أساتذة وباحثون أقروا بفشل تجربة «آل ام دي» بعد عقدين من اعتمادها.. الجامعة الجزائرية تستعد للعودة إلى النظام الكلاسيكي

استقرت الحكومة الجزائرية مؤخراً على ضرورة الاستغناء عن نظام «أل أم دي» الذي بدأ انتهاجه منذ ما يقارب الـ15 عاما، في ظل رهانات تخوضها على الجامعة من أجل تحقيق الإقلاع التنموي الشامل زيادة على التعليم والبحث، وفي إطار الإصلاحات العميقة والجذرية لنظام التكوين المعتمد منذ أعوام، أمر رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، في اجتماع مجلس الوزراء الأخير، بدراسة شاملة ومتكاملة حول جدوى العودة المرنة إلى نظام ليسانس كلاسيكي، تعويضا لنظام «أل أم دي».

ويعود العمل بنظام «ال أم دي» إلى عام 2004، حين أقرت الحكومة آنذاك بضرورة الالتحاق بركب الدول المتقدمة، غير أن الجامعات تعاني اليوم من الكم الهائل للطلبة، إذ لم تستجب لمختلف الإجراءات التي فرضتها سرعة التقدم على مستوى قطاعات العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد ونقص فادح في التأطير البيداغوجي.

وفي هذا الإطار، تعتقد الأمينة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي بالمرصد الجزائري للوقاية من الفساد ودعم هياكل الدولة، الدكتورة سامية غشير أن «قرار العودة إلى النظام الكلاسيكي قرار مهم، وخطوة جيدة من شأنها الارتقاء بالجامعة الجزائرية وإخراجها من حالات الرداءة والتردي والتقوقع التي تعيشها في ظل نظام «أل أم دي» فاشل من جهة تكوين الطلبة، ومن جهة المردود الفردي والجماعي للطلبة والأساتذة، إضافة إلى تصنيف جامعاتنا عالميا، وإفريقيا، وعربيا».

وأوضحت الدكتورة سامية غشير في تصريح لـ«الأيام نيوز» بأن «النتائج تكشف عن فشل هذا النظام وإخفاقه، وعدم تحقيق الأفاق الاستشرافية له، ويتمظهر ذلك الفشل ـ حسبها ـ في ضعف تكوين الطلبة معرفيا وبيداغوجيا، وعدم قدرتهم على الإلمام بالتخصص نظرا لطبيعة التدريس الذي يقوم على سداسيات غير كافية على جعل الطالب يفهم جيدا ما يدرسه، أو ترسيخ الأفكار الجوهرية التي تتمحور حولها المقاييس، إضافة إلى آلاف الطلبة المتخرجين في أطوار الليسانس، والماستر، والدكتوراه، الذين يدقون ناقوس البطالة، بسبب السياسة العقيمة، وفتح مسابقات الدكتوراه بطريقة عشوائية دون تكوين ناجع، أو رؤية مستقبلية تخدم قطاع التعليم العالي وترتقي به».

وحسبها فإن «الجامعة الجزائرية قد دقت ناقوس الخطر بفعل غياب السياسات الهادفة، والتخطيط المنهجي الدقيق على المدى القريب والبعيد، وغياب التكوين الفعلي للأساتذة والطلبة، وعدم الاستثمار بشكل صحيحٍ في المقاربات التعليمية التي حققت نجاحاً كبيرا في الجامعات العالمية العريقة، وهذا ما انعكس سلباً بالنظر إلى عدم استجابة البيئة الجزائرية بصفة عامة، والجامعة الجزائرية خاصة لتلك المتغيرات والتحولات الجديدة، إذ تمخضت عنها نتائج وخيمة في مردود الباحثين، وعدم استيعابهم للطرائق البيداغوجية الجديدة ـ منها المقاربة بالكفاءات ـ وهذا من تسبب في إخراج جيل فارغ علميا، غير قادر على العطاء والإنتاج».

الجودة في الجامعات الوطنية

ولإخراج الجامعة الجزائرية من تخلفها، وتحقيق مخرجات إيجابية تدفعها إلى المنافسة، والتقدم في الترتيب دعت الدكتورة سامية غشير إلى «العودة إلى انتهاج النظام الكلاسيكي، ابتداءً من العام المقبل، فتدريس المقياس سنويا أفضل من السداسي، قصد جعل الطالب يستوعب المادة المعرفية المقدمة، مع التركيز على تكوين الأساتذة والطلبة تكويناً صحيحاً، يستجيب للمعايير العصرية، والتقنيات التكنولوجية الحديثة، وتشجيع عمل المخابر، والمجلات، والتنويع في النشطات العلمية الهادفة من ملتقيات وندوات».

وأكدت عضو المجلس الأعلى للشباب على ضرورة «التركيز على عمل مكاتب الجودة في الجامعات الوطنية، وتقديم منح، وتحفيزات، وتربصات للأساتذة والطلبة الذين يحققون نجاحات مستحقة، مع تبني براءات الاختراع والمشاريع والمؤسسات الناشئة الهادفة وإقامة شراكة علمية بين الجامعات الوطنية والجامعات الأجنبية، إلى جانب التركيز على التعليم الرقمي والتعليم عن بعد وتكوين الأساتذة والطلبة فيما يخص المنصات التعليمية».

وشددت المتحدثة إلى ضرورة «معاقبة المتخاذلين المتقاعسين الذين لا يقدمون نِتاجا علميا كل عام، وتعميم التدريس باللغة الإنكليزية، إلى جانب اللغة العربية، مع ربط الجامعة بالمؤسسات الاقتصادية الأخرى، والتشجيع على حركية التأليف خاصة التأليف الجماعي، وبلغات متعددة، إلى جانب اعتماد مجلات وطنية، والسعي إلى تصنيفها على مستوى أكبر A أو A+، وفتح مسابقات التكوين في الدكتوراه بطريقة رشيدة وهادفة، وفق مخطط ممنهج ودقيق».

وختمت الدكتورة سامية غشير حديثها بالإشارة إلى أن «الغاية من إجراء عمليات الإصلاح التربوي هي إحداث تغيير إيجابي في جهود المعلمين والمتعلمين، وتحقيق التطور الملموس على مستوى الأداء ونوعية النتائج وقيمة المهارات والقدرات والخبرات المبرمجة للتعلم، وكذا في أساليب التدريس وطرقها المختلفة: لتحقيق الأهداف التعليمية المختلفة».

وأبدت المتحدثة أسفها من إخفاق نظام «أل أم دي» في تحقيق أي إصلاح، بل إنه انحرف عن الغايات السامية للتعليم المتمثلة في تكوين أجيال تكوينا صحيحا بيداغوجيا وعلميا، كما أنه كان سبباً مباشرا في تقوقع الجامعة الجزائرية التي قلدت الأنموذج الكندي دون خوف من تَبعاته ومخرجاته في البيئة التعليمية الجزائرية».

توفير الإمكانات

من جانبه، يعتقد الأستاذ الجامعي والباحث في العلوم السياسية، الدكتور محمد بوضياف، أن «العيب ليس في نظام «أل أم دي»، أو في النظام الكلاسيكي أو غيرهما، وإنما العيب كله في توفير الإمكانات والظروف المواتية لإنجاحه»، مشيرا إلى أن «التعليم الجامعي بالجزائر يعاني من نقص في النضج المعرفي لدى الأستاذ من حيث إحاطته بالمادة التي يقدمها (باستثناء القلة)».

وإلى جانب غياب الكتاب المتخصص ـ يضيف المتحدث ـ «وانقطاع المكتبة الجامعية عن مواكبة ما يكتب على صفحات المجلات المتخصصة والمواقع العلمية أو التواصل عبر التقنيات البصرية مع أساتذة التخصص، وكل ذلك يحتاج إلى أموال وإلى استيعاب محافظي المكتبات لهذه الرهانات».

ودعا الدكتور محمد بوضياف إلى «بعث روح المسؤولية عند الأستاذ ومحافظ المكتبة وفرض الانضباط في الإدارة»، وحسبه فإن «ما دون ذلك، لن ينفع النظام الكلاسيكي إلا من حيث إضاعة الوقت وإرباك الوظيف العمومي مرة أخرى».

وأشار الأستاذ الجامعي والباحث في العلوم السياسية إلى أن «الأساتذة يعرفون ـ في كثير من الأحيان ـ عناوين ومقدمات عن المواد التي يدرسونها، وليس بإمكانهم الخوض في تفاصيل المادة من حيث فلسفتها وتطور نظرياتها ومناهجها، ومن حيث المتابعة ومعرفة آخر ما كتب والتفريعات الحاصلة في الحقل الذي يهتمون به»، وحسبه فإن «هذا القصور يؤثر حتما على تكوين الطلبة وفي التحصيل العلمي والعجز بالسير بهم إلى نهايات التخصص وامتحان قدراتهم في الإبداع والابتكار».

مشاركة كل الفواعل

جدير بالإشارة إلى أنه سبق للرئيس تبون وأن أمر بإعادة النظر بصفة دقيقة في التنظيم الحالي للتكوين الجامعي، بين نظامي «أل أم دي» والكلاسيكي، وفق نظرة توافقية للأسرة الجامعية، ودعا خلال اجتماع سابق لمجلس الوزراء، إلى «فتح المجال للجامعات الخاصة، وفق معايير ومقاييس عالمية، بما فيها المنشآت، مع إمكانية تمويل بنكي لتجسيدها»، ووجه بوضع «بطاقية مرجعية للتخصصات العلمية، لمعادلة شهادات الجامعات الأجنبية، بصفة آلية لحامليها من الجزائريين، بهدف تسهيل عودة الكفاءات والاستفادة من تكوينها العالي وخبرات طلبتنا وأساتذتنا القادمين من الخارج».

وفي السياق، أكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بدري، في تصريح إعلامي سابق أن «مراجعة نظام «أل أم دي» ستتم بمشاركة كل الفواعل لاتخاذ ما هو مناسب للجامعة الجزائرية التي تعتبر المحرك الأساسي لتنمية الاقتصادية والقاطرة التي تقود المجتمع إلى بر الأمان والرفاهية».

وحسبه فإن نجاح الطالب تعتبر أولوية وطنية بيداغوجية اقتصادية واجتماعية»، مشيرا إلى أن «نظام التعليم العالي بالجزائر مر بأربعة إصلاحات رئيسية سنوات 1971، 1984، 1998 و2004، غير أن «نظام «أل أم دي» ومنذ تطبيقه لم يخضع إلى إصلاح قوي، والوقت قد حان لإعادة النظر فيه».

منير بن دادي

منير بن دادي

اقرأ أيضا