الأديبة السورية “ملك أبيض العيسى”.. هذا ما قالته أوّل مُترجمة للأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية (الجزء الثاني)

“إنها مفاجأة كبرى للقارئ العربي أن يرى، خلال التباشير الأولى للنهضة الأدبية في وطنه، عملاقا كبيرا ينتصب على قدميه، ليأخذ مكانه في الصفوف الأولى بقدم ثابتة، جنبا إلى جنب مع الآداب العالمية التي ناضلت طويلا حتى تبوَّأت هذا المكان..”، هكذا ترى الأديبة السورية “ملك أبيض العيسى” أنّ الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية اقتحم “العالميّة” منذ ولادته الأولى، خاصة مع الأديب “كاتب ياسين” الذي اقتحمت مسرحياته كبريات المسارح الغربية، منذ بداياته الأدبية.

نعيد التذكير بأنّ وزارة الثقافة السورية كانت تُصدر، خلال ستينيات القرن الماضي، “سلسلة الأدب الجزائري”، وكلّ ما نعلمه أنّ العدد الخامس من هذه السلسلة، الصادر عام 1962، كان حول عملين مسرحيين للأديب “كاتب ياسين”، هما: الجثّة المُطوّقة، الأجداد يزدادون ضراوة، من ترجمة الأديبة الدكتورة “ملك أبيض”.. ونشير أنّ بعض المصادر كتبت اسم الأديبة السورية: “ملكة أبيض”، ونحن اخترنا كتابته: “ملك أبيض” تبعًا لما كُتِب في غلاف كتابها ضمن “سلسلة الأدب الجزائري”. وفيما يلي نواصل مع ما قالته أوّل مُترجمة للأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، الأديبة السورية “ملك أبيض العيسى”..

“نجمة” ليست كائنا خياليا!

إنّ رواية “نجمة” لـ “كاتب ياسين” ومسرحيتّيه: الجثّة المُطوّقة، الأجداد يزدادون ضراوة.. تشكل نماذج راقية من الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية، حظيت بشهرة واسعة عالميا، من قبل أن تشتهر جزائريا أو عربيا. ولنبدأ برواية “نجمة” فهي الثيمة المشتركة في الروائع الثلاث.

ليست “نجمة” كائنا خياليا، إنها وطن.. وأي وطن! إنها وطن الفلاحين البؤساء الذين تتقلَّص أرضهم تحت أقدامهم، وأقدام أبنائهم وأحفادهم.. فإذا هي تلفظهم وتستعيض عنهم بسادة جُدد يتبخترون فوقها بالبناطيل الضيّقة والقبعات العريضة.

أين هم الشباب في “نجمة”؟

وأين هم الشباب في “نجمة”؟ إنهم شباب ضائع يصيبه اليأس من الوقوف أمام مكاتب الاستخدام من دون جدوى.. ويضطر إلى التسكّع أمام أرصفة المحطات والموانئ، علّه يتصيّد مسافرا يحمل له أمتعته، أو يرشده في التعرّف على أسواق المدينة…

إنّها بلد تصل فيه البطالة حدًّا يجعل الشاب المثقف يرقص إذا ما قبله أحد رؤساء الورش – الأجانب طبعا – ليعمل في حفر الأرض وتسويتها. فإذا ما التحق بالعمل، استقبله رئيس الورشة بلكمة تترك دمه يسيل على الأرض من دون سبب اللهم إلّا أنّ يكون إفهام هؤلاء أنّ اللُّقمة لا يحصل عليها أهل البلد إلّا بخفض الراس للسيد الأجنبي.. ولهم الخيار بعد ذلك، إذا ما أرادوا رفع الجباه في الموت جوعا، أو المقام في السجون.. وما أكثرها في “نجمة”!

قد يقول قائل: لماذا نغلق أبصارنا من دون المشاريع التي بناها السّادة لتشغيل العاطلين؟ بل ما لنا نتجاهل المدارس التي أنشأوها لتعليم الأطفال؟ وليستمع “القائل” إذًا إلى هذه المقاطع:

الحيّ لم يُغيّر من سير حياته

“منذ دخول لاموريسيير لم يغيّر هذا الحيّ من سير حياته شيئا: التجارة.. ومكاتب الأعمال.. والتسوّل. أمّا الورشات الكبيرة التي وعد السّادة بتشغيلها فقد كانت مثار اهتمام السكان كحلم كانوا ينتظرونه ليؤسِّسوا بيتا أو يشتروا قميصا… ولكن الورشات الموعودة اقتصرت على بناء عدد من الأبنية الضخمة، وعدد آخر من المعامل بشكل فوضوي. واستمرت البطالة في أغنى الولايات الثلاث: قسنطينة، كما كانت…

والمدارس التي أنشأها السادة ضمّت أول ما ضمَّت مُدلَّليهم الصغار، ثم تجاوزتهم قليلا إلى أبناء بعض وجهاء الوطنيين، وبعض العملاء.. ويتفنّن السَّادة في إذلال هؤلاء الأطفال العبيد، فيحرَّم عليهم التعطيل في أعيادهم، والتلفُّظ بلغتهم، ويجري إشعارهم دوما بحقارتهم وضِعَتهم، وبأنّهم من طينة غير طينة السادة.

لقد مضى ما ينوف على مئة عاما منذ فقد الجزائريون أرضهم، وفقدوا معها حريتهم ومكانتهم. فصمد كثيرون، وانهار كثيرون… ومنذ ذلك الحين ماتت أجيال.. ونشأت أجيال!

فإذا ما أجَلت الطرف حولك عجبت لما ترى.. ترى فريقا استمرأ الهوان لطول ما هان، وانطوى على عبوديته يجترّها في صمت، بينما أناخ فريق ثان ظهره للسيد فامتطاه، وراح الاثنان السيد السائس والعبد المطيّة يعبّان خمرة النصر، ويلتهمان خيرات الوطن المسلوب للسيد الزّبدة وللمطيّة الفضلات. والفريق الأول ينظر ولا يرى، أو بالأحرى يتصنّع العمى والصّمم والبكم، كالتمثال الصيني، سواء بسواء….

عُشاق “نجمة” ينتفضون في الثامن ماي 1945

وما يلبث أن يظهر في الحلبة فريق ثالث، يمتلئ قلبه هوى بـ “نجمة”، ويهزُّه إيمان عارم بقوى شعبه الضائعة، تلك القوى التي يكمن الخلاص فيها، إذا ما جُنِّدَت وعُيِّنت، ويهمس في سرّه: ها هم ساكنو المدن يسيرون كالدّواب المقرونة إلى رزقهم اليومي دون أن يلتفتوا يُمنة أو يُسرة.. وها هم العمال يساقون إلى حتفهم بركلات الأقدام… وها هم الفلاحون في الهضاب يجرجرون أسمالهم ويهوون بأذرعهم على الصخر ليستنبتوه بعد أن سُرِق السهل…

هؤلاء هم الشعب! لماذا لا أنفخ لهم في السُّور وأبعث فيهم الثورة والتمرّد؟ لماذا لا أحشدهم جمعا هادرا يطأ العبودية بأقدامه إلى الأبد؟ وكان يوم 8 أيّار (ماي) 1945!

كان النهار صحوًا.. وكنت ترى الفلاحين، والعمال والتجار يتوافدون من كل ناحية… واحتشد جمع هائل من الناس. وراحوا يهدرون: كفانا وعودا.. 1870، 1918، 1945، واليوم 8 أيّار(ماي)..

ومرّ الكشّافة في المقدمة، ثم الطلاب… وأخذت اللافتات تتزاحم. وانطلق النشيد على شفاه الأولاد.. من جبالنا يرتفع.. صوت الرجال الأحرار.. ومن وراء.. القنطرة، تنطلق رصاصة … يطلقها أحد رجال الأمن، فتصيب العلم. وينهال الرصاص. وتموج اللافتات. لقد جرّدوا المتظاهرين من أسلحتهم في المسجد… وتسلّح الشعب.. بالكراسي.. بالزجاجات. بأغصان الأشجار التي قُطِعت في أثناء الطريق. اللّافتات تتحطم”.

ويُقمَع الشعب في تظاهرته الهائلة الأولى. نعم.. لقد قُمع الشعب.. لقد أباد السادة خمسة وأربعين ألفًا من المتظاهرين، وتجاوز عدد القتلى في تظاهرة واحدة أضعاف الضحايا التي قدّمها الوطنيون المغاربة في الحرب العالمية الثانية ليُبعِدوا عن السادة شبح البعبع النازي المخيف.

من يثق في فرنسا؟

لقد ودّع هؤلاء النازيةَ خارج بلادهم ليجدوها لهم بالمرصاد على أرض وطنهم تفتح لهم شدقيها وتسحق منهم من تسحق أثناء التظاهرات ثم تعدم من تعدم بعدها.. هكذا احتفل الجزائريون بيوم النصر.. هكذا انقلب يوم النصر إلى يوم للدماء والدموع في الجزائر. ولكن رماد الدماء والدموع لم يلبث أن حنا على ومضات من النار، وراح يرعاها طوال تسع سنوات حتى علا ضرامها عام 1954 فوق جبال الأوراس، وراح يمتد حتى شمل الوطن بأسره.

ولادة “نجمة” في لهيب الثورة

وفي عام 1956 رأت “نجمة” النور. كتبها شاب جزائري فُصِل من المدرسة إثر اعتقاله في تظاهرات 8 أيّار (ماي) وهو فتى في السادسة عشرة من عمره، وراح بعد مغادرته السجن يهيم على وجهه، ويجوب بلادا عديدة بينها فرنسا، والسعودية، والسودان، والاتحاد السوفييتي.. ويزاول حين يتيَّسر له العمل أعمالاً متنوعة، فهو حينا صحفي، وآخر عامل في المرفأ، أو أجير في مزرعة، أو بنّاء، أو مساعد كهربائي. ويعيش في ضنك البطالة حين تُسدّ الأبواب في وجهه، ولكنه طوال تلك الفترة لا ينقطع عن كتابة القصائد الثورية ونشرها في الصحف والمجلات في فرنسا والجزائر.

إنَّ رواية “نجمة” إبداع متميِّز بشهادة الغربيين قبل العرب. إنّها – بحسب ما جاء في مقدمة الطبعة الفرنسية – شيء جديد.. إنها شاهد على حياة شعب..

فهناك رموز تنتشر على صفحات الرواية يعكس كل منها جانبا أو عنصرا في حياة هذا الشعب: الجزائر الوطن “نجمة”، جدّ الشعب الجزائري “قبلوت”، شباب المقاومة الجزائرية: الأخضر وحسن ومصطفى… الجزائريون المتعاونون مع الفرنسيين: طاهر، الفرنسيون الذين وقفوا إلى جانب المقاومة الجزائرية: مارغريت، وهكذا… على أنّ الرواية ليست وثيقة أو صورة منسوخة عن الواقع، كما أنّ الكاتب ليس موضوعيًّا بالمعنى الحرفي للكلمة. فنجمة عملية خلق وإبداع.. إنّها قطعة من الشعر الخالص. وهذا الكلام ينطبق على المسرحيتين: الجثة المطوقة، الأجداد يزدادون ضراوة.

إنَّ “كاتب ياسين” يتحدَّث فيهما عن المقاومة والشهادة والسجن.. كما يتحدث عن المتخاذلين والخونة.. لقد استلهم المسرحية الأولى من أحداث 8 أيّار (ماي).. من الانتفاضة العارمة وانقضاض المستعمر عليها بكل شراسته. وأمّا الثانية، فإنه ربط فيها بين هذه الانتفاضة وجذور الشعب الجزائري. إنهّ يتمثّل الأجدادَ فيها قوة هائلة تملأ سماء الجزائر وأرضها.. روحا هائمة قلقة لا تجد الراحة، وكأنّها قتيل توانى أحفاده عن الثأر له، فإذا به ينقلب عُقابا يحوم فوق رؤوسهم، يحاصرهم ويسدّ عليهم الآفاق، ويستصرخ فيهم المروءة والشرف.

متابعة لفكر النهضة العربية

لم أفاجأ حين أعلمتني الهيئة العامة السورية للكتاب برغبتها في إعادة طباعة المسرحيتين اللتين طُبِعتا أصلا لدى وزارة الثقافة السورية عام 1962. ففي وضع هذا الأدب بين أيدي أجيالنا الناشئة متابعةٌ لفكر النهضة العربية واستمرار لرسالته التي حملها في العصر الحديث.. تلك الرسالة التي تمثَّلَت في مقاومة الاستعمار والتحرُّر من كل أشكاله.. وأتمنّى أن يجري تدريسه في مدارسنا على غرار ما نفعل بالأدب المكتوب أصلاً باللغة العربية.

من مقدّمة الكتاب الخامس في “سلسلة الأدب الجزائري”

إنها مفاجأة كبرى للقارئ العربي أن يرى، خلال التباشير الأولى للنهضة الأدبية في وطنه، عملاقا كبيرا ينتصب على قدميه، ليأخذ مكانه في الصفوف الأولى بقدم ثابتة، جنبا إلى جنب مع الآداب العالمية التي ناضلت طويلا حتى تبوَّأت هذا المكان..

وكما عقدت الدّهشة، منذ سبع سنوات، لسان المواطن العربي الساخط على الاستعمار، المتبرم بأوضاعه المهترئة، عندما انطلقت ثورة الجزائر المسلحة انطلاق المعجزات، تنتزع أرضها السليبة من مخالب الاستعمار بالدم والسلاح، فوقف يرمقها بنظرة حب وإكبار.. هكذا يقف القارئ العربي الآن معقود اللسان إذ يرى هذه البقعة من وطنه تطلع ثورة فكرية، وأدبية، تواكب الثورة المسلحة، وتعكس أحداثها كصفحة المرآة. بل إنها لتحاول أيضا أن تشرح دوافعها، وتحدد سُبلها وغاياتها. لتصل بها إلى المستقبل الذي تتطلع إليه.

لقد ظهر في أعقاب الحرب العالمية الثانية أدب جزائري قوي ناضج، لمعت من خلاله أسماء كبيرة: مولود فرعون، مولود معمري، محمد ديب، مالك حداد، كاتب ياسين.. ولكن هذا الأدب – أقول ذلك والألم يملأ جوانحي – يتّخذ اللغة الفرنسية وسيلة للتعبير. إن أصحابه يجهلون لغتهم الأم.. هذا الأدب يتميز بخصائص بارزة، يطالعك أول ما يطالعك فيه الالتزام.

و”كاتب ياسين”.. كاتب: الجثة المطوقة، الأجداد يزدادون ضراوة، نجمة، وصاحب عدد من المجموعات الشعرية، والمسرحيات.. هو في رأيي أشدّ كُتّاب الجزائر عمقا وأصالة. وهو أشدّهم ارتباطا بالماضي، يقف عنده كما يقف المسافر في زورق تائه تتقاذفه الرياح والأمواج ذات اليمين وذات الشمال. إنه ينصت للرياح التي تهب على الجزائر – ذلك المركب الصغير السائر في غمار المحيط – باحثا عن أسباب ضياعه.

إنه يحكي عن مواطنيه المتخاذلين، عمن أفقدتهم الصدمة صوابهم فجرفتهم إلى لجة الانحلال، عن الخونة والجواسيس، إنه يتحدث عن الوحش الفرنسي الضاري المنشب مخالبه في جسده.. ثم ينتقل من رياح الشر إلى نسمات الخلاص… كل ذلك بلغة بالغة الروعة، واقعية إلى أبعد الحدود، رمزية حتى الإغراق، شعرية حتى لتفتت الأفئدة.. ذلك هو الأسلوب الذي يطلق عليه الأديب الفرنسي “إدوار غليان” في مقدمته اسم: الواقعية الشعرية.

وهنا أتوقّف لأبدي ملاحظة لا بدّ منها لمن يودّ قراءة آثار “كاتب ياسين”.. إن الطابع الرمزي الذي يطغى على مؤلفاته يتجلّى أبرز ما يتجلى في استخدامه شخصيات رمزية كشخصية “نجمة”.. ولعل رواية “نجمة”، أكثر كتبه إيضاحا لتلك الرموز ومع ذلك.. يجدر بنا أن نذكر أنّ المؤلف لا يألو جهدا في الإمساك بيد القارئ، وقيادته هذه المهمة العسيرة. يفعل ذلك تماما كما يفعل مخرج فنان في مسرح الدُّمى أو العرائس.

إنّ سرّ رموز عرائسه لينجلي في السماء، والألوان التي يُضفيها عليها.. في الكلمات التي يجريها على لسانها.. في الإطار الذي يحرّكها، في المواقف التي يجعلها تتخذها.. إن اللغز ليتوضَّح حتى في الانفعالات التي يضرمها في صدورها، والعلاقات التي يربط بها الرمز بالآخر. وإذا بالقارئ يأنس أخيرا بهذه الشخصيات ويألفها، وإذا به يكشف سر المؤلف كله.

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا