أيها العالم.. هل تكفي لغة واحدة لتفهمني ؟

إنّ الاكتفاء بلغة واحدة، اللغة الأمّ، لم يعد يكفي في عالم متفاعل شديد التواصل، بدأت الحواجز الثقافية بين أممه بالانكسار.. ويبدو أن المقولة: “العالم صار قرية صغيرة”، التي أنتجها عصر الأنترنت وثورة تكنولوجيا الاتصال والتواصل، لم تكن مُجرّد مقولة بل هي مُخطّط عالمي لصهر ثقافات وابتلاع لغات وتشكيل مجتمع بشري مُؤتمت أي قابل للبرمجة الآلية في أفكاره وعواطفه ووعيه. ولعلّ الغاية الكبرى في مداها البعيد هي القضاء على “الأصالة” – أو الإنِّيَّة كما عبّر عنها المفكر الجزائري مولود قائم نايت بلقاسم – التي تعني: اللغة والدين والأرض (الوطن).

وإن تكن الحرب على الدين قائمةٌ وتتجلّى في انتشار الأفكار الهدّامة والعبث بالقيم والأخلاق والترويج للشّذوذ والانحلال باعتباره حقًّا إنسانيًّا وحريّة شخصية.. وإن تكن الحروب المُنتشرة على الخارطة العربية هي حروبٌ على الأرض لتغيير ملامحها وحدودها.. فإنَّ هناك حربًا على اللغة العربية باعتبارها قوام الأصالة وركيزتها الأساسية في حماية الدين والأرض. وانطلاقًا من هذه الرؤية، نزعم بأنَّ التَّمكين للغة العربية السليمة في أراضيها لم يعد يكفي بل يجب على المثقفين ومستعملي الأنترنت إتقان لغات أخرى لمخاطبة العالم وإيقاظ ضميره من “البلادة” التي يعاني منها في سياق ما زعمنا بأن هناك مخططا عالميا لصهر الثقافات وابتلاع اللغات وهدم المجتمعات من داخلها..

وإذًا، فإنّ اكتساب لغة ثانية هو ضرورة تفرضها دواعي العصر وتحدّياته التي تُلزم كل مثقف عربي أن يتحمّل مسؤولياته منذ الآن.. هذا “الآن” الذي يبدو أنّنا ما زلنا نمتلك فيه الخيارات في تحصين أنفسنا وأجيالنا، ونمتلك الخيارات أيضًا في استباق المعارك وحتى الحروب المُعلنة وغير المعلنة ضد أصالتنا بمختلف عناصرها.. والمُجدي أن ندرس بعمق جدوى الخطاب العربي الذي يتوجّه إلى المجتمعات العربية باللغة العربيّة، وما الذي حقّقه ذلك الخطاب في خدمة القضيّة الفلسطينيّة مثلا؟ فقد تفيد الدراسة في تحرير نظرتنا إلى اللغة الثانية من اعتبارها وسيلة علمية وأدبية.. تنحصر جدواها في مجالات الدراسة والبحوث والترجمة، إلى اعتبارها سلاحًا استراتيجيًّا لمخاطبة العالم والمجتمعات الدولية بلغاتها.. لكشف الزيف والتشويه والتضليل المُسلّط على الأمّة العربية منذ قرون، وعلى فلسطين والقضية الفلسطينية منذ أكثر من قرن!

وإضافة إلى الفوائد العلمية والمعرفية والتقنية من اكتساب لغة ثانية إلى جانب اللغة الأم، فإنّ هناك ضرورة أخرى تكشّفت في سياق القضية الفلسطينية منذ عام النكبة، فالمثقفون العرب – عموما – لم يسعوا إلى مخاطبة العالم بلغاته، ولم يسع الكُتّاب إلى “اقتحام” مجالات الإعلام والآداب والفنون في الغرب بلغاته.. فأفقدوا القضية الفلسطينية سلاحًا من أقوى الأسلحة في مواجهة “صناعة” الأكاذيب الصهيونية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وأيضا في مواجهة السيطرة الغربية على العقل “البشري” من خلال الإعلام ومختلف الصناعات الأخرى التي تشكّل الأفكار والوجدان، مثل الصناعات في مجالات: الآداب والفنون..

في سياق هذه الفكرة، توجّهت جريدة “الأيام نيوز” إلى نخبة من الأدباء والباحثين العرب، بهذه التساؤل: هل ترون أن الحاجة إلى اللغة الثانية يكفي أن تبقى مقصورة على المناهج الدراسية والتعليمية أم هي ضرورة حضارية ويجب أن يتعلّمها كل مثقف عربي في العصر الراهن.. من أجل توظيفها في خدمة قضايا الأمة وخاصة القضية الفلسطينية، وفي خدمة النهضة الفكرية والعلمية، والرقي بالآداب والفنون، وكسر العزلة العربية وغيرها من الأمور؟ وكانت هذه الآراء والرؤى والأفكار التي أضاءت زوايا يكاد أن يغزوها الظلام..

 

عبير المدهون
عبير المدهون – كاتبة فلسطينية

في ظل الحرب الإعلامية والثقافية..

حين تصبح اللغة الثانية سلاحا استراتيجيا

بقلم: عبير المدهون – كاتبة فلسطينية

اللغة الثانية هي اللغة التي يكتسبها الإنسان بالتعلم، أمّا اللغة الأم فهي اللغة الذات أو اللغة الأصلية المُكتسبة بالفطرة..

وهناك بعض العوامل التي تؤثر في اكتساب اللغة ومنها: المستوى الاقتصادي والاجتماعي الثقافي، سائل الإعلام، القراءة.. وسوف نتحدّث عن أهمية اللغة الثانية في حياة الفرد والمجتمع، حيث تكمن أهمية تعلّم اللغة الثانية وإتقانها، إلى جانب اللغة العربية، في حياة الكتاب والمثقفين وبشكل عام في الآتي:

  • التعزيز من فرص العمل المحلية والخارجية.
  • تمنح فرص أعلى للتعمق في المجالات العلمية وفهم مصطلحاتها.
  • تنمية مهارات البحث.
  • تقوّي الذاكرة وتنشِّط الدماغ.
  • تُتيح التّعرف على ثقافات جديدة.
  • تتيح تبادل المعرفة وتعزيز الوعي الثقافي والاجتماعي والأدبي والديني.
  • تفيد في بناء العلاقات مع النّاس عبر مختلف مناطق العالم.
  • تُفيد في معرفة وإظهار الحقيقة..

ولم تتوقّف أهمية تعلم اللغات في المناهج الدراسية فقط، بل تخطتها إلى مجالات أخرى منها:

  • تحسين العلاقات الشخصية والمهنية.
  • زيادة درجة الوعي والتفاهم والتواصل بين الشعوب.
  • التعبير عن الأفكار والمشاعر وتبادل المعلومات.
  • خدمة النهضة الفكرية والعلمية والأدبية والفنية والثقافية.
  • كسر حاجز العزلة العربية، وإظهار الوجه المشرِّف لتاريخنا العربي والإسلامي عبر العصور.

وعلى الصعيد السياسي، ظهرت أهميّة تعلّم اللغات واستخدامها في خدمة القضية الفلسطينية لإظهار حقيقة الصراع مع “إسرائيل”، ومخاطبة الرأي العام الدولي باللغات التي يفهمها وتؤثِّر فيه.

وقد أثبت التفاعل الإعلامي عبر مواقع التواصل الاجتماعي قدرتَه العالية في توصيل الخبر بشكله الحقيقي والذي كان يَخفى على معظم الناس في أوروبا والدول الغربية، وذلك لقوة الإعلام “الإسرائيلي” ذو التأثير الكبير على الإعلام الغربي الذي جنّده في تضليل الحقائق وتزيفها منذ عقود.

ولكن تخطِّي حاجز اللغة، كسَر هذه الصورة المزيَّفة خاصة خلال هذه الفترة الصعبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في غزّة والضفة في الوقت الحالي، وكشف جرائم الاحتلال الصهيوني، ورفع مستوى درجة الوعي بين شعوب العالم الغربية ذات التأثير في صناعة قرارات دولها.. وذلك عبر صياغة الأخبار والمقابلات الإعلامية واللقاءات التلفزيونية والإذاعية وبث الأفلام القصيرة عن طريق المراسلين الصحفيين والناشطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.. والتي تتمّ بعدة لغات، بغرض الحديث عن القضية الفلسطينية.

ومن أهمّ واجبات ومسؤوليات الصحفيين والكُتّاب العرب والفلسطينيين، المقيمين في كل بقاع العالم، كتابة المقالات باللغات المختلفة في الصحف والمجلات ومواقع التواصل الاجتماعية وفضح مكائد الصهاينة عبر التاريخ، خاصة ضد المسلمين والعرب، وتوجيه وسائل الإعلام بقوة لمتابعة جرائم الكيان الصهيوني المستمرة في حق شعبنا على الأراضي الفلسطينية وكشفها وفضحها..

 

شعبان عبد الجيد

تعلُّمُ اللغات الأجنبية.. الوجهُ الآخَر للمعرفة!

بقلم: د. شعبان عبد الجيِّد – شاعر وناقد وأكاديميّ من مصر

تأثير الرّحلات في قواميس اللغة

قبل الإسلام، لم يكن اتصالُ العربِ بغيرهم من الأمم الأجنبية عميقًا ولا واسعًا، واقتصر في معظمه على العلاقات التجارية، وكانت بحكم طبيعتهم هامشيةً ومحدودة، تمثّلَ معظمُها في رحلتَي الشتاء والصيف، بَيدَ أنها مكَّنت التجار من العرب من الاطلاع على بعض شئون الممالك وعمرانها، ونقلوا مع سلعهم كثيرًا من الألفاظ الفارسية والرومية والمصرية والحبشية، أدخلوها في لغتهم، وأخضعوها لقوانينهم، ومع الوقت سوف تدور على ألسنتهم، وتعرف طريقها إلى شعرهم ونثرهم، وسوف نجد بعضها في القرآن الكريم نفسِه، وهو ما ندرسه تحت عنوان “الألفاظ الأعجمية في القرآن الكريم”.

 

عربٌ في بلاط كسرى أبرويز

ويُروَى أنّ الفرسَ كانوا يستخدمون بعضَ العرب في دواوينهم، فكتَبَ لَقِيط بن يعمَر الإيادي لكِسرَى وترجم له، وكان عدي بن زيد من تراجمة كسرى أبرويز، ثم خلَفَه ابنُه في وظيفته، وكان زيد والد عدي يقرأ العربية والفارسية. ويذكر القفطي، صاحب كتاب “عيون الأنباء في طبقات الأطباء”، أنّ الحارث بن كلدة الثقفي رحل من الطائف إلى جنديسابور وغيرها من بلاد فارس فتعلّم الطب والعزف على العود، ويقالُ أنّه قابل كسرى أنو شروان ودار بينهما حديثٌ طويلٌ ومحاورةٌ في الطب. كذلك رحل ابنُه النضر إلى الحِيرة وفارس، فأتقن الفارسية وكَلِفَ بها، وكان يقتني بعضَ كتبها ويعاند الدعوة الإسلامية بها.

لغات أخرى في قريش

وحين ظهر الإسلام، ونزل القرآن، كان يعيش في مكة بعضُ الأعاجم، من الرّوم أو الفرس، وكان من قريش نفسِها من له إلمامٌ بالكتب السماوية، وكان ورقة بن نوفل يقرأ الإنجيل والتوراة، بالعبرانية والسريانية، ويروون عن ابن عباس، رضي الله عنه، أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلِّم قَينًا بمكة، أعجميَّ اللسان، فكان المشركون يَرَون رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يدخل عليه، وحين يخرج مِن عندِه ، فقالوا : إنما يعلِّمه بلعام، فأنزل الله تعالى ذِكرُه (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) (سورة النحل: 103).

إتقان لغة أخرى عند الحاجة

وكان المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه من بعده، وعن التابعين رضي الله عنهم أجمعين، أنهم لم يكونوا يُقبلون على تعلّم لغة غير لغة العرب إلّا إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ وحين قَوِيَ الإسلام واتسع انتشارُه، واحتاج النبيُّ إلى أن يراسلَ الملوك والأمراء ليدعوَهم إلى دين الله، كان عنده من أصحابه من يعرف الفارسية والرومية والحبشية، ويكفيه هَمَّ الترجمة منها وإليها، ولكن لم يكن عنده مَن يعرف اللغة السريانية التي يكتب بها اليهود، فأمر بذلك كاتبَ وحيِه الأنصاري النابغة زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ ليتقنها قراءة وكتابة، ويستغني بها عن الوسطاء من اليهود في ذلك، وبخاصة أنهم غيرُ مأمونين.

قال زيد: أمرني رسول الله ـ ﷺ ـ فتعلّمتُ له كتاب يهود بالسريانية، وقال: إني والله ما آمن يهود على كتابي، فما مرَّ لي نِصفُ شهرٍ حتى تعلمتُه وحذقتُه، فكنت أكتب له إليهم، واقرأ له كتبهم. (رواه البخاري، وأبو داود والترمذي) ولعله كان على شيءٍ من المعرفة بها من قبل (لمجاورة الأنصار لليهود) حتى أمكَنه أن يحذقها في هذه المدة القصيرة.

العصرُ الأمويُّ لم يركّز على التّرجمة

ولم يشهد العصرُ الأمويُّ إقبالًا واضحًا على الترجمة، ولا على تعلم اللغات الأعجمية، وكان ما نُقلِ فيه من الآثار العلمية إلى العربية ضئيلًا جدًّا، ويذهب المؤرخون إلى أن خلفاء بني أمية لم يُظهروا عنايةً كافيةً بالترجمة، ربما بسبب ما كان يغلب عليهم من الشغل السياسي والعسكري، واستهلاك الجهد العلمي في تدوين السُّنن وتحرير العلوم الشرعية. ورغم هذا فإنّه لا يُستبعد حصول ذلك على نطاق محدود، حيث كانت مُدن الشام خصوصًا، لا تزال تَعِجُّ بالجاليات اللاتينيَّة البيزنطيّ، وإن جاءت التّرجمات في مجملها محاولاتٍ فرديةً، لم تتّخذ شكل حركة علمية منتظمة، كتلك التي حدثت في العصر العباسي.

وعلى خلاف الأمويين، ولأسبابٍ كثيرةٍ ليس هنا مقامُ بسطها أو تفصيل القول فيها، كان خلفاء بني العباس أشدّ اهتمامًا بالترجمة وتشجيعًا عليها، بدأت من خلافة جعفر المنصور الذي كان هو نفسُه شغوفًا بالطب والهندسة والفلك والنجوم، وهو أول من راسلَ ملك الروم طالبًا منه كتب الحكمة والمعارف الأخرى، وجمع حوله صفوةً مختارةً من العلماء في مختلِفِ المعارف، وشجَّع المترجمين على النقل والترجمة، وأنشأ ديوانًا للترجمة.

العصر الذهبي للترجمة في عهد المأمون بن هارون الرشيد

وكان عهد المأمون بن هارون الرشيد هو العصر الذهبي للترجمة، وكان بطبيعته يميل إلى العلم والحكمة والمناظرة، ويُروَى عنه أنه طالَبَ الإمبراطور البيزنطي ميخائيل الثالث أن يتنازلَ عن إحدى المكتبات الشهيرة في القسطنطينية، حتى يتمّ الصُّلح بين الدولة الإسلامية والإمبراطورية البيزنطية، كما أرسل البعثات إلى بلاد الروم للحصول على الكتب، حتى يتم نقلها وترجمتها إلى اللغة العربية. ولعل أهم ما كان يميّز حركة الترجمة في عهد المأمون هو أنه نظّمها، وجعلها نشاطًا رسميًّا من نشاطات الخلافة، وأنفق من أجلها الأموال الطائلة، حيث كان يعطي لمن يترجم زِنَةَ ما ينقله من الكتب إلى اللغة العربية ذهبًا، مثلًا بمثل.

وبداهةً، سوف يشجع هذا على تعلم اللغات الأجنبية والتمكن منها، ولكنه سوف يظل دائمًا في دائرة (فروض الكفايات)؛ وهي التي إذا أدَّاها البعضُ سقطت عن الباقين، وكان من فقههم التقدّمي في هذا أن تعلُّم لغات الآخرين لا يكون إلا عند الحاجة إليها، وخصوصًا إذا كان عندهم ما ليس عند المسلمين، من علم يؤخذ أو حكمة تُقتبس، فلا سبيل إلى الانتفاع بما عند غيرك إذا جهلت لغته، ولم يمنع الإسلام من تعلُّم لغات الآخرين، بل دعا إليها باعتبارها وسيلة للتفاهم بين البشر، كما أنها وسيلة لنشر دعوته في العالم، فهي هنا فرض كفاية.

صفي الدين الحِلِّيِّ يدعو إلى تعلم اللغات في العصر العثماني

بعد ذلك، وحتى نهاية العصر العثماني، سوف تضعف حركة الترجمة بصورة واضحة، وسوف ينحصر أغلبُها في الترجمات الرسمية، أو الديوانية إن شئت، وسوف يظهر في تلك الفترة الطويلة، خافتًا وعلى استحياء، صوتٌ صفي الدين الحِلِّيِّ وهو يدعو إلى تعلم اللغات، وإن كنت لم أعثر على إشارة صريحة وواضحة على أنه كان يتقن أكثر من لغة؛ اللهم إلا ما التقطه من ترحُّله وتجواله، وهو لا يكفي لكي يكون متمكِّنًا من أيٍّ منها أو مُلِمًّا بها تمام الإلمام، لكنه على أية حال يقول:

بِقَـــــدرِ لُغاتِ المَرءِ يَكـــثُرُ نَفعُهُ ** فَتِلكَ لَهُ عِندَ المُلِمّاتِ أَعوانُ

تَهافَتْ عَلى حِفظِ اللُغاتِ مُجاهِدًا ** فَكُلُّ لِسانٍ فـي الحَقيقَةِ إِنسانُ

الشيخ رفاعة الطهطاوي يؤسس مدرسة الألسن

وكان علينا أن ننتظر حتى يتولى محمد علي ولاية مصر، وينفرد بها حاكمًا مستبدًّا، ثم يزعم أنه يريد أن يجعلها مثل أوروبا، تقدّمًا وتمدُّنًا وقوة، فيرسل البعثات التعليمية، وكان غرضها الأصلي خدمة الجيش، وكان هو نفسه رجلًا عسكريًّا، لا يحبّ الثقافة، ولا يمكن أن تحدث في عهده نهضةٌ فكرية حقيقية، وكان رفاعة الطهطاوي فلتةً في تلك البعثات، فهو ليس أحد طلابها المكلفين بدراسة علم من العلوم؛ بل كان شيخًا أزهريًّا، كلُّ مهمته أن يؤمَّ الطلّابَ في أوقات الصلاة، ويفتيَهم فيما قد يعرض لهم من أمور. لكنه كان من النباهة والذكاء بحيث أتقن الفرنسية إتقانًا، ونقل منها إلى العربية ما يعجز عنه العصبة أولو القوة، ثم عاد فأنشأ مدرسة الألسن، وهي كما يصفها الأستاذ عبد الرحمن الرافعي: “عبارة عن كلية تدرَّسُ فيها آداب اللغة العربية واللغات الأجنبية، وخاصة الفرنسية والتركية والفارسية، ثم الإيطالية والإنجليزية، وعلوم التاريخ والجغرافية، والشريعة الإسلامية، والشرائع الأجنبية، فهي أشبه ما تكون بكلية الآداب والحقوق، فلا غرو أن كانت أكبرَ معهدٍ لنشر الثقافة في مصر”.

ولقد كان الأستاذ محمود محمد شاكر يراها غيرَ ذلك تمامًا، ويذهب في كتابه “رسالة في الطريق إلى ثقافتنا” إلى أنها مدرسةٌ ملفقة، وليست كلية كما يقول الرافعي، مبتورة الصلة كل البتر، من مركز الثقافة المتكاملة التي كان الأزهر مهدَها على قرون متطاولة، وأن رفاعة الطهطاوي نفسَه لم يكن مؤهَّلًا لتدريس أكثر هذه العلوم، ولا كان في مصر يومئذٍ من المصريين من هو مؤهَّلٌ لتدريسها، ولم يكن ثمة مناصٌ من استقدام من يُظَنُّ فيه أنه مؤهَّلٌ لتدريسها من دهاة الأجانب وصنائع الاستشراق.

الدكتور طه حسين: كم لغةً أجنبية يجب أن يتعلّم والشباب؟

بعد ذلك ارتفع صوت طه حسين في كتابه عن “مستقبل الثقافة في مصر”، وتساءل: “كم لغةً أجنبية يجب أن يتعلّم الصبية والشباب في المدارس العامة؟ وأيّ اللغات الأجنبية يجب أن يتعلموا؟ وعلى أيّ نحوٍ يكون هذا التعليم؟ ومن الذين يجب أن ينهضوا به ويفرغوا له؟”، ولم يترك الناس ليجيبوا بما يشاءون، فتولى عنهم الردَّ على أسئلته، وقرّر أن أقلَّ ما يجب أن نطلبه هو أن تُضافَ الألمانية والإيطالية في مدارسنا الثانوية إلى الإنجليزية والفرنسية، وأن تُخَيَّرَ التلاميذُ أو الأُسَرُ بين هذه اللغات الأربع، يختارون منها لغةً أو لغتين، على أن تكون إحداهما أصلية والأخرى إضافية.

الدكتور سليمان دنيا له رأيٌ آخر

هكذا، وكأنه من الواجب اللازم أن يتعلم أبناء هذه الأمة جميعهم لغتين، أو ثلاثًا أو أربعًا، وهو ما استنكره الدكتور سليمان دنيا، أحدُ أكبر أساتذة الفلسفة في جامعة الأزهر، فقال في مقدمته لكتاب “الإشارات والتنبيهات” لابن سينا: “إن إدخالَ لغة واحدة، أو عدة لغات أجنبية، لن يكون له من أثر سوى زيادة الضعف في علوم التوحيد والمنطق والتفسير والحديث والفقه، ثم إن هذه اللغة ليست مطلوبةً إلا بقدر الحاجة إلى مبعوثين في الخارج، يبشرون بدعوة الإسلام، في بلادٍ لا تعرف العربية، وهذه الحاجَة تُقدَّرُ بما يقلُّ عن واحد في المائة، فلماذا يفرضون على تسعةٍ وتسعين في المائة لغةً لا حاجة لهم بها، وهي مع ذلك عِبءٌ جديدٌ عليهم، يَزيد من ضَعفهم في العلوم الأساسية”.

وقال في موضعٍ آخر: “إن الإنجليز يوفِدون إلى فرنسا من أبنائهم مَن يريدون له ومنه أن يكون متفوقًا في اللغة الفرنساوية، وقد تعرَّفتُ وأنا في إنجلترا إلى أناسٍ إنجليز، علمت منهم أنهم أتمّوا دراستهم للغة الفرنسية في فرنسا ذاتها، والعرب يوفِدون من أبنائهم إلى بلاد الإنجليز من يريدون أن يكون تامَّ المعرفة باللغة الإنجليزية. وهكذا غير العرب، وغيرُ الإنجليز”.

تعلّم اللغات الأجنبية من ضرورات العصر

هل يعني هذا ألّا يَدرُسَ طلابُنا اللغات الأجنبية؟ وهل يُقصَدُ منه ألّا يهتمَّ أدباؤنا ومثقفونا بمعرفتها وإتقانها؟ بالطبع لا. إن من يقول بهذا لا يمكن أن يكون واقعيًّا، ولا مدركًا لطبيعة العصر الذي نعيشه والعالَم الذي نحيا فيه. إن اختلاف اللغات والألسنة من آيات الله في الخلق، ومعرفة لغة أجنبية، وبخاصة إذا كانت عالمية، يوسِّع أفق الإنسان، ويصله بالدنيا، ويفتح أمامه أبوابَ الرزق وأسواق العمل، ويتيح له أن يتعرَّف على كنوز المعارف البشرية في الأدب والعلم والفلسفة والتاريخ، ولا مفرَّ، لمن يريد أن يكون أديبًا حقًّا، أديبًا أصيلًا غيرَ زائفٍ، من أن يقف على آداب لغته هو وقوفًا صحيحًا، وأن يحيط ما استطاع بعلوم عصره وفلسفته وآدابه في اللغات المختلفة. وكلما كان أكثرَ إحاطةً كان أدنى إلى بلوغ ما في الحياةِ والوجود من حقٍّ وجميل، وإلى تبليغه للناس في صورةٍ أقرب إلى الكمال مِمَّن أوتِيَ مثلَ مواهبِهِ ولم يُؤْتَ مثلَ عِلمه.

إتقان اللغة العربيّة أولا

إن أحدًا لا يستطيع أن يشكِّكَ في أهمية اللغات الأجنبية وقيمتها وضرورة تعلُّمِها، ولكن في لحظتها المناسبة، وعلى أن يبدأ تعليمُها في المرحلة الإعدادية؛ فما من فائدة تُرجَى من تلميذٍ يجيد لغةً أو اثنتين أجنبيتين، ثم لا يحسن لغته نفسَها، لا يستطيع أن ينقل منها، ولا أن ينقل إليها. ولا بدَّ أن يكون المرءُ مُغَيَّبًا ليصدِّقَ أن انتشار المدارس والجامعات الأجنبية في كل الدول العربية تقريبًا، شيءٌ لوجه الله، غايته النهوض بها، وليس وراءه أغراض استعمارية، وربما تبشيرية.

إن أكثر الذين درسوا اللغات الأجنبية في المدارس والجامعات، لا يحسنون الحديث بها، ولا يعرفون عن آدابها أو علومها شيئًا ذا بال، وكلُّ ما خرجوا به منها مفرداتٌ هزيلة زاحمت لغتهم الأم، ولُكْنةٌ أعجمية أفسدت لسانَهم الأصيل، ومثل هؤلاء لا يمكن أن يكونوا واجهتَنا في محاورة الغرب ومجادلته، أو رسلَنا في الدفاع عن حقوقنا والإقناع بعدالة قضايانا. لا لأنهم غير متمكِّنين ولا مؤهَّلين فحسب؛ ولكن لأننا تراجعنا كثيرًا، وكثيرًا جدًّا، عن دورنا ومكاننا ومكانتنا.

ذات تاريخ.. كان العالم يتهافت على تعلّم العربية!

لقد أتى على الدنيا حينٌ من الدهر كان معظم الأرضِ يتكلم العربية، أو يحرص على تعلُّمِها، وكان للمسلمين رجلٌ في قُرطبة ورجلٌ في دِلْهي، وكان ملوك أوروبا وأمراؤها يرسلون أبناءَهم ليتعلموا في مدارس العرب وجامعاتهم. أيامها كنا أعزَّةً غالبين، بديننا ولغتنا وعلومنا، ولكننا الآن ضعفاء، مادِّيًّا وثقافيًّا، والضعيف لا يُطاع له أمرٌ، ولا يُؤخَذُ له رأيٌ، ولا يُسمَعُ له كلام!

 

جميل السلحوت كاتب من فلسطين
جميل السلحوت – كاتب من فلسطين

خطر الانغلاق الثّقافي في عصر الانفتاح الإنساني

بقلم: جميل السلحوت – كاتب من فلسطين

ممّا ينسب إلى خاتم النّبيّين – صلّى الله عليه وسلّم – قوله: “من تعلّم لغة قوم أمن شرّهم”. وفي عصرنا هذا ونتيجة للتّطوّر العلميّ الهائل، وما صاحبه من تطوّر في الاتصالات والمواصلات أصبح العالم قرية صغيرة، فمن خلال “الأنترنت” والفضائيّات والهواتف الذّكيّة.. يستطيع الإنسان أن يرى ويسمع ما يدور في العالم وهو جالس في بيته، كما أنّه يستطيع أن يسافر إلى أيّ بلد في العالم في ساعات معدودة، ومصالح العالم متشابكة بطريقة عجيبة غريبة، وإن كانت الغلبة فيها للأقوى.. ومعرفة لغة أجنبيّة أو أكثر تتيح للإنسان الاطّلاع على ما يدور في العالم من مصادرها.

 

لكن هذا التّشابك والتّداخل بين الدّول والشّعوب يعطي تعلّم لغة أخرى أو أكثر ضرورةً ملحّة، سواء على مستوى الدّول والمؤسّسات وحتّى الأفراد. ولأهمّيّة معرفة الّلغات وإتقانها فإنّ قرار مجلس الأمن الدّولي 242 بخصوص القضيّة الفلسطينيّة، والصادر في نوفمبر 1967، لا يزال يثير جدلا، فالقرار بالّلغة الإنجليزيّة ينصّ على الانسحاب من الأراضي العربيّة المحتلّة في حرب حزيران – يونيو 1967، بينما في اللغة الفرنسيّة ينصّ على الانسحاب من أراضٍ عربيّة محتلة.

ومن المشاكل التي يعاني منها عالمنا العربيّ هو الانغلاق الثّقافي، وعدم معرفة ما يدور في العالم، وعدم الاطّلاع على ثقافات الشّعوب الأخرى، ولذلك أسباب كثيرة وأحدها هو عدم معرفة لغة أو لغات أجنبيّة.

ومعروف أنّ انتشار الّلغات أو سيادة لغة على الّلغات الأخرى ينبع من قوّة البلدان النّاطقة بهذه الّلغة، فالّلغة الإنجليزيّة في عصرنا هذا معروفة ويوجد من ينطق بها في مختلف دول العالم، لأنّ بريطانيا والولايات المتّحدة الأمريكيّة النّاطقتين بها دولتان عظميتان، وتليها الّلغة الفرنسيّة والألمانيّة والرّوسيّة. ولا غرابة في ذلك، فقد سادت اللغة العربيّة يوم كانت الإمبراطورية العربيّة الإسلاميّة تسود العالم.. والحديث يطول.

 

محمود موسى
محمود موسى – كاتب فلسطيني من بيت لحم

في حياة الكُتّاب..

اللغة الثانية أكثر من مجرد ترف

بقلم: محمود موسى – كاتب فلسطيني من بيت لحم

في مجال حيا الكاتب العظيمة، يبحث الكاتب عن أفكار جديدة ولغة مديدة تسمو بها نفسه ويعلو بها شأنه وتسقرّ به دولته.. وتستوجب نفس الكاتب البشرية في انتفاضة حروفه، وتعلو به قِيَم الكاتب في إيصال الرسالة الإنسانية في دراسة فحواها ومحتواها الذهبية..

إنّ مقدرات الكاتب الفكرية والأدبية، هي من أجمل سمات الأدب الإنساني الذي يبحث عنه دائما في إرسال الرسالة الإنسانية الهادفة.. عندما يكون الكاتب متقنًا للغة أخرى غير لغته الأم، تبحث طاقته الإنسانية في درب إيصال الرسائل على درب الأوّلين والمحدثين.. فمثلا عند إتقانه للغة أخرى كاللغة الإنجليزية مثلاً، يهدف الكاتب المُتقن في ترجمة النصوص الإبداعية الفكرية أو كتابتها بلغته الثانية في إيصال المفاهيم الفكرية إلى الإنسانية جمعاء.. فمثلاً في لغتنا العربيه هناك بعض الكلمات المستخدمة في حياتنا اليومية وأصلها كلمات إنجليزية في الأصل والمحتوى..

أمّا عن لغة العرب، فأقول: ما يستحق أن نستخدمه، يجب ترجمته وتطوير فحوى الكلمات والذكريات الأدبية في سطورها وجوهرها.. لا شك في ذلك ولا ريب فيها، وما يعز ويشعر به المرء ما تجول به نفسه ودربه بالكلمات المفعمة في أهازيجها ومشاعرها، كالقضية الفلسطينية مثلاً… التي مزّقت قلوبنا وصدورنا عبر عقود من الزمن الاستعماري الفوضوي العبثي، التي ألمَّت بنا في ديارنا المحتلة..

فاستخدام اللغة الإنجليزية في مجال الكتابة الإبداعية وفي ترجمة الأخبار والمقالات والتقارير الإخبارية.. هي من أسمى درجات الفكر الإنساني في إيصال الرسالة الواضحة والهادفة والإيجابية دائما..

مثلاً الحرب الانتقامية على قطاع غزّة المُحاصر من قبل الكيان الصهيوني الاستعماري الحاقد، كانت لها تداعيات عظمى على الصعيد العالمي وفي محكمة العدل الدولية، حيث تُعتبر هذه الحرب من أعظم الحروب الانتقامية على البشر العُزّل منذ القرون الغابرة وإلى غاية الآن.. فكم آلمت هذه الحرب نفوسنا وضاقت بنا صدورنا عبر خاصيّة الاحتراق النفسي من خلف شاشات التلفاز والهواتف الذكية…

مررنا وكتبنا ونسجنا وتألّمنا، فكانت لها دروبنا.. حيث الكتابة صارت من أسمى درجات القهر والخذلان.. فكانت الكتابة الإبداعية والمرئية لها خيوطها ونسيجها وتفاصيلها، حيث كان لها دور مهم في الترجمة والتعريب وإيصال الرسائل المترتبة في مشاعر النفوس البشرية العالمية…

فكم تأثّر الناس في مختلف أنحاء العالم وتغيّروا وتغيّرت بهم السبل من الأخبار المترجمة.. وتأثير اللغات الأخرى على مجريات تغيّر مفاهيم الشعوب وخاصه الغربية، وكم كانت لهذه الحرب تأثيراتها الكبرى على صعيد الرأي العام العالمي والقانون الدولي..

إنّ الأخبار المترجمة إلى لغات أخرى كان لها انعكاسات ودور مهم في تغير مشاعر الشعوب الحرة التي قامت بمسيرات ضخمه ولم تصمت، مثل جماهير من الشعب الأمريكي الذين قالوا لحكومتهم في البيت الأبيض: لا تقتلوا أهل غزّة باسم الشعب الأمريكي، ومن أموالنا أيضا.. وللأسف، ليس من يحكم العالم هي الشعوب، بل هي القوى الغربية الاستعمارية تحت ما يُسمّى: “الصهيوماسونية العالمية”.. وللحديث بقية!

 

سامر المعاني e1714003808863
بقلم: سامر المعاني (كاتب من الأردن)

اللغة الثانية.. حياة أخرى للمبدع

بقلم: سامر المعاني – كاتب من الأردن

تُعدّ اللغة الثانية في حياة أيّ شخص هي تميّزا وقدرة على التعامل مع كثير من الأمور بشكل مختلف، وفي حياة الكاتب والمبدع هي بالغة الأهمية حيث تعطيه مساحة معرفية وفنية أكبر.. بالإضافة إلى كونها تثري منجزَه من حيث الانتشار والمتابعة.

 

المبدع صاحب الفضاء والانطلاق يحبّ التّغيير والتنوّع والانتقال من مكان إلى آخر، فقد تساعده اللغة الثانية على أن يكون كثير التنقّل والاختلاط ضمن عالم التكنولوجيا مع الكثير من مبدعي العالم، والمشاركة في المحافل الدولية والعالمية.

ساهمت الترجمة في الالتقاء بين الثقافات والشعوب كحضارات ومؤسسات وأفراد، وقد انتشرت لتكون مادة مقروءة في كل بقاع العالم.. ومع التكنولوجيا وسرعة الترجمة والانتشار، أصبح المبدع الحامل لعدة لغات قادرًا على تسويق نفسه ومنتجه الإبداعي والفكري عبر مساحات أكبر حول العالم.

وبالإضافة إلى ما سبق، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ تعدّد اللغات يزيد من المخزون الفكري للكاتب، ويتعرّف على أساليب متنوِّعة في البناء والطرح لبعض المفاهيم والأحداث الصغيرة والكبيرة، كما يصبح مُلمًّا بالتّراكيب والجمل بشكليها الحَرفي والمجازي، معتمدا على البيئة وما يحيطها من معرفة مكانيّة ودينية واجتماعية.

لقد أثبتت كل الدراسات بأنّ المبدع الذي يتقن عدّة لغات هو الأقدر على نقل المادة الإبداعية إلى لغة أخرى.. من الأكاديمي والمترجم غير المبدع.

لذلك، فإنّ إتقان اللغات بالنسبة للمبدع يعني الكثير له من حيث الدّمج والانصهار في الثقافات الأخرى، والإلمام بثقافات وحياة الشعوب، والاستفادة الفنية والمعرفية منها وتوظيفها فيما يُثري مخزونه المعرفي والفكري.

 

بسيم عبد العظيم عبد القادر

اللغة الثانية في حياة الكُتّاب والمثقفين العرب..

الثراء العلمي والمعرفي بين التأثر والتأثير

بقلم: د. بسيم عبد العظيم عبد القادر – شاعر وناقد أكاديمي، رئيس لجنة العلاقات العربية باتحاد كتاب مصر

اللغة جسر التواصل بين الأجيال والأمم

لقد خلقنا الله تعالى وجعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف، واللغة هي وسيلة التعارف بين الناس والأمم والشعوب، وبها تنتقل المعارف والفنون والآداب من أمّة إلى أخرى فيحدث نوع من التواصل والتأثير من جانب القوي والتأثر من جانب الضعيف، وقد ينقلب الضعيف قويا ويصير القوي ضعيفا فيحدث العكس من حيث التأثير والتأثر وهكذا، واختلاف الألسنة سُنّة من سنن الله تعالى في خلقه.

 

وقد حدث التواصل منذ القدم بين الأمم المختلفة سواء بالسفارة والتجارة أو بالغزو والاحتلال، ومصر خير دليل على ذلك منذ تاريخها القديم وما طرأ عليها من غزو خارجي واحتلال أجنبي يوناني وروماني وفارسي، وفي التاريخ الحديث حدث التلاقح الفكري والتواصل الحضاري بين مصر وكثير من الدول العربية والدول التي احتلتها، حيث سعت هذه الدول لفرض لغاتها علي الشعوب المحتلة من جهة، كما سعت هذه الشعوب لتعلّم لغات المحتلّين تحقيقا لمقولة ابن خلدون: “إن المغلوب مولع بتقليد الغالب”، وعلى كل حال فقد حدث التواصل المعرفي والعلمي والأدبي طوعا أو كرها، فجنينا منه خيرا كما جنينا منه شرا.

من تعلم لغة قوم أمن مكرهم

ولا شك أن التواصل سواء في حالات السلم أو المواجهة يحتاج لمعرفة اللغة بل لإتقانها، وقديما وقف أبو سفيان بن حرب بين يدي هرقل فسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم وأجابه أبو سفيان عن طريق الترجمان بينهما، فلما جاء الإسلام أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية معرفة اللغات المختلفة فكلّف سيدنا زيد بن ثابت بتعلم اللغة السريانية فتعلمها في بضعة عشر يوما، وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم الرسائل والكتب إلى ملوك عصره كملك الروم والفرس وعظيم القبط في مصر وغيرهم، يدعوهم إلى الإسلام، ولا شك أن مثل هذه المهمة الضرورية في نشر الإسلام والدعوة إليه تحتاج إلى معرفة لغة المَدعوين، كما أنه عند المواجهة ينبغي معرفة لغة الخصم، لمعرفة كيف يفكِّر وما خُطَطه لكي تتم مواجهتها والتصدر لها، ومن هنا جاءت المقولة المأثورة أن “من تعلم لغة قوم أمن مكرهم”.

الترجمة سر نهضة الحضارة العربية والإسلامية

وقد تم نقل كتب العلم والأدب والفنون المختلفة في العصر العباسي عن طريق الترجمة من اللغات المختلفة إلى اللغة العربية عن طريق المترجمين الذين يجيدون اللغة العربية واللغات المنقول عنها، ولم يجد المسلمون في ذلك غضاضة لأن “الحكمة ضالة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحق الناس بها”، مما أسهم في نهضة الحضارة العربية والإسلامية وخصوصا في القرن الرابع الهجري، فقد نبغ العلماء العرب والمفكرون والفلاسفة، وأضافوا إلى الحضارة الإنسانية إضافات شهد لها المنصفون من مؤرِّخي الحضارة في العصر الحديث.

أوروبا تدخل الحضارة من بوابة اللغة العربية

وقد تم نقل هذه العلوم والمعارف والآداب والفنون إلى أوروبا عن طريق المعابر الحضارية في صقلية التي استقرّ بها المسلمون قرنين ونصف من الزمان ولا تزال آثارهم بها شاهدة على وجودهم وحضارتهم، فضلا عن الأندلس التي استقرّ بها المسلمون ثمانية قرون كانت من أزهى القرون، ولسنا في حاجة إلى ذكر أثر الحضارة العربية والإسلامية في الحضارة الأوربية، فقد شهد بذلك المنصفون أمثال المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه التي ألّفت كتبا ضخما بعنوان “شمس العرب تسطع على الغرب: أثر الحضارة العربية في الحضارة الأوربية”، ولا شك أن هذا الأثر العظيم انتقل عن طريق تعلّم الغرب للغة العربية من جهة حيث كانت جامعة قرطبة قِبلة لطلاب العلم في أوروبا، أو عن طريق الترجمة من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية وما تفرع عنها من لغات أوروبية فيما بعد، عن طريق مدرسة طليطلة للترجمة، وبهذا أسهمت الحضارة العربية في نقل علوم الأوائل والإضافة إليها وتطويرها، وتسلَّمت أوروبا هذه العلوم والفنون والمعارف من العرب في القرون الوسطى فبنت عليها نهضتها وعملت على تطويرها فكانت النهضة الأوروبية، ولا شك أن اللغة عنصر مهم لأنها وعاء الحضارة، ولم يقتصر التأثّر الأوروبي على العلوم بل تعدّاه إلى الأدب والفكر فقد تأثر دانتي الإيطالي في الكوميديا الإلهية برسالة الغفران للمعري، كما تأثّر الشعراء وكُتّاب القصص الأوروبيين بشعر الغزل الأندلسي، وبكتاب طوق الحمامة في الألفة والألاف لابن حزم الأندلسي، كما أثبت ذلك أستاذنا الدكتور الطاهر مكي في مقدمة تحقيقه لطوق الحمامة.

وهناك كتب أخرى كثيرة كتبها مستشرقون وعرب تؤكد أهمية التواصل الحضاري مثل تراث الإسلام لشاخت وفضل الحضارة العربية على الحضارة الأوروبية للعقاد الذي تُظِلُّنا ذكراه في هذه الأيام.

الاحتلال يفرض لغاته

وفي العصر الوسيط قامت الحروب الصليبية على الشرق الإسلامي وخصوصا مصر وبلاد الشام فكان التواصل بالمواجهة الحربية والصراع الديني، واحتلّ الصليبيون القدس تسعين عاما حتى حرّرها صلاح الدين الأيوبي، ولا شك أن هذا التواصل يترك أثره في اللغة والأدب والحياة الاجتماعية.

وفي العصر الحديث كانت الحملات الغربية على البلاد العربية فاحتلت فرنسا بلاد المغرب العربي، وعملت على فرنستها عن طريق فرض اللغة الفرنسية، وكذلك سوريا ولبنان، واحتلت إنجلترا مصر والسودان والعراق وفلسطين والأردن، وباستخدام لغة المحتل طوعا أو كرها يحدث التأثر لا محالة.

حركة الترجمة العربية والتبادل الثقافي في القرن العشرين

ثم كانت البعثات التعليمية التي أرسلها محمد علي إلى فرنسا، فعاد رفاعة الطهطاوي ليترجم رواية مغامرات تليماك، ويترجم تلميذه محمد عثمان جلال رواية بول وفرجيني تحت عنوان “الأماني والمنة في حديث قبول ورود جنة”، وفي مطلع القرن العشرين تبدأ موجة جديدة من ترجمة أعمال الأدباء الفرنسيين، ولكن بصورة أكثر حرية مع تعريبها أو تمصيرها، فيترجم مصطفى لطفي المنفلوطي بأسلوبه الرشيق رواية “بول وفرجيني” تحت عنوان “الفضيلة”، كما ترجم رواية “تحت ظلال الزيزفون” تحت عنوان “مجدولين”، وترجم حافظ إبراهيم بأسلوبه الشعري رواية البؤساء للأديب الفرنسي الكبير فيكتور هوجو متصرفا فيها بصورة كبيرة بما يتّسق مع الذوق المصري متنا وأسلوبا.

ولا يجب أن ننسى عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين الذي تأثر أيّما تأثّر بالأدب الفرنسي حين ابتعث لدراسة الدكتوراه، وقد شاء الله أن أكتب مقدمة لرواية الحب الضائع لطه حسين ضمن مشروع الهيئة المصرية العامة للكتاب لاستعادة رواد الأدب العربي، فلمستُ هذا الأثر الفرنسي في الرواية، ولعل طه حسين قد أثّر في الأدب الفرنسي حيث ترجمت بعض أعماله ورواياته إلى اللغة الفرنسية ومنها الأيام وهي سيرته الذاتية ودعاء الكروان، وقُدِّمت عن أعماله دراسات في الجامعات الفرنسية، كما نُشرت مذكرات زوجته الفرنسية سوزان بالفرنسية تحت عنوان “من فرنسا إلى مصر.. قصة حب غير عادية”.

ولم يكن طه حسين وحده بل تأثر كثير من الأدباء المصريين والعرب باللغات الأوربية وبخاصة الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية والإيطالية، ومن هؤلاء عباس العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني، وقد ظهر التأثر بالأدب الإنجليزي في أدبهما ونقدهما على السواء، ومثلهما عبد الرحمن شكري زميلهما في تأسيس مدرسة الديوان، وتأثر أمير الشعراء أحمد شوقي بالأدب الفرنسي فعاد من فرنسا ليكتب المسرح الشعري، وتأثر بلافونتين في كتابة القصص على لسان الحيوان، فكتب أقاصيصه للأطفال وكان رائدا في هذين الفنين واقتفى أثره في المسرح الشعري أدباؤنا مثل عزيز أباظة وصلاح عبد الصبور وعبد الرحمن الشرقاوي وفاروق جويدة وغيرهم.

كما تأثر زكي مبارك وتوفيق الحكيم بالأدب الفرنسي، وظهر التأثر واضحا عند توفيق الحكيم في أعماله المسرحية والروائية مثل “عصفور من الشرق”، كما تأثر أحمد حسن الزيات ومحمد مهدي علام بالأدب الإنجليزي، وكان أستاذنا مهدي علام يكتب الشعر بالإنجليزية كما كان يترجم الشعر الإنجليزي إلى شعر عربي والعكس، وكذلك كانت ابنته ثريا مهدي علام التي ترجمت بردة البوصيري في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اللغة الإنجليزية، وطُبعت في الهيئة المصرية العامة للكتاب.

وظهر تأثّر الشعراء بالمدارس الأدبية الأوروبية كما في تأثر رواد مدرسة الديوان، العقاد والمازني وشكري، ورواد مدرسة أبوللو وفي مقدمتهم الدكتور أحمد زكي أبو شادي وإبراهيم ناجي وعلي محمود طه ومحمود حسن إسماعيل.

كما تأثر يحيى حقي صاحب رواية “قنديل أم هاشم” والروائي السوداني الطيب صالح صاحب رواية “موسم الهجرة إلى الشمال”، ويوسف إدريس صاحب رواية “البيضاء” التي خصها صديقي الناقد الكبير د. ربيع عبد العزيز بدراسة مستقلة، وقد درس أستاذي المرحوم د. عصام بهي “الرحلة إلى الغرب وأثرها في الرواية العربية”.

تأثير الأدب الأوروبي في الأدب العربي الحديث

واستمرت البعثات العلمية للمصريين والعرب إلى بلدان أوروبا وعاد هؤلاء المبتعثون متأثرين بالأدب الأوروبي ومذاهب النقد الأوروبية، وتأسس الدرس الأدبي المقارن على يد محمد غنيمي هلال ثم الطاهر مكي ومحمود علي مكي وأحمد هيكل وغيرهم من طلائع البعثات المصرية، وخلفهم أستاذي المرحوم د. محمد زكريا عناني، ود. أحمد درويش، ود. عبد اللطيف عبد الحليم أبو همام.

وقد أسس طه حسين المركز الثقافي المصري في مدريد ليكون همزة وصل بين الثقافة العربية والإسبانية، وعندنا اليوم أقسام للغات الأوربية المختلفة بل وغير الأوروبية كالصينية واليابانية في الجامعات المصرية المختلفة بكليات الآداب، وكليات الألسن، وهي تقدّم الدراسات للأدب الأوروبي والأدباء كما تقوم بالدراسات المقارنة بين الأدباء العرب وأقرانهم من الأوربيين، ومن بين أصدقائي الذين يقومون بدور مهم في مجال الدرس الأدبي المقارن الدكتور محمد عليوة أستاذ الأدب المقارن بكلية دار العلوم والدارس في إسبانيا، والدكتور سعيد شوقي الذي خاض غمار الأدب المقارن لمعرفته باللغة الإنجليزية، وهو يسعى إلى تأسيس مدرسة من طلابه النابهين في الأدب المقارن بالاشتراك مع قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة المنوفية، والدكتور ياسر الصعيدي في مجال الدراسات الإسلامية وقد درس في إسبانيا، وهو رئيس قسم اللغة العربية بآداب المنوفية وغيرهم.

ولسنا في حاجة إلى الحديث عن تأثر الأدباء والنقاد في المغرب العربي بالأدب الفرنسي والإسباني، فكثير منهم مزدوج اللغة وبعضهم يكتب أدبه ونقده باللغة الفرنسية والإسبانية، والأمثلة على ذلك كثيرة يعرفها قرّاء الأدب ودارسوه في تونس والجزائر والمغرب.

وبعد هذه الرحلة مع اللغة الثانية وأثرها في الأدب، يمكننا أن نؤكد أنّ الاكتفاء بلغة واحدة، هي اللغة الأم، لم يعد يكفي في عالم متفاعل شديد التواصل، بدأت الحواجز الثقافية بين أممه بالانكسار والانحسار بفعل النقد التقني في وسائل التواصل.

اللغة الثانية في خدمة القضية الفلسطينية

وإضافة إلى الفوائد العلمية والمعرفية والتقنية من اكتساب لغة ثانية إلى جانب اللغة الأم، فإنّ هناك ضرورة أخرى تكشّفت في سياق القضية الفلسطينية منذ عام النكبة، فالمثقفون العرب – عموما – لم يسعوا إلى مخاطبة العالم بلغاته، ولم يسع الكُتّاب إلى “اقتحام” مجالات الإعلام والآداب والفنون في الغرب بلغاته.. فأفقدوا القضية الفلسطينية سلاحًا من أقوى الأسلحة في مواجهة “صناعة” الأكاذيب الصهيونية منذ أواخر القرن التاسع عشر، والسيطرة الغربية على العقل “البشري” من خلال الإعلام ومختلف الصناعات الأخرى التي تشكّل الأفكار وتؤثّر في الوجدان، مثل الصناعات في مجالات: الآداب والفنون، ولكن العرب عموما والكتاب والمفكرين والأدباء الفلسطينيين خصوصا قد فطنوا إلى أهمية خطاب الغرب بلغاته عن طريق الأدب والكتابات الفكرية والتاريخية، وخير دليل على ذلك المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد الذي قام بدور مهم في عرض القضية الفلسطينية والفكر العربي باللغة الإنجليزية وقد ترجمت كتبه إلى اللغة العربية، والمفكر الفرنسي المسلم رجاء جارودي، الذي كتب “فلسطين أرض الرسالات السماوية”، وقام بترجمته المرحوم د. عبد الصبور شاهين مع مقدمة رائعة، وهناك مئات الباحثين والعلماء العرب والفلسطينيين الذين يقومون اليوم بدور مهم في شرح القضية الفلسطينية لشعوب الغرب، وتفنيد الأساطير الصهيونية والأكاذيب عن أرض الميعاد، وقد وضح هذا الأثر بعد طوفان الأقصى فوجدنا تعاطفا من المثقفين في الشعوب الغربية مع القضية الفلسطينية وحق الفلسطينيين في العيش في بلادهم وحق اللاجئين في العودة، وما نراه من مظاهرات لطلاب الجامعات في أمريكا وأوروبا تأييدا للقضية الفلسطينية واستنكارا لما يقوم به الكيان الصهيوني الغاصب مدعوما من الغرب وبخاصة أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، خير دليل على ما نقول.

في ضوء هذه الفكرة، نرى أن الحاجة إلى اللغة الثانية لا ينبغي أن تبقى مقصورة على المناهج الدراسية والتعليمية بل هي ضرورة حضارية ويجب أن يتعلّمها كل مثقف عربي في العصر الراهن.. من أجل توظيفها في خدمة قضايا الأمة وخاصة القضية الفلسطينية، وفي خدمة النهضة الفكرية والعلمية، الرقي بالآداب والفنون، وكسر العزلة العربية.

الترجمة العكسية للأدب العربي

وما فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب إلا بعد قراءة أعماله الروائية مترجمة إلى اللغات الأوروبية وغير الأوروبية، ولهذا أرى ألا تقتصر علاقتنا بالشعوب المختلفة على ترجمة آدابها بل تكون هناك ترجمة عكسية للأدب العربي إلى لغات هذه الشعوب ليتحقق التواصل المنشود، مع التركيز على ترجمة كتب العلوم النظرية التطبيقية.

ولعل أقسام اللغات في كليات الآداب في الوطن العربي تقوم بهذا الدور المنشود والمأمول إثراء للمشهد الأدبي وتحقيقا للتواصل بين العرب والشعوب المختلفة، بالإضافة للدور الذي تلعبه كليات الألسن التي انتشرت في ربوع مصر كما انتشرت كليات دار العلوم وبها أقسام للبلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن.

ولعل المركز القومي للترجمة بالقاهرة ينتبه لهذه القضية فيقوم بترجمة عيون الأدب العربي إلى اللغات المختلفة، بالتعاون مع أساتذة الجامعات واتحاد كتاب مصر الذي يتبنى مشروعا للترجمة العكسية للأدب العربي.

وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

 

صبري فوزي
أ.د. صبري فوزي أبو حسين – أستاذ ورئيس قسم الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بمدينة السادات بجامعة الأزهر

أي دور للّغة الثانية في صنع بصمة المثقف؟

بقلم: أ.د. صبري فوزي أبو حسين – أستاذ ورئيس قسم الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بمدينة السادات بجامعة الأزهر

هل يستطيع مجتمع – أو دولة أو أمّة أو حضارة – الاقتصار على لغة واحدة، تُسمَّى باللغة الأم أو اللغة الوطنية أو القومية؟ الإجابة: لا؛ فالحضارة الإسلامية منذ أسِّست في دولة المدينة المنورة ومرورًا بعصرها العباسي الذهبي، وانتهاء بزمانها الحديث، قائمة على التعامل الإيجابي مع الآخر والتواصل الفاعل معه، عن طريق مواطنة حية وحيوية، فيها تحاور وتعاون، انطلاقًا من النص القرآني الكريم: “وَمِن آيَاتِهِ خَلقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلَافُ أَلسِنَتِكُم وَأَلوَانِكُم إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلعَالِمِينَ” (الروم: 22).

 

ومن قول الله تعالى أيضًا: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلنَاكُم شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (الحجرات: 13)، ورسائل الرسول – صلى الله عليه وسلم- إلى ملوك العالم في زمانه أكبر دليل نبوي عَمَلي على ذلك، ومِن فِقهِ الإمام البخاريّ في تَراجمِ أبوابِ جامعِه الصّحيح أنّه دلَّ على جوازِ ذلك بوَضعِ ترجمة: (بَابُ مَن تَكَلَّمَ بِالفَارِسِيَّة ِ وَالرَّطَانَةِ وَقَولِهِ تَعَالَى: “وَاختلَافُ أَلسِنَتِكُم وَأَلوَانِكُم” (الروم: 22).

وقد أجاز الفقهاء تعلُّم اللغات الأجنبية إذا دَعَتِ الحاجةُ والضّرورةُ إلى ذلك، فتَعلُّمها والتّخاطُب بها جائز بشرط أن يُراعَى في ذلك القَدرُ المحتاجُ إليه منها فقط… ‏‏أما حديثُ عمرَ بنِ الخطّاب – رضي ‏‏الله عنه – قال : ‏”لا تَعَلَّمُوا رَطَانَةَ الأَعاجِم، وفي رواية: “إيّاكُم ومُراطَنَةَ الأعاجِمِ”، و: “مَا تَعَلَّمَ [تَكَلَّمَ] رَجُلٌ الفَارِسِيَّةَ إِلَّا خَبَّ [خَبُثَ]، وَلَا خَبَّ [خَبُثَ] إِلَّا نَقَصَت [ذَهَبَت] مُرُوءَتُهُ”، فهذا ليس على إطلاقه بل مقصود به ذلك النموذج الذي يذوب تمامًا في الآخر، وينسى أصله وهويته وثوابته، يتحوّل إلى مسخ!

إن كلَّ ما يَنفَعُ الأُمّةَ تَعلُّمُه فهو فرضُ ‏كِفايةٍ، وبخاصّةٍ إذا كانت عدوّةً ‏للأمّةِ ‏المسلمةِ، أو كانت متقدِّمةً حَضاريّاً، يشهدُ لذلك ‏أمرُ النّبيِّ – صلّى الله عليه وسلّم – لزيدِ بنِ ثابتٍ أن ‏يتعلَّمَ اللّغةَ السُّريانيّةَ، وفي رواية: العِبرانِيَّةَ لغةَ اليهود، حتى صارَ زيدٌ – رضي اللّه عنه – يقرأُ لِرسولِ اللّه – صلّى الله عليه وسلّم – ‏الكُتُبَ الّتي تَصِلُ إليه مِن ملوكِ زمانِه، ‏وغيرِهم، ويَكتبُ له جوابَها بلُغتِهم.

وفي ذلك حَثٌّ وتَرغيبٌ على تَعلُّمِ اللّغاتِ الأجنبيّة، ودليل ٌ على جوازِ تَعلُّمِها ومشروعيّتِه عند المصلحة والحاجة الماسَّة، ‏لا يُنازِعُ في ذلك أهلُ ‏العلمِ؛ فالتّكلُّمُ بالعَجَميّةِ أو اللغة الثانية – بجوار اللغة العربية الفصحى مع الحرص على ثوابت الإسلام، والالتزام بأصول التربية الإسلامية الكاملة – لِغرضِ تَفهيمِ المخاطَب بقدرِ الحاجة فلا بأسَ ‏به، حتى لا نذوب ونتغرَّب ونتفَرنَج فنكون كمَن يَبني قَصرًا ويَهدِمُ مِصرًا! وأسلافنا يقولون: إنّ مَن تعلّمَ لغةَ قومٍ أحبَّهم فما أَحرى أن يُحِبَّ المرءُ أوّلاً أرضاً أَنبتَته، وأهلاً تَجمعُه ‏وإيّاهم جامِعَةُ الوطنِ والجنسِ واللِّسانِ، وما أعظم “المتنبي” في صرخته:

مَغاني الشَعبِ طيباً في المَغاني — بِمَنزِلَةِ الرَبيعِ مِنَ الزَمانِ

وَلَكِنَّ الفَتى العَرَبِيَّ فيها — غَريبُ الوَجهِ وَاليَدِ وَاللِسانِ

مَلاعِبُ جِنَّةٍ لَو سارَ فيها — سُلَيمانٌ لَسارَ بِتَرجُمانِ

اللغة الثانية في ظلال الحضارة الإسلامية

يقول مؤرخنا الكبير الدكتور “عبد الحليم عويس” – رحمه الله – في مقالته (حركة الترجمة في الحضارة الإسلامية): سارت تعاليم الإسلام إلى جزءٍ كبير من العالم المعروف خلال القرنين السابع والثامن للميلاد (الأول والثاني من الهجرة)، واستطاعت قيم الإسلام وجهود الأسلاف أن تؤسس – في أقل من قرن من الزمان – أكبر وأقوى دولةٍ عرَفَتها القرون الوسطى… وقد امتدَّت بقعة الإسلام من الصين شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا”. وكما نرى فإنه من خلال هذه الحركة العالَمية الإسلامية التي لم يشهد العالم مثلَها – في هذا الوقت الوجيز – وصل الإسلام إلى العالم القديم كلِّه تقريبًا، ومعروف أن الإسلام ليس دينًا وحسب، بل هو دين تدخُلُ الحضارة الإنسانية في نسيجِ تعاليمه، ويفتح للناس ميادين المعرفة والعقل على امتداد الكون والنفس والحياة. ولم يكُ ممكنًا أن يقف المسلمون عند حدود الفتوحات الجغرافية، بل كان لا بد للعرب والمسلمين أن يستوعبوا خلاصة الحضارات الأخرى التي سبقَتهم، وأن يعرضوها على دينهم وطبيعتهم الحضارية، وإلا كانت مجرد فتوحات دنيا لا فتوحات دين، وبالتالي يقرّرون كيف يمكن أن يأخذوا من هذه الحضارات ما يتلاءم مع حضارتهم، ويرفضوا ما سوى ذلك؛ ولهذا عمدوا إلى تجنيد جيوش من المترجمين؛ لينقلوا إليها العلوم والنظم والأفكار السابقة، في ظل مناخهم الإسلامي وأنساق حياته، وبالتالي ينقلونها دون تأثر بمناخها وطبيعة حياتها وسلبياتها.

والمطَّلع على كتاب “ابن أبي أصيبعة” (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) يعجب من كثرة أسماء مترجمين وأطباء لم يسمع بهم من قبلُ. وهناك مجموعةٌ مِن النَّقلة نستطيع أن نتعرَّف عليهم من قائمة “ابن أبي أُصَيبعة”، وردَت في الباب التاسع من طبقاته، بعنوان (طبقات الأطباء النقلة)؛ الذين نقلوا كتب الطب وغيرها من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي..

اللغة الثانية في العصر الحديث

وفي زمننا هذا الذي يتّسم بسمة شدة التفاعل وقوة التواصل وسرعة الانفعال، ينبغي لنا أن نتساءل عن اللغة الثانية بله اللغات الأخرى: ما قيمتها؟ وما مخاطرها؟

صدق من صرخ فينا وجلدنا حين كتب ما نصه: “إنّ الاكتفاء بلغة واحدة، اللغة الأم، لم يعد يكفي في عالم متفاعل شديد التواصل، بدأت الحواجز الثقافية بين أممه بالانكسار.. وإضافة إلى الفوائد العلمية والمعرفية والتقنية من اكتساب لغة ثانية إلى جانب اللغة الأم، فإنّ هناك ضرورة أخرى تكشّفت في سياق القضية الفلسطينية منذ عام النكبة، فالمثقفون العرب – عمومًا – لم يسعوا إلى مخاطبة العالم بلغاته، ولم يسع الكُتّاب إلى “اقتحام” مجالات الإعلام والآداب والفنون في الغرب بلغاته.. فأفقدوا القضية الفلسطينية سلاحًا من أقوى الأسلحة في مواجهة “صناعة” الأكاذيب الصهيونية منذ أواخر القرن التاسع عشر، والسيطرة الغربية على العقل “البشري” من خلال الإعلام ومختلف الصناعات الأخرى التي تشكّل الأفكار وتؤثّر الوجدان، مثل الصناعات في مجالات: الآداب والفنون…

نعم هذا دافع نبيل فرضته علينا القضية الفلسطينية، ومعركة طوفان الأقصى الدائرة التي دلت دلالة حضارية عظيمة على وجوب امتلاكنا لغات العالم كلِّه لمخاطبته والتواصل معه، وعرض القضية الفلسطينية العرضَ العلميَّ والأدبيَّ والفنيَّ والإعلاميَّ والسياسيَّ الحق والفاعل المؤثر، والمقنع. إن الأحداث الجارية في غزّة (العزّة) حاليًا لتوقعنا جميعًا في فرض حتمي وضروري، جهاد باللسان العالمي حتى لا نقع في جرم ثقافي وإثم دعوي وتفريط إعلامي وتقصير فني كبير تجاه هؤلاء المُغتَصبين المنكوبين، إن الآلة الإعلامية الصهيونية الجبَّارة هيمنت على العالم كله، وقدَّمت أكاذيب وأضاليل، ما لها من واقع، وما لها من دليل! فهم أكثر نفيرًا منًّا، إننا في ظل حقائق لفلسطيننا ثابتة تاريخيًّا ودينيًّا وواقعيًّا، لا نجد من يقدِّمها ويعرضها، إن الأدب العربي وحده، وإن الفن العربي وحده، وإن الخطاب العربي وحده لا يكفي، بل لا بدّ من أدب وفن وخطاب إنجليزي، وفرنسي، وصيني، وروسي، وأوردي، وفارسي، وبرتغالي، وألماني، وإيطالي، وكوري، وغير ذلك من لغات العالم كله، خطاب بكل لغات العالم عن حقوقنا، وعن مأساة أهلنا في فلسطين، فالخطاب العربي العربي صار غير ذي جدوى، والخطاب العربي الغربي والشرقي هو المطلوب والمفروض والضروري، إن أردنا حضورًا وفعلاً في هذا الزمان الفاتن المضطرب…

لا بد من التطبيق العملي الشمولي للأثر العربي: “من تعلم لغة قوم أمن مكرهم أو سلم من شرهم، أو غوائلهم”… يقول الأستاذ “ناصر الفضالة” في مقالته (الإعلام وطمس الحقائق على الطريقة الصهيونية): عملت الدعاية الصهيونية على خطّين متوازيين موجهة إعلامها إلى الداخل والخارج، فواصلت التعبئة من جهة لمحاولة “توحيد البنيان اليهودي” على أرض فلسطين وتوطيد دعائمه في إطار الكيان الصهيوني، وأطلقت حملة لمحاربة “الاندماج” اليهودي في الخارج، والعمل على استمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين، والمحافظة على ارتباط اليهود بمؤسساتهم في العالم بشبكة اتصال متينة مع “إسرائيل”. ونجح الإعلام الصهيوني في أوساط الغرب، وإلى حد كبير في تشويه الحقائق التاريخية والوقائع السياسية، بل إنه استطاع إخفاء مشاهد المذابح التي ارتكبتها العصابات الصهيونية… مستفيدًا في ذلك من ضعف الإعلام العربي وهشاشته، فأصبح الغرب يرى ما يحدث على أرض فلسطين من خلال المنظور الصهيوني، فترسَّخت اعتقادات في الرأي العام الغربي مفادها أن “إسرائيل” بلد صغير يحاول العرب “المتوحشون” التهامه…

كما أن مساحة التدفّق الإعلامي الصهيوني المتعدد الأشكال اتّسعت في معظم أنحاء العالم، وفي فترة قياسية، وأصبح عدد كبير من دور النشر والتوزيع ومحطات الإذاعة والتلفزيون والمسارح وشركات الإنتاج السينمائي، وأعداد أكبر من الوسائل الإعلامية الغربية خاضعة للنفوذ الصهيوني عن طريق عمل المحررين والمؤلفين والكتاب فيها أو بالاتفاق المالي المباشر.. بهدف الترويج للموقف الصهيوني، وتوسيع نطاقه لخدمة الأغراض السياسية الصهيونية وطمس الصوت الآخر… وفي مقابل تلك الاستراتيجية الإعلامية الصهيونية نجد أننا كعرب لا نملك ولو جزءًا يسيرًا من استراتيجية مقابلة قادرة على مواجهة التغلغل الصهيوني في كل مفاصلنا..

حتمية ترجمة الأدب الفلسطيني المقاوم

ما أحوجنا إلى ترجمة الأدب الفلسطيني المقاوم شعرًا وسردًا ومقالا وبحثا علميا، نعم بدأ تلقِّي الرواية الفلسطينية خارج السياق العربي، في السنوات الأخيرة متقدِّمًا قياسًا على النصف الثاني من القرن العشرين، حيث أسهمت الترجمة في تمكين الصوت الفلسطيني سرديًّا، ومع ذلك يجب ألا ننسى بأنّ أولى روايات “جبرا إبراهيم جبرا” كانت باللغة الإنجليزية بعنوان “صيادون في شارع ضيق” 1960م، و نرى بعض الأعمال المركزية في المدوّنة الفلسطينية قد ترجمت، مثل روايات “غسان كنفاني”، وأعمال “إبراهيم نصر الله”، و”سحر خليفة”، وغيرهم..

كما ثمة رواية فلسطينية قدّمت منظورات مختلفة أو جديدة في تمكين هذه القضية وأحدثت أصداء لدى الغرب، حيث جاءت بلغات أخرى غير العربية، وبوجه خاص اللغة الإنجليزية، واحتملت تعبيرا عن أصوات الفلسطينيين من قبل كاتبات، ومنهن على سبيل المثال “سوزان أبو الهوى”، و”سعاد العامري”، و”ابتسام بركات”، و”إيزابيلا حماد”، ومعظم أعمالهن يقع ضمن إطار سرد ذاتي. إن الأدب الفلسطيني يحتاج إلى تنشيط أكبر على مستوى الترجمة، كي تُقدّم القضية ضمن سياق مضاد لمروية الاحتلال الإسرائيلي التي تعتمد مبدأ التعاطف والتباكي، فالمواجهة والمقاومة الخطابية جزء بنيوي من المقاومة عامة كما يقرر الأكاديمي الفلسطيني “رامي أبو شهاب”..

قيمة دراسة النقد الأدبي اليوناني

ومن عجب أن يسألني أحد طلاب الدراسات العليا: لماذا ندرس النقد اليوناني؟ فأوجزتُ الإجابة له ولزملائه على ذلك السؤال في الآتي:

–  التعرّف على تاريخ النقد الأدبي العالمي.

–  تبيُّن معالم التأثير والتأثر بين النقد اليوناني والنقد العربي.

– التعرّف على أعلام بارزين في ساحة النقد الأدبي العالمي مثل أرستوفانيس، وسقراط، وأفلاطون، وأرسطو…

–  معرفة أبرز النظريات التي وصل إليها رادة النقد اليوناني.

– معرفة الجذور الأولى لكثير من القضايا النقدية الحديثة.

–  محاولة قراءة التراث النقدي اليوناني من مصادره قراءة معاصرة، نتفاعل معها تفاعلاً إيجابيا بناءً.

– فهم مدلول كثير من المصطلحات النقدية من منابعها الأولى ، مثل: المحاكاة، الملحمة، الدراما، التراجيديا، الكوميديا، الخطابة، الميثولوجيا… فهيا إلى اليونانيين لنتعرف عليهم ومنهم.

صرختان إلى ذوي اللسانين من الأدباء والمثقفين

ينبغي أن نختم مقالتنا هذه بصرختين لعالمين كبيرين في مجال اللغة العربية وآدابها: الأولى للعلّامة “محمود الطناحي” في مقالته (أعجمية النقد الأدبي العربي على يد المستغربين العرب!) يقول: كثير ممّا يُقدّم من هذه العلوم للطلبة الآن كلام عجيب حقًّا، وليس له من العربية إلا الحروف والأفعال والأسماء، مصبوبًا ذلك كله في نظام نحوي صحيح في جملته، لكنك إذا أردت أن تخرج منه بمعانٍ أو دلالات ذات معنى أعجزك ذلك، فهو كلام «تعقل مفرداته ولا تفهم مركباته» كما وصف ابن دقيق العيد كلام ابن سبعين الصوفي، وأحيانا لا تعقل مفرداته،… وقد لجأت إلى زملائي الذين يعرفون لغة القوم، من أصحاب الألسنية والبنيوية والتفكيكية، ليدلوني على أمثل طريقة لتفهم ابنتي ذلك الكلام، فقالوا: لا سبيل أمامها إلا أن تحفظ ذلك الكلام بحروفه لتضعه كما هو في ورقة الإجابة. وهذا رأي خطير جدًّا، لأن معناه أن يتحوّل الطالب إلى ببغاء يردّد دون أن يفهم، ومعناه أيضًا أن يفقد الطالب القدرة على أن يؤدي بألفاظ من عنده كلام أستاذه، وهو ما ترفضه نظريات التربية القديمة والحديثة. وقد حاولت أنا فعلاً أن أجد كلمات مرادفة لهذا الذي تقرؤه ابنتي من كلام أساتذتها، فلم أرجع بشيء ذي بال، وكنت حريًّا أن أذكر شيئًا من هذا الذي تعانيه ابنتي وأعانيه معها، ولكني لا أريد أن أحمِّل “الهلال” وزر هذا الكلام والرد عليه، لكنه في الجملة كلام يدور حول التناص والتماهي والتفكيك والتفجير اللغوي، والإشكالية – إشكالية أي شيء- مع تلك البدعة الغريبة: بدعة “الأسطورة والأساطير” في الأدب العربي، فكل معاني الشعر الجاهلي وصوره وأخيلته مردودة إلى الأسطورة ومحمولة عليه ومفسرة بها.

والصرخة الثانية للأستاذ الدكتور “إبراهيم الهدهد” – رئيس جامعة الأزهر الأسبق- بعنوان: (تغريب المصطلحات النقدية والبلاغية: مشكلات التواصل ووأد الانتماء) قصد فيها إلى بيان مشكلات تغريب المصطلحات النقدية والبلاغية، وأثره على التواصل بين النقاد في المشرق والمغرب العربيين، وتأثيره كذلك على الطلاب، ودارسي الأدب، وإسهامه في تقطيع جسور التواصل بين دارسي الأدب العربي وتراثهم، ووأد انتمائهم لعربيتهم ودينهم، والتنكّر لإرثهم البلاغي والنقدي، وتجذير التواصل مع الغرب كل حسب مشربه الثقافي، إن كان فرنسيا رسّخ مصطلحات النقد الفرنسي، وإن كان إنجليزيا مكّن لمصطلحات النقد الإنجليزي، وإن كان ألمانيا انتصر لمصطلحات النقد الألماني،…وهكذا حتى غزت كثير من المصطلحات النقدية الغربية كتاباتنا النقدية والبلاغية، والفرق بين ذكرها في كتب الغرب، وذكرها في كتب النقد العربي هو الحرف فقط، فيرسم في كتب النقد الغربي بالحرف اللاتيني، ويكتب عندنا بالحرف العربي، وكأننا أمّة بلا تراث، ولا لغة، فترى مصطلحات مثل: الاستعارة الأنطولوجية، والميتالغة، والميتانقد، دوغمائيات الإخلاص للنص الأصلي، السيموطيقا، وغيرها من المصطلحات، وقد برز في الآونة الأخيرة ـ منذ الستينات ـ نقاد مزدوجو الانتماء، يقفون بقدم في الغرب، وبأخرى في الشرق، فلاهم وقفوا هناك، ولاهم برزوا هنا، وآخرون انتموا إلى الغرب، وهاجموا الشرق وأهله.

نعم للُّغة الثانية الناقلة للخير العلمي الموجود عند الآخر، ونعم للُّغة الثانية المُعرِّفة بأدبنا العربي، وبحضارتنا العربية التراثية والحديثة والمعاصرة، وبقضايا أمتنا الراهنة، ومأساتها على يد الصهاينة الهمجيين، نعم لأصالة عربية معاصرة، نعم لحداثة راشدة عتيقة!

 

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا