الجزائر الجديدة.. رؤية شاملة لأمن مائي وسيادة غذائية مستدامة

أمامَ تفاقُمِ أزمةِ شُحّ المياه بفعل تأثيراتِ التغيراتِ المناخيةِ وتحوُّلها إلى هاجس يشغل كل بلدان العالم، انطلقت الحكومة الجزائرية في تنفيذ خطة تتضمن تدابير عاجلة، لمواجهة الجفاف وشح الأمطار، والحد من تداعياتهما على المحاصيل الزراعية، وذلك باتخاذ جملة قرارات وتدابير استعجالية لحماية المياه الجوفية واستعمال أنظمة السقي المقتصدة التي توفّر نسبة تصل إلى 70 % من الموارد، وتسمح بالحصول على نتائج أفضل، لكن هذه الخطة – ليست معزولة – بل تأتي ضمن إستراتيجية شاملة تتجه جميع بوصلاتها إلى هدف أعلى تختصره هذه العبارة: “ضمان الأمن الغذائي الوطني”، وخاصة في الشُعَب المطلوب الحسم فيها سريعا: الحبوب، اللحوم الحمراء والحليب وهي عناصر من الممكن تأمينها في حال تم التوجّه بالشكل اللازم إلى الاستثمار في الجنوب الكبير الذي يتربع على مساحاتٍ شاسعةٍ صالحة للزراعة، ليكون – مستقبلا – سلة غذاءٍ تُغطي حاجة الجزائريين من مختلف المنتجات الفلاحية واسعة الاستهلاك، وهو واحد من الأمور العديدة التي تناولها خبراء في مجال الفلاحة تحدثوا إلى «الأيام نيوز» كل من منظور اختصاصه.

يعكسُ تزايدُ اهتمام الجزائر بالقطاع الفلاحي، التزامها الثابت بتحقيق الاستدامة الزراعية والتنمية الشاملة، بالنظر إلى الأهمية القُصوى التي يحظى بها هذا القطاع في مسارِ تحقيق الاكتفاء الذاتي وضمان السيادة الغذائية، باعتبارها من بين أهم التحدّيات والرهانات التي تحرصُ الحكومة على تجسيدها على أرض الواقع، إذ تعدُّ بمثابة العمود الفقري لصون وحماية السيادة الوطنية، ليتحول الأمن الغذائي هو الآخر إلى أولوية الأولويات في برنامج رئيس الجمهورية ومخطط عمل الحكومة باعتباره عنصرا هاما في الأمن الاقتصادي والأمن القومي.

توجيه بوصلة الاهتمام إلى الجنوب الكبير..

وفي هذا الإطار، وتعزيزًا لسياستها الرامية إلى تحقيق أمن غذائي مستدام، حوّلت الجهات الوصية في البلاد، بوصلةَ الاهتمام إلى الاستثمار في جنوبنا الكبير الذي يتربع على مساحاتٍ شاسعةٍ صالحة للزراعة، والعمل بجدية أكثر على تحويله إلى سلة غذاءٍ تُغطي حاجة الجزائريين من مختلف المنتجات الفلاحية واسعة الاستهلاك وفي مقدّمتها الحبوب.

وقد حرص رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، من خلال برنامجه، على الذهاب بعيدا في مشروع تحقيق الأمن الغذائي، من خلال إيلائه أهميةً خاصة لقطاع الفلاحة، لا سيما ما تعلّق بضرورة التركيز على الجهود المبذولة في تطوير الفلاحة الصحراوية.

وفي هذا الصدد، أكد الخبير الفلاحي لعلى بوخالفة، أن النهوض بقطاع الفلاحة في جنوبنا الكبير والعمل بجدية أكثر على تنميته، سيساهم بما لا يدعُ مجالاً للشك في ضمان غذاء الأجيال القادمة، وبناء اقتصادٍ وطني قوي قادر على منافسة أقوى اقتصادات العالم مستقبلاً.

وأوضح بوخالفة في تصريح لـ«الأيام نيوز»، أن إعطاء أهميةٍ قصوى لتطوير الفلاحة الصحراوية سيفتح الآفاق أمام جذب الاستثمارات والرفع من إنتاج مختلف الشعب الفلاحية خاصةً وأن أهمّ الشروط متوفرة لذلك، على غرار المساحات الواسعة، ووفرة المياه الجوفية والطاقات الكهربائية والمتجددة.

وأشار محدّثنا إلى أن الجزائر تمكّنت ـ ومنذ الاستقلال ـ من تحقيق إنجازات كبيرة بالغة الأهمية ـ في هذا المجال ـ سمحت لها بتوسيع قدرتها على إنتاج عددٍ من المواد الفلاحية ذات الاستهلاك الواسع كـ: الخضروات، الفواكه، البقوليات الجافة واللحوم البيضاء، وغيرها.

وتابع: “إن استمرار بلادنا في الاعتماد على استيراد بعض المواد الاستهلاكية الأخرى ـ كالحبوب، اللحوم الحمراء، بودرة الحليب، السكر وزيت المائدة ـ يُكلّف خزينة الدولة مبالغ مالية باهظة تفوق عشرة ملايير دولار، وهو رقم كبير جدّا”.

وفي هذا الشأن، تحدث الخبير الفلاحي، عن حرص الرجل الأول في البلاد ـ عبد المجيد تبون ـ منذ توليه منصب رئاسة الجمهورية، على إعطاء أهمية كبيرة لتنمية أساسيات الغذاء ـ الحبوب، اللحوم الحمراء والحليب ـ عبر تطوير إمكانات الإنتاج المحلي ومن ثم التخلي تدريجياً عن برامج الاستيراد بعد التمكن من تحقيق الاكتفاء الذاتي من هذه المواد الغذائية الأساسية.

ومن جملة الإجراءات التي أقرّها الرئيس تبون ـ بهدف كسب هذا الرهان ـ ذكر بوخالفة، إجراء منح الديوان الجزائري للحبوب والبقوليات الجافة صلاحية وضع سقوف سعرية لمختلف أنواع البقوليات والأرز، وكذا قرار منح تراخيص لاستيراد العتاد الفلاحي وقطع الغيار والجرارات التي لا يتعدى عمرها خمس سنوات، وقرار منح قروض استثمارية، لتشجيع ودعم تعميم استعمال التقنيات الحديثة للري، وكذا قرار رفع المردودية إلى 30 قنطارا في الهكتار الواحد.

هذا، وأكد الخبير في الفلاحة، أنه في حال ما تم الالتزام بتنفيذ هذه القرارات المتخذة في إطار برنامج رئيس الجمهورية، فإنه من الممكن تحقيق الأمن الغذائي للمواطنين وضمان أمن غذاء الأجيال القادمة والتحوّل إلى التصدير في آجال قصيرة قد لا تتجاوز العامين أو الثلاثة أعوام.

وأشار بوخالفة ـ في السياق ذاته ـ إلى أن نجاح هذا التوجّه مرتبط باحترام المسار التقني والمهني للعملية الفلاحية والمتمثلة في التهيئة الجيدة للتربة ثم اختيار البذور المناسبة طبقا لطبيعة الأرض والمناخ، والأمر ذاته بالنسبة إلى الأسمدة، مع محاربة الأعشاب الضارة.

وفي إطار خريطة الطريق 2020 – 2024 المدرجة ضمن برنامج عمل الحكومة المستمد من برنامج رئيس الجمهورية، الذي يركز على الجهود المبذولة في تطوير الفلاحة الصحراوية، تم إنشاء ديوان تنمية الزراعة الصناعية بالصحراء، لمرافقة أصحاب المشاريع الاستثمارية والسماح لهم بالاستفادة من المزايا التي تضمنتها القوانين ذات الصلة.

وضمن السياسة الفلاحية الجديدة التي ترمي إلى ترقية الاقتصاد الأخضر وترشيد تسيير الموارد الطبيعية، تم تطبيق أنظمة الرّي بالرش والتقطير على مستوى حوالي 939.200 هكتار أي ما نسبته 64 بالمائة من المساحة الإجمالية المسقية، وفي الوقت ذاته يتمّ تشجيع استعمال الطاقات المتجدّدة على مستوى المستثمرات الفلاحية الواقعة في الجنوب الكبير.

عودة شعار “الأرض لمن يخدمها

تعملُ الحكومة على النهوض بقطاع الفلاحة وترقيته، كقطاعٍ محوري يُمكن التعويل عليه للمضي قدما في مشروع السيادة الغذائية الكاملة، من خلال تبني جملةٍ من الإجراءات القابلة للتجسيد على أرض الواقع، من بينها حلّ المشاكل المرتبطة بتسوية وضعيات العقار الفلاحي قانونيا أو ما يُعرف بملكية الأراضي، حتى يتسنى للمستفيدين أن يعملوا في جو من الاستقرار ووضوح الرؤية.

وضمن هذا الإطار، كان المسؤول الأول في البلاد الرئيس عبد المجيد تبون قد اتخذ ـ في وقت سابق ـ قرارًا وُصف بـ”التاريخي”، يرمي إلى تسوية وضعية الفلاحين الذين يستغلّون منذ أجيال الأراضي التابعة لأملاك الدولة دون سندات، وذلك وفق مبدأ “الأرض لمن يخدمها”.

وبموجب هذه الإجراءات، سيتمكّن الفلاحون المعنيون من استغلال أراضيهم “بكل أريحية” والحصول على بطاقة الفلاح، وبالتالي التمتّع بكل التحفيزات والقروض المتاحة لهم، وفي هذا الصدد، أكد الخبير الفلاحي “لعلى بوخالفة”، أن مشكل العقار يُعتبر واحدًا من أبرز وأهم أسباب عرقلة حركة التنمية الفلاحية في بلادنا، وعليه فإن هذه المرحلة اقتضت إعادة النظر ـ وبجدية أكبر ـ في ملف تسوية استغلال العقار الفلاحي وتنظيمه.

وأوضح «بوخالفة» في تصريح لـ«الأيام نيوز»، أنه لا بدّ من إعادة رقمنة وإحصاء جميع الأراضي الصالحة للزراعة، ومنحها لمن يستحقّها من الفلاحين الحقيقيين الذين يستجيبون لدفتر الشروط، وهي الخطوة الضرورية في مجال تنمية الشُعب الاستراتيجية: الحبوب، البقول الجافة، الحليب، اللحوم الحمراء والبيضاء والخضروات… وكل هذا يأتي ضمن هدف أكبر يتمثل في “تقليص الاستيراد”.

وشدّد بوخالفة على أن مبدأ “الأرض لمن يخدمها”، يمنع التلاعب مثلما كان عليه الأمر، عندما أفرزت الطريقة القديمة المعتمدة أشخاصًا استفادوا من مساحات زراعية شاسعة ولكن، للأسف دون استغلالها حتى أن تلك المساحات تحوّلت إلى أراضي بور، وفي السياق ذاته، أبرز الخبير أهمية إعادة النظر في برامج منح العقار الفلاحي، خاصةً في جزئها المتعلق بالأراضي المرتقب توزيعها مستقبلاً، مشيرًا إلى تصريح الرئيس تبون الذي أكد من خلاله على أن هناك نحو 9 ملايين هكتار جاهزة للتوزيع ما بين ولايتي أدرار وعين صالح.

وختم بوخالفة قائلاً: “إن سنّ واستحداث قوانين جديدة يُمّكن حقيقةً من توزيع استراتيجي ومدروس لهذه الأراضي، من خلال منحها للفلاحين الأكفاء الذين يلتزمون بإنتاج المواد الفلاحية الإستراتيجية التي تحتاجها بلادنا وفي مقدمتها الحبوب بمختلف أصنافها، ومن ثم التخلي تدريجياً عن برامج الاستيراد والتمكن من تحقيق الاكتفاء الذاتي من هذه المواد الغذائية الأساسية”.

مرحلة إيجاد الحلول

هذا، ويؤكد فاعلون في القطاع، أن إعادة النظر في التشريع الذي يسيّر القطاع الفلاحي ـ ومنه القانون 10 -03 المتضمن حق الامتياز وإشكالية عقود الامتياز والحماية القانونية للفلاح وقانون الاستصلاح وعقود الملكية ـ من شأنه الرفع من المردودية عن طريق اتباع المسار التقني والعلمي، مبرزين في السياق ذاته، بأن الوقت قد حان لإيجاد الحل المناسب للعقار الفلاحي الذي يحمى حقوق الفلاح والمستثمر ويحافظ على الأرض الفلاحية مع العمل على توسيعها عن طريق الاستصلاح في منطقة الهضاب العليا وجنوب البلاد وتوسيع المساحات المسقية من أجل فلاحة مستدامة.

وهنا، تجدر الإشارة، إلى أنه تم خلال العام الجاري، وضع مخطط عمل لإعادة تنظيم استغلال العقار الفلاحي عامة والعقار الفلاحي التابع لأملاك الدولة بصفةٍ خاصة، والأراضي الفلاحية غير المستغلة، وذلك عملاً بتوجيهات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، كما تمت مباشرة عملية رقمنة القطاع، من خلال عدة عمليات ميدانية، من بينها إحصاء الأراضي الفلاحية من خلال استعمال الأقمار الصناعية والطائرات دون طيار «درون»، ما سمح بجرد المساحات المخصّصة للشعب الاستراتيجية والمواد ذات الاستهلاك الواسع.

“التأمين الفلاحي” مسألة جوهرية

وفي ظل التحديات البيئية والمناخية المتزايدة التي تواجهها البلاد على غرار مختلف دول العالم، تبرز أهمية ودور التأمين الفلاحي كأداةٍ حيوية لتعزيز المرونة ومقاومة المخاطر التي تهدّد الإنتاج الزراعي الذي يُعتبر محورًا أساسيًا في تحقيق الاستدامة الزراعية والتنمية الشاملة.

وفي هذا الصدد، تعمل الجهات الوصية على تحسين الإطار التنظيمي والقانوني وطرق تسيير قطاع التأمين، لتوسيع التغطية التأمينية بالنسبة إلى صغار الفلاحين والمؤسسات المصغرة وكذا المستثمرين في الميدان الفلاحي، من خلال إيجاد آليات مبسطة وسبل تواصل فعالة، بما فيها الرقمنة لما لها من دور كبير في تذليل الكثير من العقبات خاصة الإجرائية منها وتوفير أداءات أحسن.

في هذا السياق، يؤكد المختص في الاقتصاد الزراعي، علي داودي، أن التأمين الفلاحي يلعب دورًا حاسمًا في تنمية القطاع الزراعي وتشجيع الفلاحين وتحفيزهم على الاستثمار في هذا المجال الذي يستدعي حالة من الاستقرار بعيدا عن أي أخطار قد تواجه المستثمر في المجال مستقبلاً، باعتبار أن القطاع الفلاحي مهددٌ بالتعرّض إلى مؤثرات متعددة، انطلاقا من التحديات المناخية وصولاً إلى مؤثرات السوق.

وأوضح الأستاذ داودي في تصريح لـ«الأيام نيوز»، أن الإنتاج الفلاحي معرّضٌ إلى عدة أنواع من المخاطر، منها ما يتعلق بالمناخ، كـ: الجفاف، البرد الشديد، الرياح العاتية، الارتفاع غير العادي لدرجات الحرارة، وغيرها من العوامل الطبيعية التي يمكن أن تؤثّر سلبا على الإنتاج، إضافة إلى احتمالية تعرّض المحاصيل الزراعية إلى الأمراض والفطريات وغيرها من الآفات الزراعية التي قد تهدد الإنتاج، مؤكدا في السياق ذاته، على أهمية وضرورة دعم وتحفيز الفلاح والقطاع الزراعي على حدّ سواء، وذلك من خلال العمل على استحداث أنظمة تأمينية تهدف إلى تقليص الخسائر الناجمة عن مخاطر التغيرات المناخية.

فعندما يقرر الفلاح الاستثمار ـ يقول الخبير ـ فإنه يتخوّف من تحمّل العبء بمفرده، ما يجعله يتردّد في استخدام مبالغ كبيرة في تطوير إنتاجه، وبالتالي، فإنه، في حال كانت الظروف المناخية جيدة سيتفادى الخسارة لكنه لن يحقق ربحا جيدا، بسبب عدم تكثيف الإنتاج لتحقيق مستوى أعلى من المردود، وفي حال ما إذا كان هناك مخاطر مناخية فإنه سيقلص من حجم الخسائر التي قد يتكبدها، وبالتالي فالخاسر الأكبر في هذه الحالتين هو الفلاح والمصلحة الوطنية، وفي مثل هذه الظروف يفترض أن يتمّ تطوير نظام تأمين فلاحي قوي ومدعم من قبل الدولة.

وفي سياق مرتبط، أكد المختص في الاقتصاد الزراعي، على ضرورة تغطية المخاطر التي يتعرض لها الفلاحون، مع العمل دائما على ضرورة توفير نظام فعّال للتأمين الزراعي، موضحا في الشأن ذاته، أن عدم وجود تغطية للمخاطر يؤثر سلبا على قطاع الزراعة، إذ يتعذر على الفلاحين الاستثمار وتطوير الإنتاجية، فوجود نظام فعال لتغطية المخاطر يعزز الثقة بين الفلاحين وشركات التأمين، ما يؤدي إلى تحسين البيئة الاستثمارية وتطوير القطاع الزراعي، وتحقيق التنمية الزراعية والاستدامة في بلادنا.

المزارع النموذجية على درب الابتكار

تمضي الحكومة الجزائرية بخطواتٍ ثابتة في مسار تطوير القطاع الزراعي وترقيته باعتباره عصبًا أساسيا في مسارِ تحقيق التنمية والمُضي قُدما في مشروع تحقيق الأمن الغذائي، وذلك من خلال الإجراءات التي تسعى إلى تجسيدها في هذا الإطار، بما فيها الاهتمام بالمزارع النموذجية خاصةً وأن الجزائر تمتلك من القدرات ما يؤهلها للعب دورٍ محوري في إرساء قاعدة مستدامة للتنمية الفلاحية والريفية، وبناء اقتصاد وطني قوي قادرٍ على منافسة أقوى اقتصادات العالم مستقبلاً.

في هذا الصدد، أكد الخبير في الزراعة والمخاطر الزراعية حمزة ماليك، أن المزارع النموذجية تحظى بأهمية قُصوى في مسار تحقيق الأمن الغذائي، باعتبارها مرفقًا عموميًا اقتصاديا يتربع على مساحات زراعية جد خصبة تؤهلها للعب دور الريادة في مجالاتٍ عدة، لاسيما فيما يتعلق بإنتاج المواد الاستراتيجية والواسعة الاستهلاك على غرار الحبوب، البطاطا، النباتات الزيتية وكذا تكثيف البذور وإنتاج الحليب والشتائل والأشجار المثمرة المقاومة، إضافةً إلى دورها في تحسين السلالات الحيوانية (الأغنام، الأبقار، الخيول..الخ).

وأوضح الخبير ماليك في تصريح لـ«الأيام نيوز»، أن عدد المزارع النموذجية الموجودة في بلادنا من المفترض أن تساهم وبشكلٍ فعلي في تحقيق اكتفاء ذاتي خاصةً فيما يتعلق بالشتائل والبذور، إلا أن ذلك لم يتحقق لعدة اعتبارات، ما جعل السلطات العليا في البلاد تتجه نحو الاهتمام بتحويلها إلى مشاتل للثروة الحيوانية، والنباتية، مشيرًا في السياق ذاته إلى أن الهدف المطلوب تحقيقه من الأساس، سيتحقق من خلال إعادة النظر في كيفية تسيير هذا النوع من المشاريع الحيوية التي تتوفر على مخزون هائل كان من شأنه أن يلعب دورًا أساسيًا في المساهمة في الإنتاج الوطني وتحقيق القيمة المضافة في القطاع الفلاحي، على جميع الأصعدة.

في سياق ذي صلة، أبرز العضو في الاتحاد الوطني للمهندسين الزراعيين، أن تسيير المزارع النموذجية في الوقت الراهن يحتاج إلى دراسة جادة وعمل مكثف، من أجل ضمان عودتها إلى مكانتها الأصلية، ويقتضي ذلك بالضرورة اتخاذ جملة من الإجراءات الردعية الفورية من طرف لجان استقصائية تحدد كفاءات المسيرين، باعتبار أن الكثير من القائمين على تسيير هذا النوع من المزارع لا يتمتعون بالكفاءة والخبرة والمؤهل العلمي اللازم الذي يسمح لهم بتحقيق الأهداف المسطرة في هذا الإطار، فعندما نتحدث على سبيل المثال عن تكثيف البذور أو تحسين السلالات الحيوانية فمن الضروري أن تتوفر الخبرة العلمية اللازمة لدى المُسير.

وأضاف قائلا: “كذلك من المهم جدّا تشديد المراقبة والمتابعة لضمان تسيير حسن للمزارع النموذجية، كما يجب أن يكون هناك صرامة وحزم في اختيار المسيرين، وذلك من خلال إبرام عقود نجاعة، ففي حال ما إذا تمكن المسيّر خلال الفترة المحددة من الوصول إلى تحقيق النتائج المرجوة يتم تجديد عقده وفي حال كان العكس يتم تغييره بمسيّر آخر أكثر كفاءة وخبرة، إضافة إلى ذلك لا بد من تحفيز كافة العمال القائمين على نجاح هذا النوع من المشاريع، فمن غير المنطقي اعتبارهم عمالاً أو إطارات من الدرجة الثانية باعتبار أن الأمن الغذائي للأمة يرتبط بهم في كل الأحوال، وبالتالي من المهم جدا تحفيزهم وتشجيعهم”.

وفي ختام مداخلته لـ«الأيام نيوز»، تحدث الخبير في الزراعة حمزة ماليك، عن أهمية فتح أبواب المزارع النموذجية أمام الطلبة المهندسين في الزراعة حتى يتسنى لهم الاحتكاك بالمجال العملي والتطبيقي بالطريقة والشكل اللازمين، وكذا إتاحة الفرصة للاحتكاك بمراكز البحث العلمي والجامعات والمعاهد التي تسمح بتطبيق الأبحاث للحصول على بذور أو شتائل أو سلالات حيوانية جديدة، وبهذه الطريقة يكون هناك تكامل بين العلم والتجربة والعمل من أجل تحقيق الإقلاع الفلاحي والتنمية المستدامة.

تعليمات صارمة

تجدر الإشارة، إلى أنه ومن أجل إعادة تأهيل هذه الفضاءات وبعث ديناميكية بها تم الترخيص لها بإبرام عقود الشراكة مع القطاع الخاص بعد إخضاعها للتشريع المتعلق بالاستثمار، على أن يكون ذلك بعد تحولها إلى مؤسسات عمومية اقتصادية، وذلك بهدف ضخ رؤوس الأموال الخاصة بهذه المزارع لزيادة حجم الاستثمارات بها وتحقيق الأهداف المنشودة، كما يستفيد القطاع الخاص من الخبرات والأبحاث والدراسات التي قامت بها هذه المزارع، غير أن عقود الشراكة (عام/ خاص) لا تتم إلا بعد الترخيص من مجلس مساهمات الدولة وبشروط وكيفيات تحدد من قبله مسبقا.

وفي هذا الشأن، كان وزير الفلاحة محمد هني قد قدم ـ شهر مارس الماضي ـ في اجتماعٍ للحكومة، عرضًا حول تشخيص وضعية المزارع النموذجية وآفاق تطويرها، تم من خلاله استعراض القدرات الإنتاجية لهذه المزارع ونموذج تنظيمها وكذا النتائج المحققة في إطار الأهداف المنوطة بها، كما تم في هذا السياق، التأكيد على ضرورة توجيه نشاط هذه المزارع وفق مقاربةٍ تتضمن إنشاء مستثمرات فلاحية مرجعية للمساهمة في تعزيز الأمن الغذائي الوطني، وتتمثل المقاربة الجديدة المعتمدة في وضع المزارع النموذجية على درب الابتكار والأداء، على نحو يسمح لها بالاضطلاع بدور أكبر في إنجاز مخططات الإنتاج لقطاع الفلاحة.

من جهته، كان قد أمر الرئيس عبد المجيد تبون خلال ترأسه اجتماعا لمجلس الوزراء بتاريخ 14 ماي الماضي، بإعداد رؤية جديدة “عميقة” حول المزارع النموذجية في غضون شهر واحد، لإبراز دورها الجديد وإطارها القانوني الذي يحميها ويحافظ على ديمومتها عبر كامل مناطق الوطن، بناء على اختلاف التخصص الفلاحي لكل منطقة، مؤكدا أن “نتائج التصور المطروح حول المزارع النموذجية لم ترق إلى طموحات الدولة التي كانت مسطّرة”، كما أسدى المسؤول الأول في البلاد، تعليمات صارمة تقضي بأن “تتحول المزارع النموذجية إلى مشتلة للثروة الحيوانية والنباتية، كقاطرة للبحث وتطوير قطاع الفلاحة ضمن عجلة تنمية الاقتصاد الوطني”، حسب ما أورده بيان لرئاسة الجمهورية.

جدير بالذكر، أنه تم إحصاء 174 مزرعة نموذجية موزعة عبر التراب الوطني، تابعة لعدة مجمعات صناعية تحت الوصاية، حسب ما كشف عنه المدير العام لضبط العقار الفلاحي بوزارة الفلاحة والتنمية الريفية، وحيد تيفاني الذي كان قد أكد في تصريح سابق للإذاعة الوطنية، أن هذه المجمعات الصناعية تملك مزارع نموذجية، منها ما هي موجهة للإنتاج النباتي وللأعلاف وأخرى للإنتاج الحيواني، وظيفتها الأساسية تكمن في مواكبة حاجيات السوق والعمل على استقرار وفرة المواد لإحداث التوازن.

الصناعات الغذائية لامتصاص فائض الإنتاج

يُشكل قطاعُ الصناعاتِ الغذائية هو الآخر واحدًا من بين أهمِ وأبرزِ القطاعاتِ التي تلعبُ دورًا محوريًا وفعّالاً في مسارِ ترقية اقتصاد أيّ دولة، باعتبارهِ حلقةً هامّة في سلسلة تحقيق الاكتفاء الذاتي وضمان الأمن الغذائي الذي بات في وقتنا الراهن، التحدّي رقم واحد في خارطة الدول الرامية إلى تعزيز سيادتها الغذائية من جهة، وتحقيق تنميةٍ اقتصادية واعدة من جهةٍ أُخرى.

وفي هذا الإطار، تُراهن الدولة الجزائرية الغنيةُ بثرواتها الزراعية، على ترقية الاستثمارِ في قطاع الصناعات الغذائية التحويلية، بالنظر إلى الأهمية البالغة التي تكتسيها هذه الشعبة الإستراتيجية في حلقة الاقتصاد، سواءً تعلق الأمر بخلق قيمةٍ مضافة وتحقيق الأمن الغذائي أو من خلال توفير مناصب شغل جديدة وامتصاص البِطالة، وبالتالي فهي “أداةٌ هامة” في مسارِ تحقيق التنمية الاقتصادية الوطنية.

ويرتبطُ تطويرُ قطاعِ الصناعات الغذائية في بلادنا، بشكلٍ مباشر بتنمية وتطوير القطاع الفلاحي والحيواني كونه المصدر الأساسي للمواد الأولية التي ترتكز عليها هذه الصناعات، فضلاً عن ترابطها مع فروع صناعية مهمة أخرى، على غرار صناعة العبوات الورقية، البلاستيكية والزجاجية ورقائق الألمنيوم ومواد التغليف بمختلف أنواعها، وكذلك قطاعات النقل والمواصلات وغيرها.

وفي هذا الشأن، يرى رئيس الغرفة الفلاحية لولاية الجزائر، «إبراهيم جرايبية»، أن الصناعات الغذائية تُساهم وبشكلٍ ملموس في تخفيف العبء عن الفلاحين وتجنيبهم تكبد خسائر فادحة خلال المواسم التي تشهد وفرةً في الإنتاج قد تدفعهم أحيانًا إلى إتلاف الفائض عند العجز عن ترويجه أو عندما يرفض كبار التجار قبول إنتاجهم، في حين يُشكل هذا النوع من الصناعات التحويلية حلقةً هامة في سلسلة تحقيق التنمية الاقتصادية من خلال المساهمة في تقليص فاتورة الاستيراد، وهي واحدة من بين أبرز وأهم مساعي الدولة الجزائرية.

وقال جرايبية في تصريح لـ«الأيام نيوز»: “نحن كمهنيين نُلح في كل مرة على ترقية هذا النوع من الصناعات التحويلية والنهوض بهذا القطاع الحيوي، بالموازاة مع الديناميكية التي يشهدها القطاع، والعمل الجاد على تطوير شعبة الحمضيات من خلال الدعم الذي قدمته الدولة للمستثمرين الفلاحيين، إذ تمكنت بلادنا من تحقيق الاكتفاء الذاتي في هذه الشعبة التي تعتبر من بين الزراعات الهامة سواءً من حيث النوعية أو الكمية، إضافةً إلى دعم أنواع أخرى من الأشجار المثمرة، زد على ذلك دعم الصناعات الاستراتيجية على غرار السكر والزيوت وغيرها”.

في السياق ذاته، أشار المتحدث، إلى أهمية وضرورة العمل بجدية أكثر على وضع إستراتيجية شاملة حول أقطاب الإنتاج، واستحداث وحدات للتحويل بهذه الأقطاب، خاصةً وأن الصناعات التحويلية تتصدر الشعب الفلاحية المساهمة في خلق مناصب عمل جديدة، وبالتالي الرفع من نسبة مساهمة قطاع الفلاحة في ترقية الاقتصاد الوطني وتشجيع المنتجين على توسيع مساحات الإنتاج عبر مختلف مناطق الوطن.

يُذكر، أن صادرات الجزائر من المنتجات الغذائية بلغت 500 مليون دولار خلال سنة 2022، ضمن رقم تسعى السلطات إلى مضاعفته من خلال تشجيع الاستثمار في مجال الصناعات الغذائية التحويلية.

وبتاريخ 22 فيفري الماضي، كشف الأمين العام لوزارة الصناعة خلال إشرافه حينها، على افتتاح الصالون الدولي للأغذية والتغليف بقصر المؤتمرات بالعاصمة، أن وزارة الصناعة سجلت إيداع 500 مشروع استثماري في مجال الصناعات التحويلية وهي تنتظر الحصول على عقار صناعي لإقامتها.

وأضاف أن الوزارة ـ بفضل التسهيلات الجبائية والبنكية التي أقرتها الدولة في مجال تحفيز المستثمرين ـ تتلقى يوميا ملفات حاملي مشاريع يطالبون بمنحهم عقارا صناعيا، وتوقّع المسؤول تضاعف هذا الرقم إلى ألف ملف مع نهاية السنة، ضمن مشاريع من شأنها استحداث 400 ألف منصب شغل في غضون العامين القادمين.

إجراءات استباقية

إن الحديث عن تحقيق الأمن الغذائي يقودنا وبشكل مباشر إلى الحديث عن الأمن المائي باعتبار أن العنصرين وجهان لعملة واحدة، ويرتبطان ارتباطًا وثيقًا بعضهما ببعض، ففي ظل تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وما سبّبته من تغيرات مناخية مسّت كل مناطق العالم، تواصل السلطات الجزائرية البحث عن الخطط العملية الممكنة التي تضمن ـ على المستوى الراهن ـ أقصى حدّ من الأمن المائي لتفادي شبح الجفاف، وتفتح المجال ـ على مستوى التطلع ـ لوضع استراتيجيات كفيلةٍ بتوفير المياه الصالحة للشرب أو الموجهة إلى الريّ الفلاحي.

وفي هذا الصدد، تم اتخاذ جملةٍ من الإجراءات الاستباقية، الرامية إلى الحفاظ على هذه المادة الحيوية، بدايةً باستحداث وزارة للري من خلال التعديل الحكومي الذي أجراه الرئيس تبون في مارس الماضي، وذلك من أجل وضع القطاع على السكة الصحيحة وإعطائه دفعًا جديدًا يسمح بالتصدي لمختلف التحديات التي قد تعرقل مسار تحقيق الأمن المائي في بلادنا، إذ تم وضع الوكالة الوطنية لتحلية مياه البحر تحت وصاية وزارة الري بموجب المرسوم التنفيذي رقم 23-103 الموقع في مارس الماضي من طرف الوزير الأول، وهو القرار الذي وصفه مختصون في المجال بالقرار “الحكيم”.

كما تم استحداث قوانين وتشريعات تنص على حماية المياه الجوفية التي تتوفر عليها الجزائر، ومراقبة نظام استغلالها بهدف الحدّ من الاستهلاك العشوائي، إذ لجأت وزارة البيئة إلى تفعيل القوانين المتعلقة بحماية المحيط في إطار التنمية المستدامة ومراقبة نظام استغلال المياه الجوفية، وتشديد شروط منح التراخيص وتقييد استغلالها، علاوةً على تغليظ العقوبة ضدّ أعمال الحفر غير المرخّصة.

وكان رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون قد أمر خلال ترأسه ـ  بتاريخ 16 أفريل الماضي ـ اجتماعا لمجلس الوزراء، بإنشاء مخطّط يهدف إلى سنّ سياسة جديدة لاقتصاد المياه وطنيا، والحفاظ على الثروة المائية الجوفية، واعتماده كمخطط استراتيجي، على اعتبار أن تكنولوجيات التحكّم في محطّات تحلية مياه البحر أصبحت جزائرية خالصة.

وشددّ الرئيس، على ضرورة تعميم المحطات عبر كامل الشريط الساحلي (1200 كيلومتر)، كما أكدّ على ضرورة ضمان توزيع المياه باستمرار وبحكمة أمام حالة تذبذب التساقط السائد وطنيا ودوليا، بالإضافة إلى مراجعة مخططات تسيير توزيع المياه، بما يوافق نظام التوزيع العادل للماء الشروب بين الأحياء، وضمن رزنامة معقولة، في إطار انتهاج سياسة جديدة لاقتصاد المياه بالجزائر، ومواجهة شبح الجفاف ومكافحة ندرة الموارد المائية.

كما تم تفعيل مخطط استعجالي من أجل تحريك كل المشاريع المتوقّفة لمحطات تصفية المياه المستعملة عبر كافة الولايات الجنوبية قصد استخدامها في مجال الزراعة الفلاحية بدل المياه الجوفية، دون نسيان أهمية وضع أبحاث ودراسات تحدّد بدقة وضعية المياه الجوفية.

19 محطة لتحلية مياه البحر في آفاق 2024

وفي هذا الإطار، كشف مدير التطوير بالشركة الجزائرية للطاقة فرع مجمع سوناطراك، سفيان زعميش، عن رفع عدد محطات تحلية مياه البحر إلى 19 محطة في آفاق 2024، كما أوضح المسؤول في تصريح سابق للإذاعة الوطنية، أنّه برسم البرنامج الأول جرى إنجاز 11 محطة تحلية على الشريط الساحلي، بقدرة إنتاجية تبلغ 2.11 مليون متر مكعب يوميًا.

وفي إطار المخطط الاستعجالي، جرى إنجاز 3 محطات تحلية بقدرة إنتاجية تبلغ 70 ألف متر مكعب يوميًا، لتعزيز الإنتاج بثمانين ألف متر مكعب إضافية، كما أفاد المتحدث أنّه يجري إنجاز 5 محطات إضافية في ولايات الطارف وبجاية وبومرداس وتيبازة ووهران، ما سيضمن إنتاج 1.5 مليون متر مكعب يوميًا في آفاق 2024.

وفي هذا السياق، أكد وزير الري، طه دربال، في تصريح صحفي، بتاريخ 07 أكتوبر الجاري، بأن تسليم مشاريع ربط خمس محطات تحلية مياه البحر عبر الوطن بشبكات جر وتوزيع المياه المحلاة، سيتزامن مع دخول هذه المحطات حيز الخدمة في ديسمبر 2024.

ويُقدر مخزون الجزائر من المياه الجوفية بحوالي 5 مليارات متر مكعب تقع كلها في جنوب البلاد، أما الموارد المتجددة فتقدر بـ11.4 مليار متر مكعب من المياه السطحية و3 مليارات متر مكعب من المياه الجوفية، وفي الإجمال تقدر ثروة البلاد من المياه بـ19.4 مليار متر مكعب في السنة تعادل 500 متر مكعب للنسمة في السنة.

استعمال المياه المعالجة في الزراعة

خلال ترؤسه اجتماعا لمجلس الوزراء بتاريخ 02 جويلية الماضي، أمر رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بالتحضير لمخطط “محكم وواضح” يسمح باستعمال مياه محطات التصفية في الري الفلاحي وفي الصناعة، وفق ما أورده بيان اجتماع مجلس الوزراء.

ودعا الرئيس تبون، إلى مراعاة عدد من المؤشرات ضمن المخطط بينها “تحديد دقيق لنسبة المياه المسترجعة وفق عمليات التصفية، وتحديد الاحتياجات وطنيا” و”إحصاء تقني لكل محطات التصفية المعطلة والتي هي في الخدمة عبر كل بلدية وولاية، بهدف تحديد قدرات الإنتاج”.

كما دعا إلى “تسجيل الاحتياجات اللازمة لتطوير المكننة الخاصة بهذا القطاع، ضمن برنامج الحكومة، مع إعطاء الأولوية للولايات التي لا تُعالج فيها المياه المستعملة، لاستخدامها في المجال الفلاحي مباشرة بدل اللجوء إلى المياه الجوفية، المصنفة في الاحتياط الاستراتيجي”، هذا، بالإضافة إلى تحديد نسبة 40 بالمائة من المياه المسترجعة كهدف على المدى القريب، لاستخدامها في الري الفلاحي وفي قطاع الصناعة.

وفي هذا الصدد، يرى الخبير الدولي في المياه والري، البروفيسور مكي مساهل، أن إستراتيجية استخدام مياه محطات التصفية في أنشطة الري الفلاحي، تكتسي أهمية بالغة في مسار توفير الموارد المائية في ظل التغيرات والتقلبات المناخية التي تشهدها الجزائر على غرار عددٍ من بلدان العالم، والتي أثّرت ـ بشكلٍ لافت ـ على حجم الموارد المائية التي تزخر بها بلادنا.

وأوضح البروفيسور مساهل في تصريح لـ«الأيام نيوز»، أن هناك عددًا من الدول التي تعتمد على استخدام المياه المصفاة في عمليات السقي والري الفلاحي، وهذا ما تتجه إليه الحكومة الجزائرية وتعمل على تجسيده من خلال قراراتها الأخيرة، إلا أن ذلك يجب أن يرتبط بإعادة تأهيل محطات التصفية الحالية بالنظر إلى أن مجملها هي عبارة عن محطات تصفية أولية موجهة للحفاظ على البيئة تفاديا لتلويث مياه البحر أو المحيط العمراني والفلاحي لا أكثر.

وفي هذا السياق، أبرز المتحدث أن استخدام المياه المصفاة في مجال الري الفلاحي، يجب أن يكون وفق معايير محددة، وشروط معينة، مع ضرورة إجراء دراسة وأبحاث عميقة للتأكد من أن التصفية الأولية لهذه المياه تفرز النوعية المطلوبة في السقي، مشيرًا إلى أن استغلال المياه المستعملة في السقي الفلاحي يتطلب بالضرورة تزويد المحطات الحالية بتقنيات حديثة تضمن صلاحية هذه المياه للسقي من خلال إدخال التصفية الثلاثية التي تضمن إعادة استعمالها في كل أنواع الزراعة.

وتابع قائلا: “في الوقت الحالي يتم استغلال نحو 10 بالمائة فقط من المياه المصفاة، في حين لو تم التركيز على القيام بدراسات جادة في هذا المجال، وبتأطير من طرف وزارة الري من خلال تسطير برنامج حقيقي، يُمكن وبشكل فعلي إعادة تأهيل هذه المحطات من خلال إدخال المعالجة الثنائية والثلاثية ومن ثم الوصول إلى استخدام نحو 70 بالمائة من المياه المسترجعة الأمر الذي سيسهم في التخفيف من حدة أزمة السقي الفلاحي الذي يستنزف المياه الجوفية والسدود”.

وفي ختام حديثه لـ«الأيام نيوز»، جدّد الخبير الدولي في المياه والري، البروفيسور مكي مساهل، تأكيده على أن استخدام المياه المسترجعة في مجال السقي الفلاحي يجب أن يتم وفق معايير وشروط محددة تفاديا لأي خلل يمكن أن يؤدي إلى تسميم التربة ومن ثم تميم المنتوجات الفلاحية.

وتُركز الحكومة على استراتيجية إعادة استخدام مياه محطات التصفية في الأغراض الزراعية كحلٍ وخِيارٍ استراتيجي كفيلٍ بالتخفيف من حِدّة نُقص الموارد المائية، وتوفير مصادر مائية إضافيةٍ ومستدامة لقطاع الزراعة وتخفيف الضغط على طاقة المياه الجوفية والمياه السطحية المتأثرة أساسًا بشح الأمطار.

جدير بالذكر، أن استخدام المياه المستعملة المصفاة في الفلاحة، سيسمح بتوفير 1.2 مليار متر مكعب من المياه في غضون 2030، وذلك من خلال توجّه قطاع الري إلى تطوير استعمال المياه التي تنتجها محطات تصفية المياه المستعملة بتقنيات حديثة، مع إدخال التصفية الثلاثية التي تضمن إعادة استعمالها في كل أنواع الزراعة، وتعميمها على المحيطات والمساحات الموجودة بمحاذاة هذه المحطات في كل مناطق البلاد.

سهام سعدية سوماتي - الجزائر

سهام سعدية سوماتي - الجزائر

اقرأ أيضا