أدوية الهروب المؤقّت.. شباب اليمن في مواجهة واقع زمن الحرب

تتسبّب الحرب الظالمة ـ مع ما يتبعها من أزمات متعدّدة (سياسية واقتصادية واجتماعية…) ـ في زيادة الضغط النفسي على فئة الشباب اليمني الذي يُعاني تهاوي فرص العيشِ الكريم، ما يجعل بعض هؤلاء الشباب يلجأ لاستخدام الأدوية المهدئة للهروب من صعوبة الواقع، لكنْ، إلى حين فقط، ذلك أن لتلك الأدوية انعكاسات سلبية تظهر تأثيراتها على المدى البعيد وحتى القريب أيضا.

منذ اندلاع الحرب في اليمن مارس 2015، انقلبت أوضاع اليمنيين الذين من بينهم «رضوان القاسمي»، وهو شاب في الثلاثين من عمره، خسر عمله في إحدى الشركات الخاصة بالاستيراد والتصدير فوجد نفسه عاطلا إلا من أعمال بسيطة ومتقطّعة لا تكفي لسداد إيجار منزله، فضلا عن اقتناء أساسيات الحياة، ومستلزمات طفلته التي لم تبلغ من العمر عامين ونصف.

بلغة تهكمية، يقول «القاسمي» لـ«الأيام نيوز»: لقد “أتت الحرب وأنا في كامل عطائي الشبابي والمهني، كنت أحلم بمستقبل أعيشه وتعيشه أسرتي لولا أن الحرب، بدّدت كل شيء، فكانت المهدئات سبيلي الوحيد للهروب”، ويضيف «القاسمي»: “لجأت إلى الصيدليات لشراء المهدئات دون علم بمسمياتها وأضرارها، فكانت رفيقتي لسنوات مع مهدئات تخفيف آلام، وجميعها سببت لي مضاعفات عديدة أهمها أرق لا تزيله سوى المهدئات التي أصبح جسمي مدمنا، عليها إضافة إلى الصداع الذي يلازمني لفترات طويلة وتقرحات وتوتر وما شابه ذلك”.

اضطرابات نفسية

تؤكد المعالجة النفسية عهود المهدي لـ«الأيام نيوز» أن ثمة أسباب عديدة تقف خلف الإصابة بالاضطرابات النفسية، مؤخرا أبرزها الحرب التي تدفع بالمرء ـ في بداية الأمر ـ إلى مواجهة شبح القلق وسوء التكيف والاكتئاب… وغيرها من الأمور الجالبة للاضطرابات النفسية، إضافة لضغوطات الحياة اليومية ومسؤولياتها، في ظل شعور قاهر بالعجز عن فعل أي شيء.

وتوضح عهود المهدي، أن منحنى الاضطرابات النفسية، في تصاعد مستمر، ويشمل الجنسين من جميع الأعمار والفئات، وعلى الرغم أن الإناث والذكور معرضان للإصابة بالاضطرابات النفسية على حد سواء، إلا أن الإناث أكثر اعترافًا وطلبًا للمساعدة.

مخاطر العقاقير المهدئة

بحسب الدكتور صلاح الشاطر، فإن المهدئات عبارة عن أدوية تُستخدم لتهدئة المريض، والسماح له بالخلود إلى النوم، من خلال تعديل الإشارات العصبية داخل الجهاز العصبي المركزي، وغالبا ما تُستخدم المهدئات لعلاج أمراض ومشكلات صحيّة تتعلّق بالأرق والتوتّر ونوبات الهلع واضطرابات النوم.

ويضيف الشاطر لـ«الأيام نيوز» يمكن استخدام المهدئات بشكل واسع كوصفات طبيّة لبعض الحالات، كما يمكن استخدامها بطريقة غير قانونية كنوع من المخدّرات التي تشمل مسبّبات الإدمان، تسمى أيضا بالمثبطات، وتأتي على هيئة أقراص وكبسولات متعّددة الألوان أو على شكل سائل مثل زيبريكسا، سيروكويل، هالدول، لكنّ ثمة مهدئات تسبّب الإدمان منها: ديازيبام، لورازيبام، تريازولام، ترامادول.

ويؤكد الشاطر أن تناول جرعات زائدة من المهدئات قد يؤدي إلى فقدان التوازن ومشكلات في الوعي والإدراك وصعوبة في التنفس والتقيؤ والصدمة وتباطؤ في نبضات القلب والتلعثم أثناء الحديث وغيرها من المخاطر التي قد تصل إلى فقدان الذاكرة والدخول في غيبوبة.

مهدئات خطرة في متناول الجميع

يؤكد أحد الصيادلة في العاصمة صنعاء (فضل عدم ذكر اسمه): أن “الأدوية المهدئة، تُصرف دون استشارة طبيب، فتكون من قبل الصيدلي، أو بحسب طلب المريض لنوع ما من أنواع المهدئات، عدا alprazolam المعروف باسمه التجاري زانكس أو أكسنكس وما شابهه لما له من تأثيرات جانبية أهمها الإدمان لاسيما عند الإفراط في تعاطيه”.

ويشير في حديثه لـ«الأيام نيوز» أن معظم الصيادلة لا يلتزمون بصرف الأدوية للمرضى حسب استشارات الأطباء لاسيما في ظل غياب القوانين وتغافل الجهات الصحية عن ظاهرة تهريب الأدوية مقابل ضعف والرقابة المباشرة على المستشفيات والصيدليات… لهذا أصبحت حياة الناس في أيديهم وأيادي صيادلة لا يفقهون من المهنة سوى المتاجرة فحسب.

حلول فعالة

تقول عهود المهدي المعالجة النفسية: “الحل الأفضل لمعالجة الاضطرابات النفسية تكمن في زيارة طبيب متخصّص، والأهم من ذلك، العمل على وقاية أنفسنا من الإصابة بالاضطرابات النفسية في المقام الأول، من خلال التحكم في الضغوط الحياتية والعمل على حلها أو التكيف معها في حال عدم مقدرتنا على التخلص منها، إضافة إلى رفع تأكيدنا وتقديرنا لذواتنا والاعتناء بها.

وتختم المهدي حديثها، بالتأكيد على “عدم إهمال الأعراض النفسية والجسدية التي تظهر علينا، مع محاولة ضبط أفكارنا السلبية والنظر إلى الجوانب الإيجابية من حولنا والقيام بأنشطة مفيدة ـ من فترة إلى أخرى ـ مثل ممارسة الهوايات المفضلة، أو زيارة مكان لطيف أو التواصل مع من نحب وغيرها”.

منير صالح - صنعاء

منير صالح - صنعاء

اقرأ أيضا