أنا مريم من مخيّم “شاتيلا” (2)

تُعرف الشاعرة الفلسطينيَّة “نهى شحادة عودة” في المجتمع الأدبي العربي باسم “ياسمينة عكَّا”، أبصرت النُّور في مُخيَّمات اللاَّجئين في لبنان ذات يومٍ مُندسٍّ بين أعوام ثمانينيات القرن الماضي، وتعود أصُولها إلى قرية شَعَب في قَضاء عكّا بفلسطين.. هي ناشطة ومناضلة من أجل الحفاظ على الثقافة والذاكرة الفلسطينيَّة وضمان توريثها لأجيال اللاّجئين.. نشرت رواية واحدة وعددًا من الدواوين الشِّعرية، وخصَّت جريدة “الأيام نيوز” بمجموعة من القصاصات التي تستحضر فيها حكايات جدَّتها عن كوابيس التَّهجير، ومآسي الرحلة نحو المجهول، وأحلام العودة إلى أرض فلسطين.. وتقتنص بعض الأقاصيص والمواقف والمشاهد من طفولتها، ومن تفاصيل حياتها اليوميَّة في مخيَّمات اللاجئين..

مساحة مُخيّم “شاتيلا” لم تكن شاسعة، ومعظم المقيمين فيه نزحوا من القُرى الفلسطينيّة: صفوريا، مجد الكروم، كويكات، شعب، البروة، الكابري، الجش.. ولكنهم كانوا يعرفون بعضهم معرفةً جيّدة، ويجمعهم الحنين والشوق إلى ديارهم التي هُجِّروا منها، إضافة إلى المآسي اليوميّة وظروف الحياة البائسة، وما يجيش في أعماقهم من تلاطم لأمواج الشعور بالقهر والظّلم والخيبات الكُبرى من تخاذل العرب في “الإحساس” بهم، إحساس الأخ بأخيه..

العائلات في مُخيّم “شاتيلا” كانت كبيرة العدد في أفرادها، ذلك أنّ الإنسان الفلسطيني كان شغوفًا بتكوين عائلة كبيرة العدد، وهذا ما يجعل مصاريف واحتياجات العائلة تزداد مع ازدياد كل فرد جديد فيها.. كما يجعل الجميع في “حرب” مع الحياة لتوفير الرّزق اليومي، مِمّا لا يترك لهم الوقت الكافي لتبادل الزّيارات، غير أنّ ذلك لم يمنع من تضامن العائلات في مناسبات الأفراح والأحزان، بقلوب عامرة بالمحبّة والإخاء، والاستعداد الدّائم للتّعاضد والوحدة في مواجهة ما يعترض المخيّم من مشكلات..

قالت “مريم”: “رغم أنّه كان مُخيّمًا، مع كل ما توحي به كلمة “مخيّم” من بؤس وضيق وتمييز عن الحياة الطبيعية، ولكنه كان جميلاً، بيوته متلاصقة وعائلاته كثيرة، منها عائلات: فاعور، النجار، الشيخ، سعد، أيوب، الخطيب..”، وتضيف: ” أبسط الألعاب كانت تُفرحنا، نركض، نعدو، نصنع ألعابنا الخاصة بنا على منهجنا وتفكيرنا، كنّا نخترع الكثير منها مثل: لعبة الحبال، السبعة أحجار، وغيرها من الألعاب، فيمضي نهارنا على سعادة دون ملل، ثم يدنو الليل ليبسط إزار ظلمته، فنكون قد أنهِكنا من كل شيء، ولكن سرعان ما يُشرق صباحنا”.

كانت “مريم” تعيش مع أخواتها البنات، وإخوتها الصبيان: محمود وهو الأكبر، ثم محمد، وأصغرهما خليل.. وكانت في التاسعة من عمرها حينما نزل عليهم خبر استشهاد محمد في جنوب “لبنان”، وهو على مشارف تفتّح زهرة ربيعه العشرين. قالت “مريم”: “لن أنسى أبدّا وجه أمّي التي كانت تنتحب وتصرخ وتُوَلول، لكني لم أكن أعلم جيّدا معنى الحزن والفقد، فعندما جاؤوا بأخي “محمد” إلى المنزل، اعتقد أنه نائم.. وكان يسود وجهي الاستغراب من كل هذا الصرّاخ الممزوج بالزغاريد، فلم أكن أعي أهو حزن أم هو فرح أم هو خليط بين الحزن والفرح؟ وبعد سنين، وعيت وأدركت أنَّ النساء الفلسطينيات يستقبلن شهداءهنّ بالزغاريد التي تكون كثيفة عندما يكون الشهيد قد ارتقى وهو أعزب مثل أخي “محمد” الذي استشهد وهو لم يتزوّج بعد”.

نهى عودة - شاعرة فلسطينية

نهى عودة - شاعرة فلسطينية

اقرأ أيضا