أصداءٌ من زئير “أسد الأطلس الجزائري” (الجزء الثاني)

اشتهرت بعض مناطق الجزائر بأسُودِها مثل: أسد البليدة، وأسد بوعيزل، وأسد بسكرة، وأسد سعيدة.. وقد انقرضت جميعُها ولم يتبقّ منها سوى صُور ورسومات وشهادات مُدوّنة في كُتب الرّحّالة والأدباء والعساكر والصيّادين الأوروبيين والفرنسيين. وتواصل “الأيام نيوز” تقديمَ إضاءة حول جرائم الاستعمار الفرنسي في القضاء على الحيوانات البرية المفترسة في الجزائر مثل: الأسود والفهود والنّمور.

الجزائر بلاد الأسود والنُّمُور والفهود

ركّز كثيرٌ من الكُتّاب والرّحالة الأوروبيين على جمال الطبيعة في الجزائر، وتنوُّع أحْيائها الحيوانية والنباتية. فقد قال الكاتب الفرنسي “أرسين بورتاي”، في كتابه عن الجزائر سنة 1856، “تعيش في غابات الجزائر، الأسود والفهود والنمور بمختلف أنواعها”. وقال الرحّالة “ج. شالون”، في مذكّراته عن الجزائر سنة 1887، “نذكر بعض الحيوانات التي تُمثّل تميّزا كالأسود والنمور”. وكذلك سجَل “بنجمين قاستينو” شهادته عن الجزائر في كتابه الصادر سنة 1861 بعنوان “المرأة والعادات الجزائرية”، فقال: “في الجزائر، الصحراء والواحات، البحر والجبال، وسماؤها دائمةُ الصّفاء، وأرضها خصبة، وغابات البلُّوط فيها مليئةٌ بالأسود والفهود”.

لم تكن تلك الكتابات والشهادات عن الحيوانات البريّة من منطلق الإعجاب فحسب، بل كانت من منطلق الخوف أيضا والخشية من أخطارها أثناء الرّحلات السياحية. فقد عبّر الرحّالة “ماركوت دو كيفيار”، الذي زار مناطق في جبال الأطلس، عن تخوّفه من العودة إليها مرّةً أخرى بسبب نوع من النمّور المُنتشرة فيها. ومن الطريف أن ضابطا فرنسيا أصدر كتابا سنة 1863 بعنوان “الفرنسيون في الصحراء”، حيث عبّر عن “أسفه” من عمليات صيد الأسود التي يقوم بها السكّان في منطقة “الحساسنة الشراقة” بضواحي “سعيدة”، وكأن حملات الصّيد ببنادق الفرنسيين والأوروبيين لم تكن مُضرّةٌ بالأسود.

كتاباتٌ تُحرّض على الصّيد الجائر

تميّزت الكتابات الفرنسية بالتهويل والتشويق لتأخذ طابع المُغامرة والدّعاية التي تُغري الأوروبيين بالقدوم إلى الجزائر واستكشاف عوالمها السحرية وطبيعتها الجميلة وحيواناتها المُفترسة، وهذا الأمر يندرج في سياق مُخطّطات الاستعمار الفرنسي لاستقطاب مُعمّرين من مُختلف أنحاء أوروبا ليسكنوا في الجزائر ويكون لهم تأثيرهم الديموغرافي والاقتصادي والثقافي أيضا. وفي المقابل، فقد شكّلت تلك الكتابات شهادات ذات قيمة تاريخية عن وُجود الأسود والفهود والنمور، وحيوانات برية أخرى كثيرة، وتَعدّد أنواعها وانتشارها بكثرة في مختلف ربوع الجزائر.

القتل المأجور

اختلفت الكتابات الفرنسية في تحديد أسباب قتل الحيوانات البرية المُفترسة، فَقِيل بأن القتل كان في إطار رحلات السياحة والصيد في المناطق الغابية. وقيل بأن القتل كان خوفًا من أخطار تلك الحيوانات على الرّحّالة والجنود. وقِيل بأن القتلَ كان من أجل حماية المواشي (الأبقار والأغنام..). ولعلّ أصدق من سجّل شهادةً عن الأسباب الحقيقية هو “ج. شالون” الذي قال، حَوْل تناقص أعداد الأسود، “مصلحة المزارعين الأوروبيين في القضاء عليها من أجل جلودها الثمينة، وكذلك من أجل المكافأة التي تُقدّمها السّلطات (الاستعمارية) لصائدي الأسود والمُتمثّلة في مبالغ مالية مُعتبرة”. ويُضيف، حول صيد النمور قائلا: “أما النمور أو نمور إفريقيا أو النّمور الكبيرة، فتعرّضت إلى حرب شرسة قادها المُستوطنون من أجل المكافأة والجلود. كما كان المُستوطنون يرون بأن كل أسد ونمر يُكلّفُ وُجودهما ثورًا في اليوم، فكانت مكافأة قتل هذه الحيوانات تتراوح من 40 إلى 60 فرنكا عن الحيوان الواحد، حسب القيمة التي تُحدّدها البلديات”.

