا دا سيلفا، تصريحاته القوية بشأن العدوان الصهيوني على قطاع غزة، مؤكدا أنّ “إسرائيل” ترتكب إبادة جماعية ضدّ الفلسطينيين، وهو بالضبط ما قاله سابقا حين شبّه أفعال الاحتلال في غزة بـ”المحرقة” التي نفّذها الزعيم النازي أدولف هلتر ضدّ اليهود، إبان الحرب العالمية الثانية، وهو توصيف بالغ الدقة أثار حالة من الجنون لدى الكيان الصهيوني.

وقال دا سيلفا في منشور جديد على منصة إكس – يوم السبت 24 فيفري 2024 – إنّه لن يتخلّى عن “كرامته في وجه الباطل”، في إشارة إلى مطالبات حلفاء الاحتلال الموجّهة له للتراجع عن إدانته للاحتلال. وأضاف الرئيس البرازيلي “ما تفعله الحكومة الصهيونية ليس حربا، إنّها إبادة جماعية. الأطفال والنساء يُقتلون”.

وقد تمسّك دا سيلفا بموقفه، مشدّدا على مصطلح “الإبادة الجماعية”، معربا عن الموقف ذاته – يوم الجمعة 23 فيفري – حين قال خلال فعالية في ريو دي جانيرو “ثمة آلاف من الأطفال القتلى، وآلاف من المفقودين”.

وتابع قائلا “ليس الجنود هم الذين يموتون، بل نساء وأطفال في المستشفى. إذا لم تكن هذه إبادة جماعية، فأنا لا أعرف ما هي الإبادة الجماعية”، وهذا أول رد فعل للرئيس البرازيلي منذ الجدل الذي أثاره – لدى حلفاء الكيان – من خلال تشبيهه الهجوم الصهيوني على غزة بـ”المحرقة النازية”.

وكان الرئيس البرازيلي، لولا دا سيلفا، قد قال – يوم الأحد 18 فيفري، للصحفيين في أديس أبابا حيث حضر قمة للاتحاد الإفريقي، إنّ “ما يحدث في قطاع غزة ليس حربا، إنها إبادة جماعية”، مضيفا “ليست حرب جنود ضدّ جنود، إنها حرب بين جيش على درجة عالية من الاستعداد ونساء وأطفال”. وأضاف أنّ ذلك “لم يحدث في أيّ مرحلة أخرى في التاريخ”، قبل أن يستدرك بقوله “في الواقع، سبق أن حدث بالفعل حين قرّر هتلر أن يقتل اليهود”.

من قلب القاهرة المقهورة

وحتى، من قلب العاصمة المصرية القاهرة، انتقد الرئيسي «دا سيلفا» – يوم الخميس 15 فيفري – العدوان الصهيوني على الأطفال والنساء في قطاع غزة، قائلا – في مؤتمر صحفي عقده مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي – ليس لدى “إسرائيل” أيّ مبرّر لقتل النساء والأطفال وهي تنتهك كلّ القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة.

ولفت إلى أنه لن يكون هناك سلام دون إقامة دولة فلسطينية، ودعا إلى وقف فوري لإطلاق النار للسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، غير أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بدا متحفظا في خطابه، حين عبّر عن توافق مع دا سيلفا على ضرورة (وقف الحرب الإسرائيلية) على غزة “وصولا إلى إطلاق مرحلة ما بعد الحرب لإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس”.

أما غير ذلك، فلم يسمع للقاهرة صوت صريح ضدّ الاحتلال الصهيوني، بل – على العكس من ذلك – ظهر في الحكومة المصرية من يتوافق من الكيان الصهيوني، على غرار وزير الخارجية المصري سامح شكري، حين ردّ على سؤال وجّهته له وزيرة خارجية الكيان السابقة تسيبي ليفني حول المقاومة، قائلا: إنّ “حركة حماس كانت من خارج الأغلبية المقبولة للشعب والسلطة الفلسطينية”.

ونطق الوزير شكري – بالطريقة التي تريد أن تسمعها تسيبي ليفني – حين (اتّهم) حركة حماس بأنها ترفض “التنازل عن دعم العنف”، في إشارة ضمنية منه إلى أنّه يعتبرها “حركة إرهابية”، في حين قال منسق الإغاثة في الأمم المتحدة، مارتن غريفيث – في مقابلة مع شبكة سكاي نيوز البريطانية – إنّ حماس ليست منظمة إرهابية بل تُصنّفها الأمم المتحدة رسميا كحركة سياسية، هذا، دون نسيان أنّ سامح شكري (اتهم) أيضا حركة حماس بأنّها ترفض “الاعتراف بـ”إسرائيل”.

ثورة أحرار العالم..

الجزائر ستعود غدا لتكريم شهداء غزة

في ظلّ صمت القادة المؤثرين بالمنطقة العربية، إزاء الإجرام الصهيوني، لا يزال صوت ممثل الجزائر في الأمم المتحدة السفير «عمار بن جامع»، يدوي عبر أرجاء العالم، بعد إفشال مشروع القرار الجزائري بشأن غزة، فقد لامست كلماته وجدان الأحرار والشرفاء في كل مناطق المعمورة.

وقال بن جامع عقب الفيتو الأمريكي الذي عرقل قرار وقف إطلاق النار: “إننا سندفن شهداءنا هذا المساء بفلسطين، وإنّ الجزائر ستعود غدا باسم الأمة العربية والإسلامية وأحرار العالم ومعنا أرواح الآلاف من الأبرياء التي أزهقها المحتل الإسرائيلي من دون حساب ولا عقاب”.

وأضاف بلغة حارة، مفعمة بالحسّ الثوري وروح الاستقلالية والشجاعة تحت أسماع وأنظار القوى الكبرى: “ستعود الجزائر لتدقّ أبواب المجلس وتطالب بوقف حمام الدم في فلسطين ولن نتوقف حتى يتحمّل هذا المجلس كامل مسؤولياته ويدعو إلى وقف إطلاق النار فإنّ لنا نفوسا لا تملّ وعزيمة لا تكلّ”.

ومن جهتها، تواصل جنوب إفريقيا معركتها القضائية ضدّ الكيان الصهيوني، فقد ناشد سفير جنوب إفريقيا لدى هولندا، فوسيموزي مادونسيلا – يوم الجمعة 23 فيفري – كافة الدول الإدلاء بشهادتها في القضية التي رفعتها بلاده أمام محكمة العدل الدولية من أجل محاسبة الاحتلال على جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها في قطاع غزة.

وقال الدبلوماسي الجنوب إفريقي – في مقابلة مع وكالة الأناضول – إنّ بلاده تتوقّع في نهاية الدعوى إعلان محكمة العدل الدولية أنّ احتلال “إسرائيل” المستمر للأراضي الفلسطينية غير قانوني ويجب أن ينتهي. وأضاف أنّه بعد ذلك سيحال الأمر إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، للمضي قدما بشأن كيفية تنفيذ رفع الفصل العنصري في الأراضي الفلسطينية، مسترشدة بقرارات المحكمة.

ووجّه السفير، دعوة إلى الدول الأطراف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية إلى حضور جلسات الاستماع في محكمة العدل الدولية، وعرض وجهات نظرها برفقة الأدلة المتوفرة لديها، لتظهر للمحكمة أنّ “إسرائيل” ارتكبت جريمة إبادة جماعية. وأوضح أنّه إذا توصّلت المحكمة إلى هذا الاستنتاج، فإننا ننتظر معاقبة “إسرائيل” بالشكل المناسب.

وفي الجانب الآخر، من الكرة الأرضية، اصطفّت دول أمريكا اللاتينية وراء الرئيس البرازيلي، لولا دا سيلفا، في مواجهته مع الكيان المحتل، إذ بادر عدد من رؤساء دول المنطقة إلى تأييد «دا سيلفا» وإعلان الموافقة على كلامه من أنّ الكيان الصهيوني يعيد إنتاج النازية ضدّ الشعب الفلسطيني.

في هذا الصدد، وفي تصريحات للتلفزيون الرسمي الفنزويلي، قال الرئيس نيكولاس مادورو “نؤيّد تصريحات الرئيس البرازيلي، وأنّ ما تفعله الحكومة الصهيونية هو ذاته ما ارتكبه هتلر ضدّ الشعب اليهودي من اضطهاد وإبادة والإجهاز عليه وقتله وارتكاب جرائم بشعة ضده”.

واعتبر مادورو أنّ الإنسانية ستنصف الفلسطينيين عاجلا أم آجلا. وفي انتقاد أقوى، أوضح الرئيس الفنزويلي أنّ “الجيش الإجرامي الصهيوني يتمتّع اليوم بنفس التشجيع ونفس التمويل ونفس الدعم الذي كان يحظى به هتلر في عهده”.

وتابع: لقد “ظلّ العالم يراقب برعب الهجمات المتواصلة على غزة يوما بعد يوم”، مؤكّدا وحشية وعنف العملية العسكرية الصهيونية ضدّ غزة، وانتهاك القانون الدولي – بما في ذلك الأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية – يعدّ أوضح إشارة إلى أنّ “إسرائيل” تعتبر نفسها غير مقيّدة في أفعالها ضدّ الفلسطينيين.

«لولا» قال الحقيقة فقط

ومن جانبه، نقلت الصحافة الكولومبية كيف يقف الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو إلى جانب نظيره البرازيلي في الأزمة ضدّ “إسرائيل”. وقال بيترو “تشهد غزة حرب إبادة، وفي تصرّف جبان يتم قتل آلاف الأطفال والشيوخ المدنيين.. إنّ الرئيس لولا قال فقط الحقيقة، وإما أن ندافع عن الحقيقة أو أنّ الهمجية ستقتلنا”. وأضاف “ولهذا، أعلن دعمي المطلق للرئيس لولا”.

ومن جانبه، أعلن رئيس بوليفيا، لويس آرسي، تضامنه المطلق مع الرئيس البرازيلي في مواجهته مع “إسرائيل”، وجاء في تغريدة له في شبكات التواصل الاجتماعي في موقع الرئاسة “نحن دولة بوليفيا نعرب عن تضامننا المطلق ودعمنا للشقيق الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا الذي اعتبرته سلطة الكيان (شخصا غير مرغوب فيه) لأنّه قال الحقيقة حول الإبادة التي ترتكبها (إسرائيل) ضدّ الشعب الفلسطيني”.

وتابع الرئيس البوليفي “التاريخ لن يتسامح مع الذين يتفرجون على هذه الوحشية”، وكان الرئيس آرسي، قد أعلن يوم 31 أكتوبر الماضي، قطع العلاقات مع “إسرائيل” بسبب الجرائم التي ترتكبها في فلسطين.

كما انضمّ الرئيس الكوبي، ميغيل دياز كانيل، إلى دعم الرئيس البرازيلي، بعدما تمّ تصنيفه كشخص غير مرغوب فيه من قِبل “إسرائيل” لإدانته الصادقة لإبادة السكان الفلسطينيين في غزة، وكتب في شبكة إكس – متّهما الكيان الصهيوني بارتكاب جرائم الإبادة ضدّ الفلسطينيين، “كلّ التحية والإعجاب بشجاعتك، سوف تكون دائما في الجانب الصحيح من التاريخ”.

إلى جانب إيرلندا..

النرويج تلتحق بجبهة الرفض

بسبب دعهما للعدوان الصهيوني ضدّ غزة، أصبحت الولايات المتحدة في عزلة دبلوماسية تجلّت مظاهرها عندما نجحت الجزائر، في الكشف عن الوجه الحقيقي لواشنطن – في مجلس الأمن – إذ أشهدت التاريخ على واشنطن وجعلتها محطّ انتقاد كاسح من المجتمع الدولي وأظهرتها معزولة، خارجة عن الإجماع الإنساني.

كما أثبتت الجزائر أنّ واشنطن تتلاعب بالقانون الدولي والأسوأ من كلّ ذلك، تتعاون مع الاحتلال الصهيوني في سفك المزيد من دماء الفلسطينيين، من خلال استخدامها حقّ النقض (الفيتو) ضدّ مشروع قرار صاغته الجزائر وقدّمته إلى مجلس الأمن الدولي يطالب بوقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة.

هذه العزلة الأمريكية مع ما يرافقها من شعور لدى قادة الكيان الصهيوني بأنّهم منبوذون، إضافة إلى مساعي جنوب إفريقيا في محكمة العدل الدولية وتصريحات زعماء أمريكا اللاتينية، كلّها عوامل شجّعت على بروز المزيد من الأصوات المنتقدة للاحتلال الصهيوني من قلب أوروبا.

وفي هذا الشأن، قالت صحيفة يديعوت أحرونوت، إنّ إيرلندا كانت لفترة طويلة، تعدّ الدولة الأكثر عداء للكيان في أوروبا، ولكن النرويج تفوّقت عليها، وهي تواجه حاليا أزمة دبلوماسية حادة مع سلطة الاحتلال، يقع في قلبها وزير الخارجية النرويجي إسبن بارث إيدي.

وأوضحت الصحيفة – في تقرير بقلم إيتمار إيشنر – أنّ إسبن بارث إيدي أدلى بسلسلة من التصريحات القاسية ضدّ الكيان الصهيوني، وكان وزير الخارجية الغربي الوحيد الذي أدان الاحتلال ولم يدع إلى إطلاق سراح المحتجزين في غزة، وقال إنّ أوروبا تفقد مصداقيتها عندما لا تدين سلطة الكيان الإسرائيلي على الأشياء ذاتها التي أدانت بها روسيا.

وعندما بدأت جلسات الاستماع في القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا على الاحتلال في محكمة العدل الدولية في لاهاي، أعربت النرويج عن دعمها للدعوى، وقال إيدي لعضو في المعارضة إنّ جيش الاحتلال يرتكب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية.

وتفاخر إيدي – حسب الصحيفة – بأنّ النرويج لا تبيع أسلحة للمحتل الصهيوني، ودعا الدول التي تصدّر أسلحة إلى الكيان إلى التوقف عن القيام بذلك، لأنها قد تكون متورطة بشكل غير مباشر في إبادة جماعية محتملة.

كما اصطحب إيدي زوجة ولي العهد النرويجي إلى معرض الكتاب في القاهرة، وعرّفها على منظمات الإغاثة العاملة في قطاع غزة، وسمعت منها قصصا مفجعة عما يحدث في القطاع، وقال وزير الخارجية في اللقاء ذاته إنّ ما يحدث هناك “جحيم على الأرض”، ووقف أمام الكاميرات مع زوجة وريث العرش وهي تذرف الدموع، تعبيرا عن تعاطفها مع الفلسطينيين.

ونبّهت الصحيفة إلى موقف النرويج المؤيّد لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، ورفضها قطع التمويل عنها، حتى إنّ أحد كبار ممثلي الحزب النرويجي الحاكم أوصى بترشيحها لجائزة نوبل للسلام، رغم اتّهام الاحتلال الغاشم لموظفين فيها بالمشاركة في أحداث السابع من أكتوبر 2023.

صوت الرفض يتّسع..

طهران على الخطّ وموسكو تبادر و”بوريل” يعترف

الفصائل الفلسطينية تلبي دعوة موسكو

أعلنت الفصائل الفلسطينية عزمها تلبية الدعوة الروسية إلى الحوار أواخر الشهر الجاري، في محاولة من موسكو لإحداث اختراق في ملف المصالحة الفلسطينية المتعثّرة منذ سيطرة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على قطاع غزة أواسط 2007.

وتتّجه الأنظار إلى حركتي حماس والتحرير الوطني الفلسطيني (فتح) باعتبارهما طرفي الانقسام، على أمل أن تكون الظروف الحالية وما يتعرّض له الشعب الفلسطيني من حرب إبادة في غزة دافعا للتقارب بين الحركتين.

وفي 18 فيفري الجاري، رحّب الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال اجتماع للقيادة الفلسطينية بالدعوة الروسية، وأكّد على ضرورة الالتزام بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير “وإنهاء إفرازات الانقلاب في العام 2007، والالتزام بمبدأ السلطة الواحدة والقانون الواحد والسلاح الشرعي الواحد والمقاومة الشعبية السلمية”.

وكانت روسيا أعلنت في 16 من الشهر الجاري، أنها دعت قادة الفصائل الفلسطينية – بما فيها حماس والجهاد الإسلامي وفتح – إلى محادثات في موسكو يوم 29 من الشهر نفسه “ستمتد حتى الأول أو الثاني من مارس المقبل”، وفق ما أعلنه ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي.

إيران: لا إرادة لدى واشنطن لوقف الحرب بغزة

قال وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، أمس الاثنين إنّ الولايات المتحدة لا تتوفّر لديها الإرادة لإيقاف الحرب في قطاع غزة، وهي تتحدث عن خفض حدّة الحرب فقط لا وقفها، وأضاف أنّ المقاربات الخاطئة جعلت الجهود السياسية لإنهاء الأزمة في غزة بلا جدوى، وأنّ الظروف الإنسانية في غزة مقلقة، مؤكدا أنّ تهديدات رئيس وزراء الكيان الصهيوني – مجرم الحرب – بنيامين نتنياهو باجتياح رفح تزيد عمق الكارثة.

ووصل عبد اللهيان، أمس إلى جنيف على رأس وفد دبلوماسي، للمشاركة في اجتماع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، كما سيشارك رئيس الجهاز الدبلوماسي الإيراني في الاجتماع الفرعي الخاص بفلسطين، وسيشرح مواقف ووجهات نظر إيران بشأن فلسطين والأزمة الحالية في غزة والضفة الغربية.

بوريل: زمن الهيمنة الغربية “انتهى”

قال المفوض السامي لشؤون السياسة الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، إنّ عصر الهيمنة الغربية “قد انتهى”، وجاء ذلك أثناء مناقشة التوترات الجيوسياسية الراهنة في العالم وعلاقات أوروبا مع دول الجنوب العالمي.

وتابع بوريل: “إذا استمرت التوترات الجيوسياسية العالمية الراهنة في التطوّر باتجاه (الغرب مقابل الآخرين)، فإنّ مستقبل أوروبا قد يصبح قاتما. لقد انتهى عصر الهيمنة الغربية بالفعل، ورغم أنّ هذا كان مفهوما من الناحية النظرية، إلا أنّنا لم نستخلص دائما جميع الاستنتاجات العملية من هذا الواقع الجديد”.

ووفقا له، فإنّ الوضع تفاقم بالنسبة إلى أوروبا بسبب الحرب في غزة والأزمة الأوكرانية، وأضاف: “يتّهمنا كثيرون في جميع العالم بـ(المعايير المزدوجة)”، ودعا إلى اتخاذ إجراءات مضادة بهذا الصدد ليس فقط بالكلمات، ولكن بالأفعال أيضا.

بينما غزة تواجه التطهير العرقي..

زعماء الشجب والتنديد يستمرون في استجداء العدو

أفاد ممثل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بالجزائر، محمد الحمامي، بأنّ الاحتلال الإسرائيلي يُواصل عدوانه الغاشم على الشعب الفلسطيني وحرب الإبادة والتطهير العرقي في قطاع غزة للشهر الخامس على التوالي، مُستهدفًا في حربه الشعواء الأطفال والنساء والبنى التحتية والمشافي ودور العبادة والمدارس والمخابز، فكلُ شيء ينبض بالحياة في القطاع هو هدفٌ لهذا الاحتلال النازي الذي يتمادى في ارتكاب جرائم حرب مكتملة الأركان بحق المدنيين والأبرياء العزل في غزّة.

وفي هذا الصدد، أوضح الحمامي في تصريح لـ “الأيام نيوز”، أنّ الشعب الفلسطيني وأمام كل هذه الانتهاكات والمجازر التي يرتكبها الاحتلال بحقه، يقفُ مُستغربًا من مواقف الدول العربية المخزيّة، والتي لم تخرج عن دائرة الشجب والتنديد أو استجداء الولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل”، هذه الدول المطبّعة والمتواطئة مع الاحتلال الصهيوني، غابت عنها إرادة الدفاع عن الشعب الفلسطيني، ولو امتلكت هذه الأنظمة العربية ردّ فعل الشعب الفلسطيني، لكان لها مواقف داعمة وجريئة في هذا الاتجاه، من خلال تهديد الولايات المتحدة الأمريكية بما يجب أن تستعمله الدول العربية من عناصر قوة بلغة السياسة ولغة المصالح ولغة الاقتصاد، وطرد سفراء الكيان الصهيوني من الدول العربية، وتوقّف الدول العربية عن التلويح نحو مسار التطبيع مقابل وقف العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني.

في السياق ذاته، أشار المتحدث إلى أنّ هذه الدول للأسف الشديد لم تحرّك ساكنًا، منذ أن عقدت متأخرا اجتماع جامعة الدول العربية، وشكّلت لجنة لم تتابع أصلا تحرّكاتها على المستوى الإقليمي ولا على المستوى الدولي من أجل وقف العدوان الصهيوني الإجرامي البربري بحقّ المدنيين والأبرياء العزل في قطاع غزّة، والذي يقترب من دخول شهره  السادس على التوالي، ونحن على أبواب شهر رمضان الفضيل، ولا تزال هذه الدول العربية عاجزة حتى عن إدخال حبة دواء أو شربة ماء لأبناء الشعب الفلسطيني في القطاع، خاصة وأنّ الظروف الإنسانية في غزّة تسير من سيء إلى أسوء، في ظلّ الحديث عن تسجيل وفيات بسبب الجوع والنقص الحاد في الغذاء.

في سياق متصل، أوضح الحمامي، أنّ الأنظمة العربية، لم تقرأ التغيّرات الإقليمية بالشكل اللازم والمطلوب، فمعركة “طوفان الأقصى”، فتحت الأبواب على مصراعيها أمام تحوّلات هامة، ونتحدث هنا عن تحوّلات إقليمية ودولية، في وقت ما زالت فيه الدول العربية تُلقي بكل ما تملك بيدّ الولايات المتحدة الأمريكية ولا تخاطبها بلغة المصالح، حيث أنّها لم تقم حتى بطرد سفرائها لدى الكيان الصهيوني، أو تجميد علاقاتها مع هذا الاحتلال النازي، كأقل إجراء لدعم وإسناد الحق الفلسطيني.

وأردف قائلا: “إنّ الدول العربية لو قامت باستخدام أحد هذه الوسائل، لكان بالإمكان أن تكون الصورة غير تلك الموجودة حاليا، ولم نكن لنرى الشعب الفلسطيني اليوم يقف وحيدًا في مواجهة حرب الإبادة والجوع والتطهير العرقي الذي يتعرّض له من قبل الاحتلال الصهيوني الجائر، الذي يتمادى في ارتكاب المزيد من المجازر اليومية في مشاهد دامية يُندى لها جبين الإنسانية”.

وفي هذا الشأن، تحدّث ممثل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بالجزائر، عن المبادرة التي خرج بها عدد من الدول العربية، والتي جاءت تحت مسمّى “اليوم التالي للحرب على قطاع غزّة”، وهي المبادرة التي لا يمكن بأيّ شكل من الأشكال أن تنطلي على أبناء الشعب الفلسطيني، مثلها مثل المبادرة التي جاء بها نتنياهو أو تلك التي جاءت بها أمريكا، فالشعب الفلسطيني هو سيّد قراره وهو من يختار قيادته، وهو من يختار حدود دولته، وهو من يختار كل شيء له علاقة بالدولة الفلسطينية وبعاصمتها وبجغرافيتها وما إلى ذلك.

في السياق ذاته، أكّد الحمامي أنّ ما يثير استغراب الشعب الفلسطيني، هو أنّ عمقنا العربي والإسلامي وقف متفرجا، أمام صرخات الأطفال والنساء وأمام آهات الأبرياء وشلالات الدماء في قطاع غزّة، هذه الدول العربية التي كان من المفترض أن تجتمع وتتبنى مواقف موحّدة داعمة مُماثلة لتلك المواقف المشرّفة التي تبنتها بعض الدول على غرار دولة البرازيل، إلا أنّها وللأسف الشديد ذهبت إلى حدّ التواطؤ مع الاحتلال الصهيوني، ونتحدث هنا عن تشكيل جسر بري يمتد من الإمارات إلى السعودية والأردن، ويصل إلى الاحتلال ليزوّد “إسرائيل” بكل ما تحتاجه من أسلحة ومواد غذائية وتموينية وما إلى ذلك، وبالمقابل الشعب الفلسطيني يموت جوعا وعطشا، فهذه الدول لا رجاء منها، بعد أن أثبتت مدى ضعف ووهن مواقفها.

وتابع قائلا: “إنّ مواقف الدول العربية المخزية ليست جديدة، والشعب الفلسطيني جرّبها على مدار 57 سنة من احتلال الضفة الغربية وقطاع غزّة وفي القلب منها القدس، فبعد 76 سنة على احتلال فلسطين، لا تزال هذه الأنظمة تقف عاجزة، إن لم نقل إنها أصلا لا تريد وجود مقاومة فلسطينية تفضحها وترفع اللثام عنها أمام شعوبها، وإرادة المقاومة والشعب الفلسطيني الذي يريد استعادة حرّيته باستطاعته أن يحقّق ذلك دون الحاجة إلى أيّ دعم من هذه الدول المطبّعة، لأنّها في حقيقة الأمر هي أنظمة فاقدة لشرعيتها أمام شعوبها التي تتألم أيضا لما يتعرّض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة”.

وفي رسالة وجّهها، إلى هذه الأنظمة، أكّد الحمامي أنّ الأنظمة العربية عليها أن تقرأ الخارطة الجيوسياسية، وخارطة التغيّر الدولي، فالعالم اليوم يتغيّر وهناك قوى متصاعدة، لا يمكن أن نقول أنّ الأحادية غابت ولا يمكن أن نقول أيضا أنّنا الآن في تعدّد قطبي، ولكن هناك سيولة في الحديث عن أنّ هناك أوجه جديدة لهذا العالم، ولابد أن نعي جيدا أنّ هناك قوى صاعدة، على غرار روسيا والصين، هذه المستجدات تستدعي من العرب تبنّي موقف واضح وصريح باتجاه الحديث مع الولايات المتحدة الأمريكية حول المصالح الكبرى التي لها في منطقة الشرق الأوسط بدءً من سحب قواتها وسحب الاحتلال من المناطق العربية، فهذا هو الموقف السليم الذي لابد من تبنيه.

وأردف قائلا: “على العرب أن يدركوا يقينا أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تريد نهب خيرات ومقدرات شعبنا الفلسطيني، وأنّ أيّ عملية تطبيع مع هذا الاحتلال ستكون في حقيقة الأمر على حساب الشعوب العربية، فالاحتلال الصهيوني ما فتئ قادته يتحدثون عما يسمى “دولة إسرائيل الكبرى”، ولا يريد هؤلاء الاعتراف لا بدولة فلسطين ولا بشعب فلسطين، ولا يعترفون أصلا بهذه الأنظمة العربية الضعيفة والمهزوزة أمام العالم”.

على صعيد متصل، أكّد الحمامي أنّ الأنظمة العربية مُطالبة بمراجعة حساباتها وأن تلتف حول خيار شعوبها وخيار دعم الشعب الفلسطيني، فالقضاء على المقاومة الفلسطينية وتهجير الشعب الفلسطيني من دون أدنى شك سيلحق الضرر بهذه الأنظمة قبل غيرها، أمّا الشعب الفلسطيني فلن يتزعزع ولن يغادر أرضه رغم التضحيات الكبرى التي قدّمها ويقدّمها، في مشاهد ثبات وصمود أسطوري لم تشهد لها البشرية مثيلا، فبالرغم من تغوّل الاحتلال ووحشيته وإجرامه بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الغربية الاستعمارية، لا يزال الفلسطينيين متمسكين بأرضهم وبحقهم الذي لا يقبل القسمة على اثنين.

وفي ختام حديثه لـ “الأيام نيوز”، أبرز ممثل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بالجزائر، محمد الحمامي، أنّ القيادة السياسية للسلطة الفلسطينية مُطالبة هي الأخرى بأن ترتقي إلى مستوى التضحيات التي يقدّمها الشعب الفلسطيني، فكلّ الخيارات التي كانت تتسابق معها، إنما هي خيارات فاشلة، وآن الأوان لتصليب الموقف الفلسطيني، وعلى السلطة والقيادة السياسية الفلسطينية أن تعي جيّدا أنه بدون وحدة وطنية ودون برنامج كفاحي نضالي جديد يعتمد على كل أشكال المقاومة لن يعود الحق إلى أصحابه، مٌبرزا في السياق ذاته أنّ الموقف العربي بالأساس يستمد قوّته وصلابته من قوة الموقف الفلسطيني الموحد. 

هذا موقعهم من القضية الفلسطينية..

عرب “التطبيع” بين الصمت والتآمر !

أبرز الأستاذ والباحث في الشؤون الدولية، عبد الرحمان بوثلجة، أنّ التاريخ سيشهد بأنّ الشعب الفلسطيني في قطاع غزّة، يُواجه الكيان الصهيوني ومن ورائه كل الدول الغربية وفي مقدّمتها الولايات المتحدة الأمريكية لمدة تقترب من الخمسة أشهر على التوالي، واجه خلالها الاعتداءات والتقتيل والتهجير والحصار، وبالرغم من كل ذلك، لم تنكسر عزيمته وبقي ثابتًا صامدًا على أرضه، كما كان دائمًا، وسيشهدُ التاريخ أيضًا بأنّ كل المحاولات التي قامت بها بعض الدول لم تُفلح في وقف الاعتداءات الإرهابية الإسرائيلية النازية، وذلك بسبب الدعم الأمريكي اللامشروط لهذا الاحتلال الجائر، ورفضه وعرقلته لأيّ محاولة تأتي في اتجاه وقف إطلاق النار وإنهاء العدوان على القطاع.

وفي هذا الصدد، أوضح الأستاذ بوثلجة في تصريح لـ “الأيام نيوز”، أنّ التاريخ سيسجّل أيضًا، بأنّ هناك الكثير من الدول التي حاولت تقديم يد العون للشعب الفلسطيني سواء كان هذا الدعم صغيرا أو كبيرا، لكن في الوقت نفسه، هناك عدد من الدول التي بقيت تتآمر على الشعب الفلسطيني وتنظر فقط إلى مصالحها الضيّقة، بل أكثر من ذلك، فهناك بعض الدول التي تصنّف في خانة “الدول الشقيقة” إلا أنّها ساندت الكيان الصهيوني ودعّمته بمختلف الإمكانيات والوسائل حتى يواصل حربه الشعواء ضدّ الآمنين في بيوتهم في قطاع غزّة.

هذا، وأشار محدثنا إلى أنّ موقف الدول العربية وقادة النظام العربي من العدوان المتواصل على قطاع غزة، ينقسم إلى صنفين، الصنف الأول ويشمل الدول التي حاولت وقف العدوان على القطاع، بمختلف المبادرات والمساعي الديبلوماسية، إلا أنها فشلت في الوصول إلى نتائج إيجابية بسبب التعنّت الأمريكي، والصنف الثاني يتضمن تلك الدول التي تآمرت ضدّ الشعب الفلسطيني ولم تتخذ أيّ إجراء ولو رمزيا من أجل نصرة الحق الفلسطيني، خاصةً وأنّ هذه الدول هي في الأصل دول مطبّعة مع الكيان الصهيوني، أي كانت لديها إمكانية للتنديد بما يحدث من خلال سحب السفير أو تعليق العلاقات الديبلوماسية على الأقل، كما قامت بذلك دول صديقة في أمريكا الجنوبية، حين وقفنا على تصريحات الرئيس البرازيلي التي استفزّت قادة الاحتلال الإسرائيلي، وطالبوا بمساءلة السفير البرازيلي لدى الكيان الصهيوني، الأمر الذي ردّ عليه الرئيس لولا دا سيلفا بسحب السفير البرازيلي لدى “إسرائيل”، في موقف مشرّف من دعم الحق الفلسطيني.

خِتامًا، تطرّق الباحث في الشؤون الدولية، إلى الموقف الإماراتي والموقف المغربي من العدوان الصهيوني المجنون على قطاع غزة، مُشيرًا إلى أنّ هذه الدول التي طبّعت في إطار الموجة الأخيرة من التطبيع أو ما سمي باتفاقية “أبراهام”، كان بإمكانها أن تتّخذ إجراءات ولو رمزية من أجل الضغط على الكيان الصهيوني ومن ورائه أمريكا حتى يتم وضع حدّ لشلال الدّماء الفلسطينية في القطاع، إلا أنّها في نهاية المطاف فضّلت مصالحها الضيّقة على الشعب الفلسطيني الذي يتعرّض لجرائم حرب مكتملة الأركان ومجازر مروّعة لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلا.

أخوّة الضمير..

هنا أمريكا اللّاتينية العربيّة“! 

بقلم: حمدي يحظيه – كاتب صحفي صحراوي

أبسط سيناريو بديهي كان يمكن أن يتصوّره أيّ طفل – لا أقول رجلاً – في قطاع غزّة أو في فلسطين بصفة عامّة، أو في العالم العربي أو العالم أجمع، هو أنّ الكيان الصّهيوني إذا قتل طفلاً أو امرأة في غزّة، بطريقة وحشية، سيتمّ عقد اجتماع في القاهرة أو في الرّياض، وستتّخذ الدول العربية بالإجماع قرارًا تاريخيًا بحصار الكيان الصّهيوني، ويتمّ قطع الإمدادات عنه، وستكون أوّل نقطة في جدول الأعمال هي إنهاء اتفاق كامب ديفيد واتّفاق وادي عربة واتفاقيات أبراهام، وتسحب الدول المطبّعة سفراءها وتغلق “السفارات الفضائح”، ويعود الكيان الصّهيوني في علاقاته مع العرب إلى ما قبل سنة 1977م.

المتفائلون ظنّوا أنّ الدم العربي سيسخن وسيتحمّس وسيتشجّع إذا رأى دمًا عربيًا آخر يراق، وأنّه مع مرور الوقت، إذا ارتكب الكيان الصّهيوني مزيدًا من جرائم الإبادة سيحدث الاجتماع التّاريخي وستقطع العلاقات ويقطع البترول.

للأسف حدث العكس، وكلّ المؤشّرات تدلّ أنّ الكيان الصّهيوني اجتمع مع أصدقائه “العرب” وضمن دعمهم. غرقت غزّة في دماء وحدثت الإبادة، لكن لم يحدث أيّ شيء من الجانب العربي وبقي الدم العربي جامدًا في العروق.

ونكاية بهذا الموقف المتخاذل، أخذت أمريكا اللاتينية المشعل، وسحبت بوليفيا وتشيلي وكولومبيا وهندوراس سفراءها من الكيان، رغم ذلك بقيت أفواه الدول العربية مملوءة بالماء، وبقيت الطّيور تنزل على رؤوسها براحة تامّة.

أوّل مرّة في التّاريخ يتحوّل الدم إلى سائل لا لون له، ويرتبك المنطق، ويرتبك البديهي، وتنقلب المعادلات، فيأتي الدّعم والتّأييد من أمريكا اللاتينية التي لا دمّ ولا تاريخ ولا مصالح ولا حدود ولا ثقافة يجمعها مع فلسطين ومع غزّة، ولا يأتي من العرب.

وبدل أن يدخل التّاريخ رئيس دولة عربية كبيرة بوقوفه مع غزّة سيدخله لولا دي سيلفا، رئيس البرازيل، وبدل أن تدخله الدول العربية المطبِّعة ستدخله كولومبيا والبرازيل والهندوراس.

ويرتبك التّاريخ أكثر عندما يموت أطفال غزّة بالجوع ويأكل الجندي الإسرائيلي الأكل السّاخن الذي تأتي به الشّاحنات من دول عربية. أيّ تراجيديا أكبر من أن يقف طفل من غزّة أمام الكاميرات، وقد تلطّخ وجهه بالدّماء والرّمال ويقول: “لو لا صمتكم ودعمكم يا عرب كنّا هزمنا “إسرائيل”، أمريكا اللاتينية عربية..”.

متى يتعلّم العرب؟

درس برازيلي في مادة الشرف ! 

بقلم: البروفيسور عكنوش نور الصباح – باحث في الشّؤون الإستراتيجية

لعلّها “الغثائية” غلبت “الخيرية” في واقع أمّة أزمتها لا تلد الهمّة، حيث لا يختلف إثنان في أنّ العرب لم يعد لهم أيّ دور بالمعنى الإستراتيجي والحضاري في هذا الكوكب، وقد كانت مأساة غزّة كاشفة عن عجز فكري وبنيوي لدى النّخب العربية الحاكمة التي استسلمت لضعف تاريخي واقتصادي وخوف وجودي مزمن ازدادت حدّته بعد التّطبيع كمرحلة أولى ثم التّصهين كمرحلة ثانية لينته الأمر كلّه إلى الهوان الرّاهن.

لم يعد من الممكن للأمّة العربية في عمومها العيش بالمعنى التّنموي دون مساعدة خارجية، فكيف لها مساعدة غزّة الجائعة والخائفة والمغتصبة والمحاصرة من طرفهم، حيث تهبّ المساعدات من دول عربية لـ”تل أبيب” وأوكرانيا ولا أثر لهذه المساعدات عندما يتعلّق الأمر بغزّة وكأنّها في عالم آخر غير العالم العربي الذي قدّم استقالته للعروبة أولاً كأخلاق ونخوة وعصبيّة وللعالم ثانيًا كقيم ونواميس مشتركة وذلك لصالح دول تعرّبت بالمعنى الحضاري في ظلّ غياب العرب.

جنوب إفريقيا والبرازيل التي تقود الجنوب العالمي حيث انتصرت للإنسانية قبل كلّ شيء في غزّة من خلال تحدّي النّموذج اليهودي المسيحي المنهار وتقديم درس شرف وكرامة لأمّة “العرب” التي بدل التّحالف مع البرازيل – مثلًا لا حصرًا – لاستنهاض الهمم والبناء من جديد على أسباب التّمكين وعوامل التقدّم نجدها تتعاضد من أجل مصالح سلطوية ظرفية مع كيان سيلتهمها بعد غزّة – لا قدّر الله -.

وما يقوم به الرّئيس البرازيلي دا سيلفا لصالح فلسطين ديبلوماسيًا وسياسيًا وإعلاميًا وأخلاقيًا ناجم عن دور نضالي كبير لليسار اللّاتيني في الدّفاع عن القضايا العادلة بشكل ثوابتي أصيل منذ منتصف القرن الماضي.

حيث مازال هذا التّيار محافظ على أدبياته ومبادئه في نصرة حقوق المستضعفين في وقت تضاءل فيه دور الأحزاب والمجتمع المدني والإعلام والفضاء العمومي العربي في مثل هكذا قضايا مركزيّة إلى درجة الصّفر وتركت غزّة العربية إلى حتفها، فلا نقاشات جامعية قويّة في الموضوع ولا أبحاث علميّة هامّة ولا إجماع رسمي حقيقي ولا شارع سياسي إيجابي ولا إرادة سياسية قويّة وصادقة ولا مشروع حلّ طويل المدى للحرب القائمة لتجد غزة نفسها وحدها أمام الكيان والفراغ تنظر لشمس البرازيل لعلّها تضيء ليالي القطاع وتذهب الظّلام عن أيّام غزّة.

في ظلّ تعدّد المآزق وتصلّب الاختيارات..

وليد عبد الحي يقرأ تناقضات الداخل الصهيوني 

بقلم: وليد عبد الحي – كاتب وباحث أردني

يفترض الاستراتيجيون “الإسرائيليون” أنّ مرحلة ما بعد المواجهة الحالية سيكون شعارها الرّئيسي هو “العودة إلى المبادرة العربية” التي تمّ طرحها عام 2002 في بيروت، ولا يرى الخبراء “الإسرائيليون” ضيرًا في إعادة إحياء هذه المبادرة شريطة إعادة التّفاوض حول صياغتها.

وتدرك “إسرائيل” أنّ فكرة “إقامة الدّولة الفلسطينية على أراضي 1967” تلقى قبولًا متزايدًا من المجتمع الدّولي ومنه الولايات المتّحدة وأوروبا وروسيا والصّين وأغلب دول العالم، لذلك بدأت “إسرائيل” في التّفكير في كيفية مواجهة هذا الاحتمال وتكييفه للحصول على أفضل المكاسب وأقلّ الخسائر، وهي تدرك أنّ أمام “إسرائيل” مأزقًا، فالقبول بالدّولة الفلسطينية على أراضي 1967 سيفجّر صراعًا داخليًا بين اليمين واليسار في “إسرائيل”، وسيكون المستوطنون في طليعة المواجهة في ذلك، لا سيما أنّ عدد المستوطنين حاليًا في الضفّة الغربيّة يقارب عدد سكان “إسرائيل” عند نشوئها.

أمّا البديل الآخر فهو رفض الدّولة الفلسطينية رفضًا صريحًا وهو ما سيضع “إسرائيل” في مواجهة المجتمع الدّولي كلّه، وهو أمر خسارته ليست بالهيّنة، لذلك ولتجنّب المأزقين (الصّراع الدّاخلي في “إسرائيل” أو مواجهة ضغوط المجتمع الدّولي)، فإنّ العقل الصّهيوني سيعمل على ما يلي:

أولاً: المطالبة بإعادة طرح المبادرة العربية لعام 2002 للمناقشة والتّفاوض حولها، وهذا سيفتح المجال بهدوء للتّلاقي العلني بين المفاوض “السعودي” باعتباره “صاحب المبادرة” وبين المفاوض “الإسرائيلي”، وتتمّ إطالة المفاوضات وتشكيل اللّجان بهدف تدشين العلاقة “السّعودية – الإسرائيلية” تحت غطاء البحث في تنفيذ المبادرة.

ثانيًا: تتضمّن المبادرة العربية – في نسختها القديمة – الإشارة إلى اللّاجئين الفلسطينيين وحقّ العودة، وهنا سيذهب المفاوض “الإسرائيلي” إلى إعادة صياغة هذه الفقرة بكيفيّة تجعلها قابلة للتّأويل لاحقًا بخاصّة بعد أن تصبح العلاقات “السّعودية – الإسرائيلية” أمرًا مألوفًا ومستقرًّا، ويبدو أنّ “إسرائيل” ستميل إلى صياغة هذه الفقرة على أساس لا النصّ على حقّ العودة – كما في المبادرة العربيّة – بل على أساس “بحث موضوع اللّاجئين لاحقًا وأن يشمل البحث اللّاجئين الفلسطينيين واللّاجئين من اليهود الذين جاءوا إلى “إسرائيل” من الدول العربية خلال الفترة من 1917 إلى 1993.. ثمّ يتمّ تشكيل لجان لتبحث ممتلكات الطّرفين كمقدّمة للمقايضة بينهما.

ثالثًا: يدرك المفاوض “الإسرائيلي” أنّ إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 تعني ضمنيًا تفكيك أكبر قدر من المستوطنات، لذلك سيذهب المفاوض “الإسرائيلي” إلى طرح الموضوع من خلال عبارة: “مقايضة الأراضي”، وهو ما سيسمح لاحتفاظ “إسرائيل” بأكبر قدر من المستوطنات الكبرى المجاورة لحدود الهدنة عام 1949، ثمّ الإشارة إلى “الأماكن اليهودية المقدّسة” في الضفّة الغربية وحقّ اليهود في الوصول إليها “كما في اتّفاق أوسلو”.

فإذا علمنا أنّ عدد هذه الأماكن يصل إلى حوالي 18 موقعًا يحقّ لليهود الوصول إليها وحراستها برجال أمنها – طبقًا لنصّ اتّفاق أوسلو واتّفاق واشنطن -، فذلك يعني التخلّص من التّواصل الإقليمي والسّيادة الفلسطينيّة من خلال مبدأ مقايضة الأراضي من ناحية والوصول إلى الأماكن الدّينية اليهودية من ناحية ثانية، بخاصة أنّ هذه الأماكن موجودة في الأغوار ونابلس وغيرها الكثير، وهو ما يؤسّس لمرحلة أكثر وضوحًا في التّوجهات “الإسرائيلية” نحو تحقيق مشروع نتنياهو “الدّولة اليهودية” في كلّ فلسطين.

رابعًا: ستعمل الدّول العربية عند بدء التّفاوض على إحياء المبادرة العربيّة على أن يكون التّمثيل الفلسطيني بعيدًا عن أيّ مشاركة لتنظيمات المقاومة مهما كانت نتائج معارك غزّة، وستساند الدّول المطبّعة هذا التوجّه (مصر والأردن ودول الخليج والسّودان والمغرب و”آخرين من دونهم لا تعلمونهم، الله يعلمهم”)، ومن المؤكّد أنّ الفريق الفلسطيني المفاوض سيتمّ تشكيله بنفس الطّريقة التي تمّ فيها اختيار الفريق القائم حاليًا، والتي وصفتها وزيرة الخارجية الأمريكية السّابقة، كونداليزا رايس، في أحد كتبها بدقّة وتفصيل.

خامسًا: فيما يتعلّق بالقدس، فستعمل “إسرائيل” على إرجاء الموضوع، ثمّ ستطرح فيما بعد “وصاية” مشتركة على الأقصى تشمل إلى جانب الأردن كلًّا من السعودية وتركيا وربّما حضور رمزي للأزهر والمغرب (على أساس أنّ المغرب ترأّس لجنة القدس)، ولن يتمّ هذا إلّا بعد أن تكون حركية الانفتاح العربي على “إسرائيل” قد ازدادت نشاطًا وأصبح التّنازل أمرًا مفروغًا منه لدى العقل والشّعور العربي”.

إنّ إفساد ذلك كلّه مرهون بشكل أساسي بمحور المقاومة، وبكيفية إدارة المعركة العسكرية والسّياسية.. وهو أمر يستحقّ التّفكير في إمكانياته..

الأيام نيوز - الجزائر

الأيام نيوز - الجزائر

اقرأ أيضا