أمام جنون الكيان وتعالي نعيق النخب “الأعرابية” حول الملحمة.. مذبحة غزة.. أهي مقاصف التلمود أم محرقة الانتقام؟

في واحدة من المواقف التي وضعها المشاهدون في خانة القصص الطريفة التي مرّ بها الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، بتاريخ 16 جوان من عام 2009 وذلك على هامش لقاء صحفي على المباشر في قناة “سي أن بي سي”، خلّد التاريخ أنّ “ذبابة” أزعجت أوباما أمريكا، أثناء إجرائه للقاء، فما كان من الرجل القادم جدّه من إفريقيا، إلا أن أبعدها مرة ثم مرتين وفي ثالث مرة وبحركة سريعة قتلها، وأمام دهشة محاوره وصدمته، لم يجد أوباما من مخرج لوحشيته مع الذبابة إلا إظهار أساه، ومعه مقولته المشهورة التي تحوّلت إلى طُرفة حينها: “كان الأمر مؤثرا، لقد قتلتها.. !”

المضحك في تلك القصة “الذبابية” الحزينة، أنها لم تتوقف عند حدود تأثّر أوباما بالحادثة، وربما عدم نومه ليلتها لبشاعتها الافتراضية، ولكنها وصلت إلى حد قيام إحدى المنظمات الحقوقية على التنديد بالوحشية التي تعرّضت لها ذبابة أوباما، مستنكرة طريقة اغتيالها بدم بارد أمام العالم، ولنا أن نتصوّر ونستنبط من تلك الواقعة التاريخية الذبابية والضبابية، حساسية “الأمريكان حكّاما ومحكومين من قتل الذباب لا العرب، فالوحشية في عرف أمريكا بأمسها الذي كان هنودا حمرا أو يومها الذي هو بغداد فليبيا فدمشق واليمن وانتهاء بما يجري من محرقة بفلسطين وتحت سماء غزة، تلك الوحشية لا تسمى كذلك إلا إذا تعلّقت بالذباب مثلا، أما عداها فالمقاصف التي أزالت عراقا وخسفت أفغانستان وأنهت دمشق فليبيا وصولا إلى محرقة غزة، فإن الأمر يتعلّق بإنسان غير لازم وبلا قيمة أو ديّة أو حتى منظّمة ذباب تدافع عن حقه في استنشاق الهواء..

مبرّر أوباما في تأثّره بقتله لذبابته المسكينة وردّه على تنديد تلك المنظمة التي ثارت بسبب جريمته النكراء، أنه ليس بينها وبينه شيء، فقط هي لحظة غضب غير محسوبة، حيث لا ثأر ديني ولا منافسة أو مطامع اقتصادية، هي فقط نزوة، تستحق اعتذارا للذباب، والنتيجة.. لقد قبلت الذبابة اعتذار صاحب الدبابة بجغرافية العرب بأمس أوباما، كما قَبِل وتفهّم ذات الذباب في يوم بايدن هذا، منطق الدبابة التي ترافع لحق آل السبت في محو غزة أطفالا ونساء وشيوخا، دون رأفة ولا إحساس بذنب يقارب عطف الأمريكان على الذباب والسبب، أن بيّن الكيان الصهيوني كتلمود قديم العجل والأثر وبين العرب كأمّة “كِتاب مبين”، حكاية ثأر وانتقام وديون قديمة، تتجاوز ردّة فعل الكيان الصهيوني على طوفان أقصى جرف أوهام أحباره قبل ساسته، لتصل إلى حرب وجود وراءها تعاليم تلمودية بـ”تل أبيب” وتعاليم كنسية بالنسبة للغرب من روماه القديمة إلى بيته الأبيض اليوم..

هل هي حرب انتقامية أم أنها مقاصف التلمود؟

قبل أن تفضح أحداث 11 سبتمبر 2001 وما تلاها من تداعيات لازالت، الأمة العربية كيانا ومكوّنا، تعيش مضاعفاتها، حقيقة الغرب وكوامنه التاريخية الأحقاد والهزائم، لم يكن لأحد أن يتصوّر أنّ أمريكا التي جمعت العالم العربي والغربي تحت قبّعة حريتها الافتراضية ناهيك عن قوّتها ونهضتها التكنولوجية، ليست إلا نسخة من روما قديمة كانت رمزا لحرب صليب متوارث الضغائن، لكن صرخة بوش عشية أحداث 11 سبتمبر، بكونها حربه الصليبية، فضحت أمريكا التي تتأثّر لقتل ذبابة، فيما تتحرّك بوارجها وأسطولها الحربي، في اتجاه غزة محاصرة ومقصوفة ومنتهية تحت الأنقاض، وبعيدا عن مبرّرات الأمس في سبتمبر أحداثه وبين أكتوبر الطوفان وأقصاه، فإن لسان الحال، يقول أن عجوز أمريكا، ما حرّكته من غفوة هرمه إلا ذاكرة الصليب، حيث الحرب من بداية قصفها، لم تكن إلا حربا دينية تلمودية الهدف، كما تحرّكت لها أمريكا تحرّكت لها باريس وبريطانيا وإيطاليا، ليتّفق كبار العالم، على دعم قاصفها بكل الوسائل بدلا من ردعه باسم إنسانية طالما تاجرت بها محافلهم الرسمية، لكنها غزة من عرّت كوامن أبناء التلمود والإنجيل ليصطفوا جيشا واحدا ضد سكان عزّل بغزة، والسبب أبعد مما جرفه طوفان المقاومة من خسائر مادية وبشرية ونفسية في صفوف الكيان، ولكن كون غزة ومن خلال طوفانها ذاك، أيقظت الوجدان العربي من سنوات ذلّه وخنوعه وسباته، والتي استهلك الغرب سنوات بل قرون لترسيخها في الذات العربية، التي لم تصل قيمتها لدى الغرب حتى إلى قيمة ذبابة أوباما، فإذا بطوفان الأقصى يعيد بناء وجبر ما تهدّم وتمّ كسره في المكوّن العربي، وثمة كان مكمن الخطر ومكمن الحشد والاصطفاف الغربي الأمريكي مع الكيان الصهيوني، لاستباق لحظة استيقاظ المارد، فليس معقولا، أنّ أمريكا التي كسرت العرب في مسرحية صدام حسين وهو يجرّ من عنقه من داخل قبو، كما حطّمت البقية الباقية من تمرّد عربي في تمثيلية القذافي وهو يسحل من تحت جسر للمجاري، أن تنتهي كل مخططات واستراتيجيات تدميرها للذات العربية، على يد طوفان جارف لم يثبت فقط عجز الكيان الصهيوني ولكن عجز وبلاهة أجهزتها الاستخباراتية التي رسّخت في الذهن الجمعي أنها الحاكم الفعلي للعالم القرية، وأنها القوة التي لا يغيب عنها حتى طنين ومشاعر الذباب حين تغتال منه واحدة على يد رئيس أمريكي قاس..

مجمل القول هنا، أن الجنون الصهيوني  وكذا التحالف الغربي، أكبر من انتقام وثأر من عملية عسكرية نوعية ولكنه، حرب وجودية، هدفها الأول والأخير، إعادة الذات العربية إلى سابق استكانتها وخنوعها وذلّها بعيدا عما أحياه طوفان الأقصى في شعوبها من عزة سيطرة وصمود وتحد، ومنه فإن بوارج أمريكا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، ليست إلا حربا استباقية للغرب على صحوة عربية، تلاها هؤلاء في إنجيلهم كما حفظها أحبار اليهود في تلمودهم، والبقية مقولة لواحد منهم على لسان توراتهم أن اقتلوهم قبل أن يعودوا من بعيد جيادا وسروجا..

بعبارة واضحة، لا لبس فيها، ما يحدث في غزة اليوم، ليس حربا ضد مساحة جغرافية محدودة ولكنها ساحة حرب ضد أمّة ممثّلة في غزة هي طوفان قادم، طوفان أيقظ أمّة من سبات هزائمها، فزرع في قادمها أن ثلّة منها، يمكنها أن تغيّر معادلة الصراع، لتنهي أوهام التفوّق كما تلغي مزاعم أن الأقدار تكتبها قوة أمريكا وحلف الغرب، لذلك فلا غرابة في جنون نتنياهو ولا في جنون بايدن ومن والاه من زمن ماكرون وأعراب العروش والممالك..

أين النخبة من سؤال القصف؟

الغريب فيما يُقصف في غزة، ليس فقط حجم المؤامرة المعولمة التي جمعت بين عامل الثأر وبين مخطط وعقيدة الإنهاء للقادم من عزة صمود ومقاومة، ولكنها في نخب عربية، المفترض أن تكون جزءا من ملحمة الانبعاث، فإذا بها تركب موجة التتفيه والاستصغار وحتى الإدانة المبطّنة بإنسانية كاذبة لطوفان الرجال، حيث تعالت أصوات ناعقة، لتطعن فيما جرى ويجري من تضحيات بمبررات واهية وتافهة، محمّلة المقاومة بدلا من الكيان الصهيوني، مسؤولية الدمار الذي لحق بغزة، وذلك، تحت غطاء شجرة عبثية عنوانها، أنه ما كان للمجرم أن يقتل أطفال البيت ويُمَثِل بهم لولا أن الوالد ظلّ مستسلما للوطء ولم يتجرأ على الدفاع عن عرض زوجته من اغتصاب كان مرابطا بالباب، وطبعا، وفي عرف نخبة الهم تلك، أنه بدلا من إدانة الكيان الصهيوني وجنونه الذي خسف الزرع وأهلك النسل، تعالت أصوات النعيق محمّلة سبب الجنون لمن دافع عن شرف أمة وصان حرمتها.

للأسف، النخب العربية، التي من المفترض أن تكون هي عقل أي ثورة وكل مقاومة، أضحت هي قاضي الإدانة لمن صان شرف بيته، والمهم في خرجات هؤلاء وعلى رأسهم المدعو ياسمينة خضرا كنموذج وليس حصرا، أن ذلّهم بالإضافة إلى مشاربهم الثقافية المرتبطة بمن نفّخهم، دفعتهم لأن يكونوا جزءا من متاجرة بجثث الضحايا باسم الإنسانية، فعوض أن يشيروا إلى القاتل بأصابع واضحة التجريم، اتهموا كل متعاطف مع الصمود والطوفان بأنه ليس عديم الإنسانية..

طوفان الأقصى ومهما كانت نتيجة شموخه في وجه حرب الصليب والسداسية، إلا أنه وعلى طريقة بوش في أحداث سبتمبر القديمة، وضع الجميع أمام خيار، من ليس معنا فهو ضدنا، بعبارة أدق من “مع وضد” فإن المعادلة اليوم.. إما أن تكون مع الحق أو أنك مع الكيان الصهيوني، أما بقية التبريرات تحت شجرة الإنسانية، فإنها الجبن في ثوب خيانة لعزة وشموخ أمة، فأيكم أنتم، فإنه حتى بمنطق إنسانيتكم، فإن من أبدى تأثّره بقتل ذبابة هو نفسه من داس أمة بدبابة دون أن يرمش له جفن.. انتهى نصّ الخطاب، إنها المحرقة في غزّة وإنكم غابة تبريريها هنا، حيث الشجرة سقطت وما داخل الغابة أضحى مكشوفا للعلن ومفضوحا جملة وتفصيلا..

نهاية الكلام ومجمله، وحتى يفهم العالم بعجمه وعربه، خلفيات ما يجري في غزة وما جرى قبلها في الجسد العربي من بغداده إلى “يمنه” الذي كان سعيدا، يكفي أن نتذكّر مقولة بوش ذات بغداد تليدة، حين وقف أمام بابوات إحدى الكنائس بنيويورك ليردّد: “أتظنون أنني لست متديّنا مثلكم؟!..لا.. أنا صوت الإله في تلكم البقاع البعيدة!!”، وهي نفس العبارة التي قالها بايدن بطريقة أخرى، حين سألوه: متى توقف الحرب على غزة؟!

فكان رده: عذرا، أنا لا أسمعكم ولن أسمعكم!

ولسان حاله هنا: اسألوا الإله متى ننتهي من العرب ؟!

أسامة وحيد - الجزائر

أسامة وحيد - الجزائر

اقرأ أيضا