الكاتب “ألكسندر دوما” شَغوفٌ بصيد الأسود

صار صيد الأسود والفهود والنمور حرفةً، فاشتهر عددٌ من الصيادين المحترفين مثل: البرلماني الفرنسي “بول بوردون”، و”بارتويسي”، و”بامبونال”. إضافة إلى الصيّاد “جيل جيرار” الذي زادت شهرته عن غيره من الصيادين لأن الكاتب الفرنسي “ألكسندر دوما” كتَب عنه في كتابه “السريع أو طنجة الجزائر تونس” الصادر سنة 1855، حيث ذَكر “دوما” بأنه في سنة 1849 عقد موعدا مع الصيّاد “جيرار” في “قالمة”، ولكنه لم يجده في مكان اللقاء، لأن الصيّاد كان غائبا في رحلة لصيد لبؤة وشبليها في منطقة “سكيكدة”، فلحق به إلى هناك مدفوعا برغبته وشغفه باصطياد أسد، حيث قال: “لقاء جيرار زاد من فضولي، ولكن الأمل في صيد أسد كان هو رغبتي الكبرى”. ونُدرك من كلام “دوما” بأن الصيّد كان عمليات تخضع إلى تخطيط ورعاية وربما كانت تدعمه “مصلحة” للمعلومات حول تحرّك الصيّادين وأهداف صيدهم، فالكاتب تنقّل من مدينة “عنابة” إلى “قالمة” فعرف أن صديقه في “سكيكدة” لاصطياد لبؤة وشبليها، فلحق به إلى مكان الصّيد، ما يعني أن “دوما” حصل على المعلومات الكافية والوسائل اللازمة التي أوصلته إلى صديقه في منطقة شاسعة من الجبال والمناطق الغابية.

الفهود أكثرُ من الأسود

وصف المؤرّخ الفرنسي “هيغو أمبير”، في كتابه “أربعة أشهر في الساحل” الصادر سنة 1888، مشهدا لأسد البليدة، حيث قال: “في البليدة يوم 25 أفريل.. أخيرا رأيتُ الأسدَ، كان مربوطًا بحبل في زاوية سيدي محمد الرحبي، ليراه الناس. وقد ظل في حماية الزاوية ليلقى التقديس ويُصبح حيوانا مُقدّسا”. ثم يُقدّم “هيغو” بعض الإحصائيات عن قتل مائتي أسد ولبؤة وألف فهد من سنة 1873 إلى 1886، وذَكر بأن تَملُّك المُعمّرين لمساحات شاسعة من الأراضي، وإسرافهم في القتل المأجور والجائر للحيوانات البرية المفترسة، جعل من رؤية الأسود في الجزائر أمرًا نادرًا. وذكرت بعض الإحصائيات بأن عدد الفهود كان أكثر من عدد الأسود والنمور، ومن أجل الحصول على جلودها ومكافآت صيدها، كان يُقتلُ منها ما بين 120 إلى 150 سنويا.

شهادة بعثة برلمانية فرنسية

جاء في كتاب “عَبر الجزائر: ذكريات الرحلة البرلمانية، سبتمبر- أكتوبر 1879” للبرلماني “بول بود” بأن جلود تلك الحيوانات كانت سلعة قَيّمةً جدا وكانت تُباع في الأسواق الجزائرية وتُصدّر إلى أوروبا. وقال الباحثة “سليمة بودخانة” في دراستها “الاحتلال الفرنسي ودوره في انقراض الحيوانات البرية المفترسة في الجزائر: الأسود والفهود”، نقلا عن المصدر نفسه، “نقَل أحد الأعضاء (البعثة البرلمانية) أنه في مدينة عنّابة، كانت في إحدى أجنحة المعرض الفلاحي والصناعي، قاعة مليئة بجلود الحيوانات، نجد منها ثلاثة جلود رائعة لأسود بأسعار مرتفعة، فجلد لأسد عادي بـ 1500 فرنك، وآخر به فراء أسود على الرقبة، وهو نادر جدا، بسعر 2000 فرنك، كذلك جلود الفهود المميزة وتُباع بأسعار أقلّ ما بين 300 إلى 400 فرنك”.

الحفاظ على الحيوانات النادرة.. مسؤولية الجميع

إن الاستعمار الفرنسي أعلن حرب إبادة على الحياة الطبيعية في الجزائر، فانقرضت حيوانات كثيرة مثل: الأسود والفهود والنمور. إضافة إلى حيوانات أخرى كثيرة مثل: النّعام وأنواع مُختلفة من الغزلان.. وإنه واجبٌ وطني ومسؤولية يتحمّلها كل جزائري في الحفاظ على ما تبقى من أنواع حيوانية نادرة في بلادنا. كما يجب أن نعيد تجميع الكتب والوثائق والشواهد التاريخية والأثرية في هذا الموضوع، لنعيد رسم الجزائر السّاحرة بجمالها وتنوّعها الطبيعي. ونُنوّه بأننا اعتمدنا في إعداد هذا الموضوع على دراسة “الاحتلال الفرنسي ودوره في انقراض الحيوانات البرية المفترسة في الجزائر: الأسود والفهود” للأستاذة “سليمة بودخانة”.

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا