“الجامع الكبير”.. سر عتيق في قلب «البهجة»

واحد من أقدم وأندر التحف المعمارية التي بقيت مخلدّة للهندسة التي اشتهرت بها الدولة المرابطية، في مدينة الجزائر العاصمة أو كما يطلق عليها اليوم «البهجة»… إنه الجامع الكبير الذي اتفقت كل الدراسات أنه تم تشييده في القرن الخامس الهجري، وبالضبط في الأول من رجب عام 490 للهجرة.

كان يُلقب بـ”مسجد قرطبة”، نظرا للشبَه بينه وبين مسجد قرطبة في الأندلس، من حيث التصميم، ويتمتع “الجامع الكبير” في الجزائر برمزية تاريخية كبيرة، مع ما يلخصه من عراقة وتراث عتيق على مدار قرون عدّة، فكان حاضنة للدين والتراث والعلم من جهة، وواجهة لمقاومة الاحتلال الفرنسي من جهة ثانية، فحمى السكان وحموه من براثن وخطط هدمه.

يقع “الجامع الكبير” ـ المعروف بثباته ما جعله يحمل اسم “المسجد العتيق” ـ في أعالي العاصمة، وتحديدا في مدينة القصبة العريقة، وحسب المصادر التاريخية فقد كان محاذيا لسوق كبيرة، ما جعله قبلة المصلين ووجهة لطلبة العلوم الدينية، وهو واحد من أقدم المساجد في المنطقة المغاربية التي شيدت من قبل الدولة المرابطية التي حكمت الجزائر في القرن الخامس هجري.

أجمعت الدراسات التاريخية على أن أول مسجد شُيّد في الجزائر العاصمة كان في القرن الخامس الهجري، على يد مؤسس الدولة المرابطية “يوسف بن تاشفين”، وحددت الدراسات تاريخ إنشائه في الأول من رجب عام 490 للهجرة الموافق لشهر جوان سنة 1097 م ويعتقد أنه قد شيّد على أنقاض كاتدرائية مسيحية تعود إلى العهد الروماني.

بعد “6 قرون” من بناء المسجد الذي يتربع على مساحة حوالي 2000 متر مربع بشكله المستطيل القائم على عرض 46.30 متر، وعمق 20.38 متر، اكتشف المؤرخون “وبالمصادفة”، “سرا في منبر” المسجد الكبير، تمثل في “كتابات منقوشة بالخط الكوفي”، سمحت لهم بتحديد تاريخ بناء المسجد، وكان ذلك بعد 90 سنة كاملة من الاحتلال الفرنسي للجزائر وتحديدا عام 1920.

وقد حاول الاستعمار “جاهدا” تدمير المسجد، لكنه لقي مقاومة شرسة من قبل سكان العاصمة، غير أن أحد المهندسين المعماريين الفرنسيين أبدى اهتماما بالمسجد الكبير، وقام بإعادة بناء ألواح المنبر التي تآكلت، وعمل على تركيبها فوق هيكل حديدي متحرك، حتى تبقى تلك النقوش شاهدة على تاريخ أقدم مسجد في الجزائر العاصمة، وتتضمن النقوش التي يزدان بها منبر هذا المسجد وهي مكررة ثلاث مرات بالخط الكوفي تاريخ إنشائه حسب ما ذكره عدة مؤرخين، في مقدمتهم المؤرخ الفرنسي «دفولوكس» في ترجمة دراسة عن المباني الدينية في الجزائر.

وتختلف مساجد الدولة المرابطية في هندستها المعمارية عن بقية المساجد الجزائرية العتيقة، ومن بين الاختلافات التي تلاحظ بشكل واضح على المسجد الكبير، نجد ضخامتها العمرانية، وقاعة الصلاة التي تكون بشكل مستطيل وقليل الارتفاع، وعرضها أكبر من عمقها، حيث تقوم على دعائم هائلة تتمثل في 72 دعامة، المسافة بينها 3.4 متر، مبنية بالحجارة والآجر، تغطيها طبقة من الجبس والجير، وتعلوها العقود الحدوية أو المفصصة، فيما يغطى المسجد بسقوف منحدرة وممزوجة بالقرميد الأحمر.

ويمكن لزائر هذه التحفة الدينية-التراثية أن يلجه من 6 أبواب، مصنوعة من الخشب، ولكل منها اسم، أشهرها باب الجنينة المقابل لساحة الشهداء، يليه باب البواقل ثم باب الفوارة، بالإضافة إلى باب الصومعة المحاذي للمئذنة، وصولا لباب الطحطاحة، وآخرها باب الجنائز.

وعند دخولك إلى الجامع، سيلفت انتباهك تفاصيل أخرى مثل القبة والمحراب الذي يقال إن تاريخ بنائها يعود إلى 1732 ميلادية، دون نسيان أن الجامع يحوي 6 قباب والصومعة، ومن ملحقات المسجد المهمة جدا نجد الحديقة التي تقع في الجهة الجنوبية للمسجد.

ومن يلج المسجد العتيق الذي يحوي مئذنتين بارتفاع عادي يقف على تحفة هندسية نادرة، تكمن في المبنى الخارجي المدعم بأعمدة وأقواس عليها أهلّة صفراء وصفائح من الزلّيج أو السيراميك التقليدي الأزرق، مصفوفة فوق العمود الأولّ حتّى أخر الأعمدة المجاور للمئذنة، أمّا الأبواب الخشبية فتم نقشها باحترافية عالية ودقة كبيرة، وتشكلّ معبرا لقاعة الصلاة المرصع محرابها بالزلّيج.

ويضم المسجد بالإضافة إلى ساحة رحبة ونافورتي ماء صغيرتين خاصتين بالوضوء، مكتبة تقع في شارع طنجة على مقربة من المجلس الشعبي الوطني، يعود تأسيسها إلى ثمانينات القرن الماضي وكانت أولّ فكرة لإنشاء مكتبة للطلبة الجامعيين الذين يدرسون في الجزائر العاصمة الأولى في سنوات السبعينيات.

مقومات تراثية برمزية تاريخية

ومن بين المقومات التراثية التي يمتاز بها هذا الصرح التاريخي الديني العتيق والتي لها علاقة مباشرة بهوية الجزائر الإسلامية ذات البعد المغاربي/ الأندلسي، نجد منارة الجامع التي بناها السلطان زياني أبو تاشفين في القرن الـ14 الميلادي، وكان طولها حوالي 25 مترا.

ويحتضن الجامع الكبير أيضا أحد أقدم المنابر الإسلامية، مصنوع من الأرز الصلب بعرض 60 سم، وعمق 2,60 متر، ويتألف من 7 درجات، أما المئذنة، فهي مربعة الشكل، وترتفع لـ 15 مترا، وتنتهي بقبة صغيرة تعلوها 3 تفافيح من النحاس، وبحسب الكتابة المنقوشة على لوحة من الرخام مثبتة على يمين الباب المفضي إلى المئذنة، فهي ترجع إلى فترة الحكم الزياني.

رغم أن الجامع العتيق من العهد المرابطي، إلا أنه واصل ريادته خلال العهد العثماني، فكان أعظم مسجد في العاصمة خلال القرن الـ17 الميلادي، وامتاز بجماله ودقة بنائه، إلى جانب الترتيب البديع للأقواس المصقولة والحادة، ما دفع العثمانيين إلى تدعيمه بنافورة رخامية في ساحة الوضوء، وقد ميّزه أيضا خلال تلك الفترة ساعة شمسية من الرخام الأبيض على سطحه، استعين بها في ضبط أوقات الصلاة الشرعية، مدعومة بنبراس فخم بسطح المئذنة يستعمل في الإعلان عن دخول وقت الصلاة لا سيما في الليالي الرمضانية.

كما مثّل الجامع الكبير الذي كان يحوز أوقافا ضخمة، خلال الفترة ذاتها، مقرا للمفتي المالكي وللمجلس الشرعي للفصل في القضايا الفقهية الشائكة، السكان التي تحتاج إلى فتاوى من العلماء، كما كانت تحل فيه كل القضايا والمنازعات، وكان أيضا يشرف على توزيع المواريث على مستحقيها، فمرّت عليه أبرز القامات الفقهية كعائلة قدورة، وابن جعدون وابن الشاهد وغيرهم من الأعلام.

وكانت الأيام الأكثر ازدهارا بالنسبة للجامع الكبير، بعدما تحوّل إلى صرح علمي وحضاري عقب تدعيمه بمدرسة وزاوية، ليصبح مقصدا لطلاب العلم وللمدرسين من مختلف الأصقاع والبقاع من داخل الجزائر وخارجها، وقد ساهم الجامع الكبير في تخريج جيل من العلماء المسلمين، أشهرهم محمد وأحمد ابنا سعيد قدورة، وأبو مهجي عيسى الثعالبي، ويحيى الشاوي، وأبو حفص عمر المانجلاتي.

ويمتد دور الجامع الكبير ليشمل مجالات عديدة، منها تحفيظ القرآن الكريم للأطفال الراغبين بذلك، وقد تخرج فيه علماء وفقهاء وأئمة اكتسبوا سمعة طيبة ولعبوا دورا في تبصير الشباب بأمور دينهم ومنهم الشيخ بابا عمر الذي كان مفتيا ضليعا، والشيخ عمر شوتري والشيخ شارف والشيخ مصطفى بن يلس وهم خطباء مفوّهون، ما يؤكد على الدور الحضاري الكبير لهذا المسجد العريق.

سهام سعدية سوماتي - الجزائر

سهام سعدية سوماتي - الجزائر

اقرأ أيضا