الدكتور “موریس بوکاي” يكتب من الجزائر.. نظرات في التوراة والقرآن والعلم (الجزء الثاني)

من أين ينبع الحقد التاريخي للغرب “الرّسمي” على الإسلام، ولماذا سعى ويسعى إلى تشويهه، وتشويه صورة الإنسان المُسلم في عيون المجتمعات الغربية؟ عندما نقرأ كتاب “التوراة والإنجيل والقرآن والعلم”، للكاتب الفرنسي الدكتور “موريس بوكاي” (1920 – 1998)، نُدرك بأنّ الغرب لا يحقد على المسلمين – العرب خاصة – فحسب، بل هو يخاف منهم، لأنّ “عودتهم” إلى الإسلام “الصحيح” ستفتح منافذ كبرى أمام المجتمعات الغربيّة لتُدرك بأنّ الكتب المُقدّسة التي تعتنقها والتي قامت على أساسها الحروب والمآسي.. هي كُتُبٌ مُحرّفة لا يقبلها العقل الصحيح، وتتنافى مع العلم ومعارفه. بمعنى أنّ تلك المجتمعات قد جرى تضليلها على امتداد قرون، ثمّ أنّ غرَقها في الحضارة الماديّة هو نتيجة لذلك التضليل!

يُمكن اعتبار الدكتور “موريس بوكاي” أنموذجًا للإنسان الغربي الذي استطاع أن يكشف التضليل الذي كان واقعا فيه، فاهتدى إلى الإسلام واعتنقه عن قناعة ويقين، وأقام مقارنات بين القرآن الكريم والتوراة والإنجيل، وخلص إلى نتائج نشرها في مجموعة من كُتبه التي لم يتقبّلها الغرب “الرّسمي”..

في عام 1976، نشر الدكتور “موريس بوكاي” كتابه: “التوراة والإنجيل والقرآن والعلم” – قد يجد القارئ الكتاب بعناوين أخرى – وقد تُرجم إلى حوالي عشرين لغة، وقد ألقى “بوكاي” مُحاضرة في الجزائر، تدور فكرتها حول موضوع كتابه، وقامت مجلة “الأصالة” الجزائرية بنشر المُحاضرة في أكتوبر 1978، وتعيد جريدة “الأيام نيوز” نشرها فيما يلي..

نصوص إنجيلية مكتوبة للمناسبة أو للنضال

إنّ جميع هذه التناقضات تجد تفسيرها في البحوث العصرية التي أجراها الخبراء المسيحيون السابق ذكرهم، والذين بيّنوا بأنّ صياغات متتالية لنصوص إنجيلية قد لُفِّقت انطلاقا من روايات سمعيّة عن “عيسى”، كانت ذائعة لدى الجماعات المسيحية الأولية، وأنّ ذلك كله أفضى إلى الأناجيل الحالية. هكذا يقوم الدليل القاطع على تلاعب الرجال بالمعلومات الأولية بهدف إنتاج نصوص مكتوبة يصفها سماحة الأب “كانجيسر”، الأستاذ بمعهد باريس الكاثوليكي، بأنها “نصوص مكتوبة للمناسبة أو للنضال”، لأنّها كانت نتيجة الصراعات بين جماعات متنافسة تسعى كل واحدة إلى إنفاذ نظراتها الخاصة.

وعلى صعيد العقيدة ذاتها، ماذا نقول اليوم عن أعمال كتلك التي قام بها اللاهوتيون البريطانيون السبعة، بمن فيهم رئيس لجنة مذهب كنيسة إنكلترا، والذين نشروا نتائج أعمالهم سنة 1977 تحت عنوان “وهم الإله المُجسّم”، وهو عبارة عن منازعة حقيقية لفكرة التثليث؟

المعارف العصرية تهدم المُسلّمات الدينية الغربيّة

أمّا “العهد القديم” الذي يمكن لقصصه أن تكون متناقضة كقصص: الخلق والطوفان، أو يمكن ألّا تتفق تماما مع المعلومات الحديثة عن تكوّن العالم، أو مع معطيات التاريخ، فكيف نأخذ بحرفِيَّتها طالما أنَّ تلاعب الناس بنصوصها، خلال العصور، بات أمرًا واضحا للغاية. وهكذا فقد أدَّت المعارف العصرية والمتنوعة والمُطبَّقة على دراسة النصوص بالأفكار الموضوعية إلى عدم منح “التوراة” تلك الأصالة التي كانت تُضفى عليها، ودون برهان أو دليل، في القرون الماضية.

وعلى ذلك يمكن القول أنّ المعارف العصرية والاستعانة في دراسة “التوراة” بالمعطيات المفيدة لهذا البحث أدّت، في الغرب، إلى تغيير المفاهيم التي كانت إلى ذلك الحين، مفاهيم تقليدية ومُسلَّمًا بها دون مناقشة. ولقد كانت النتائج المترتبة على ذلك نتائج معتبرة.

وكل شيء يحمل على الاعتقاد بأنه لا يمكن الخروج من القلق الحالي في الغرب عن طريق صيغ تقريظية ليست كفيلة بإزالته أبدا، حين تكون هذه الصِّيَغ مُوجّهة إلى عقول تفكِّر كعقول الشباب المتعلم في عصرنا هذا.

والانتقال من التشكيك في أصالة مجموع الكتب اليهودية المسيحية بواسطة معلومات عصرية إلى رفض الإيمان بالله، هو ما يفعله – لسوء الحظ – كثير من العقول المضطربة بفعل هذه الاكتشافات، والتي تجهل أو لا تريد الاعتراف بأنّ وحي الله لا يقف عند حدّ “عيسى”. وهم إذ يرفضون اعتبار ما يمكن أن يقدِّمه لهم الإسلام، يصلون إلى الاعتقاد بأنّ المعارف الدنيوية تقدِّم المفتاح لجميع المشاكل، وأنّ العلم القوي جدًّا قد سبق نهائيًّا كل إيمان بالله.

التوافق بين الدين والعلم في القرآن

وقبل أن أعرف، بزمن طويل، ما يمكن أن تقودني إليه أيّ دراسة للإسلام إلى الاكتشاف فيما بعد، كنتُ دائم الاعتقاد بأنّ المعرفة العلمية كانت – مهما قيل فيها – كفيلة جدا بأن تعود إلى التفكير في وجود الله.

وفعلا، فنحن إذا تساءلنا دون أيّ تحزُّبٍ أو فكرة مسبقة عن التعاليم الميتافيزيقية المترتِّبة على بعض معارف عصرنا كمعرفة الجزء الذي لا يتجزّأ (متناهي الصِّغر) أو مشكلة الحياة، فإنّنا سنجد كثيرا من الأسباب التي تدفعنا إلى تركيز التفكير في هذا الاتجاه.

وحين نأخذ بعين الاعتبار ذلك التنظيم العجيب الذي يقف وراء نشوء الحياة وبقائها، أفلا يبدو عامل الصدفة كما لو كان أقل احتمالا أكثر فأكثر؟ ألا يؤيِّد التعقّد البالغ للكائنات العليا وجودَ تنظيم مُحكم جدا يقف وراء هذا الترتيب العجيب لظواهر الحياة؟ لقد وجدتُ هذا التوافق بين الدين والعلم في تفكيرٍ يقوم أساسا على معطيات مادية، لقد وجدتها، والحمد لله، يوم أن شرعتُ في دراسة القرآن، وبحثتُ طويلا، ووجدتُ في قراءته تجسيدا جديدا لهذا التوافق بين الدين والعلم ذلك التوافق الذي كان يمكن لدراسة النصوص “التوراتية” من حيث المنطق أن تصرفني عنه.

تاريخ العلوم يؤيّد القرآن الكريم

ولنقل من الآن بأنّ الدراسات الموضوعية لنص قرآني على ضوء المعارف العصرية، أي تطبيق مكتسبات العلم على دراسة الكتاب المقدس، “قد جعلتني أكتشف كلاما يتعلّق بظواهر طبيعية عديدة لا يمكن أن ننسبها إلى إنسان نظرًا لما نعرفه عن تاريخ العلوم”. ولقد تجلّى لي أنّ مكتسبات العلم ضرورية لفهم كثير من الآيات، وأنّ دراسة القرآن على ضوء المعارف العصرية تقود من جهة أخرى إلى اكتشاف كلام قرآني سابق لزمانه بما يزيد عن ألف سنة.

إنّ ما نعرفه عن تاريخ العلوم ليجعل من المستحيل أن يكون إنسان ما قبل نحو من أربعة عشر قرنا هو قائله، وحيث أنَّ القرآن يضع أمام تفكيرنا تأكيدات تمثِّل تحديًّا للتفسير البشري، فإنّه يبدو أن كل تناقض بين الدين والعلم قد أبطله هو بالذات.

وكيف نعجب لوجود مثل هذا الكلام القرآني، حيث نتأمّل هذا الحديث النبوي: “أطلب العلم من المهد إلى اللحد”، أو هذا الحديث النبوي الآخر: “أطلب العلم ولو في الصين”. بهذا نفسِّر دون صعوبة ذلك التقدم العلمي العجيب الذي شهده العالم الإسلامي فيما بين القرن الثامن والقرن الثاني عشر الميلادي، بينما لم نكن نجد لدى البلدان المسيحية سوى التقليد المطلق مع المدرسة اللاهوتية السائدة، وركود المعرفة. وفي عهد “قرطبة” الزاهر، كان الناس من مختلف بلدان أوروبا يَؤمّون جامعتها الشهيرة للتزوّد من العلوم العربية والإغريقية والهندية والفارسية.

إبطال الفرضية الغربيّة حول القرآن

إنّ الوقت المسموح به – وقت المحاضرة – لا يمكِّنني من التوسّع فى هذه المقابلة بين القرآن والعلم بالقدر الذي يتطلّبه الموضوع، لذلك أحيلكم على كتابي لمزيد من التفاصيل، وإنّما سألحّ فقط على بعض النقاط الخاصة.

أرجو أن أكون قد بيَّنتُ بما وصفته في البداية كيفية نزول النص القرآني، وكيفية جمعه وتبليغه، وبما ذكرته من وجود محفوظات قديمة للكتاب، أنّ النص الموجود اليوم بين أيدينا هو عينه الذي كان متداولا في فجر الاسلام. فهذا اليقين شرط أساسي لصحة المقابلة بين نص القرآن والمعارف العصرية.

هناك عنصر هام يكمن في المقارنة بين نصوص القرآن ونصوص التوراة فيما يتعلّق بالخلق على ضوء التصوّرات العامة الحديثة عن خلق الكون وتصوّره، فنحن لا نجد في القرآن ما نجده في التوراة من أخطاء، وهي ملاحظة تقضي نهائيا على الفرضيّة التي سبق أن أُيِّدت في الغرب – ودون أيّ حجة – والتي مفادها أنّ ما في القرآن يكون قد نقله إنسان ما من التوراة.

القرآن أعظم من كل تفسير بشري

ماذا يفيدنا القرآن عن خلق العالم؟ إنّ الكون – كما تسمح باعتقاده معلومات الفلك الحديث – قد تكوَّن من كتلة أوليّة وحيدة، هي السَّديمِيَّة الابتدائية التي تجزَّأت بعد ذلك. والقرآن يروي لنا ذلك بدقّة، كما يحدِّثنا عن التطوّر الموازي للسماوات وللأرض، وعن تعدّد السماوات والأراضي، أي وجود عوالم مُتعدِّدة من الأراضي شبيهة بكوكبنا، وهو ما يعتبره الفلكيون المحدثون أمرا محتملا جدا خارج النظام الشمسي.

ألم تتأكّد مفاهيم علم الفلك، ومحتوى السماوات، والنجوم والكواكب السيّارة، وحركات الأجرام السماوية، والتوضيحات الدقيقة بشأن الليل والنهار اللذين يتبع أحدهما الآخر في حركة تذكِّرنا بالعمامة المُكوَّرة حول الرأس، كما يفيده فعل “كوّر” عن غزو الفضاء في عصرنا هذا، وفي عصرنا هذا فقط؟

لقد خصَّصتُ في كتابي عدّة فصول للمعلومات التي يفيدنا بها القرآن عن الأرض، ولا سيما عن دورة الماء في الطبيعة، وتكون التعاريج، وعن مفاهيم تهمّ العلوم الطبيعية، والفيزيولوجيا، وتوالد البشر. وكل هذه الآيات تفرض القول على كل إنسان موضوعي صادق النيّة، أنه يستحيل على إنسان كان يعيش في العصر الذي نزل فيه القرآن، أن يُعبّر بمثل هذا الكلام من تلقاء نفسه.

وقد علَّقتُ أهميةً كبرى على هذه الوقائع إلى درجة أنّي قدّمتها في نوفمبر 1976 في أكاديمية الطب الوطنية بباريس، مُلِحًّا على أنه بناء على ما نعرفه عن تاريخ العلوم، لا يوجد تفسير بشرى لوجود مثل هذه التأكيدات في القرآن.

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا