العمق الإستراتيجي المؤجّل لدعم الحق الفلسطيني.. هل تنجح الجالية الجزائرية بالخارج في تحقيق معادلة الشارع مقابل الشارع؟

بعد عملية “طوفان الأقصى” المزلزلة لأركان الخرافة الصهيونية التي لا تقهر – كما ظل يروّج لذلك الأذلة المهرولون والسفلة المطبعون -، تعرّت بشاعة العالم الغربي وظهر وجهه قبيحا مفزعا من دون مساحيق، فلا حرية ولا عدالة ولا حقوق.. وإنما هو الصلف والطغيان والانحياز لكيان إرهابي مصطنع، بصورة مقرفة تجاوزت الحدود العقلانية والمنطقية، واستخفاف مبتذل بالقيم والمبادئ الإنسانية السامية، التي طالما تغنّت بها الدوائر الإعلامية والدعائية الغربية، واستعملتها أنظمتها المتغطرسة ذريعة لابتزاز الدول و”هرسلتها”.

فجأة، ذاب الثلج وبان المرج، وظهرت الحقيقة المرة شاخصة للعيان، فقبل اليوم لم يكن أحد يتصور بأن يصل الحد بالأنظمة الغربية “الليبيرالية” إلى طرد لاعب كرة “أعزل”، بسبب تغريدة عارضة أو منشور عابر عبر وسائط التواصل الاجتماعي، أو أن يبلغ المستوى بهم حدود المطالبة بتجريد رياضي آخر من جنسيته، وسحب ألقابه الرياضية وجوائزه الشخصية كانتقام عنصري منه، لمؤازرته أطفال القصف الصهيوني في غزة وفلسطين، عن طريق الشبكة التواصلية لا أكثر.

هكذا بدا المشهد في عواصم الدول الغربية، وفي فرنسا على وجه الخصوص، متشنجا، متعصبا للموقف الرسمي المتصهين بامتياز كبير.. فباريس بلد الجن والملائكة، وعاصمة الاناقة والشياكة والعطور الفاخرة، وقبلة الفكر والأدب والفلسفة النيرة.. تتنازل فجأة هكذا، عن كل هذه الأبهة والفخامة الراقية، وتنجر ذليلة لترتمي في أحضان عصابة مارقة فاسقة قاتلة، تدللها وتدنيها وتدافع عنها وتحميها.. فما السرّ الذي يتخفى وراء كل هذا الميل والدعم والسند؟

إنها هيمنة اللوبيهات اليهودية الفاعلة والمتخندقة في دواليب الأنظمة الحاكمة، بالمال والرجال والفعال، حيث لا تترك شيئا للصدفة ولا للمباغتة، رغم انحراف قضيتها وفساد عقيدتها وخبث طباعها وسوء أخلاقها.. على عكس الجاليات العربية والإسلامية في فرنسا، والتي ما تزال مشتتة الشمل متفرقة الجمع لا تلمّها سوى الأعياد والمناسبات الدينية، وبالخصوص الجالية الجزائرية النافذة في عمق الهيكل الاجتماعي الفرنسي، إلا أنها لم تدرك بعد ثقل ميزانها، ولا مَكمَنَ قوتها، ولا مستوى ذكائها، على الأقل من باب جس النبض وتحسس الميدان، ولو عن طريق تنظيمات اجتماعية أو جمعيات متخصصة أو نوادي ثقافية للتبادل والتعارف.

قد تبدو مسألة الهيكلة والتنظيم معقدة وصعبة المنال بالنسبة إلى الجاليات الأخرى، ولكنها بالنسبة إلى الجزائريين سهلة التحقيق ممكنة الإنجاز، وذلك بالنظر إلى رصيدها التاريخي الذي تفتقر إليه بقية الجنسيات. فبالأمس القريب، إبان ثورة التحرير العظمى، كانت جبهة التحرير الوطني قد نقلت المعركة إلى قلب باريس وبقية المدن الفرنسية، من خلال فدرالية الجزائريين بفرنسا، أو الولاية التاريخية السابعة، لضرب العدو في عمقه بكل شجاعة وإقدام، وما تاريخ السابع عشر أكتوبر عام واحد وستين تسعمائة وألف، إلا أدلّ دليل على قدرة الجزائريين وقابليتهم على الانتظام داخل هيكل جامع شامل، لكل الشرائح والفئات، واستعدادهم المطلق لبذل ما أمكن لرص الصفوف وجمع الشتات.

ولذلك، بات من الأهمية بمكان تمتين العلاقة وشد الروابط مع شريحة المغتربين وأبناء المهجر، وتمكينهم من لعب دورهم الوطني في تحصين سيادة البلد ودعم قدراته ومقدراته المادية والمعنوية، فهم في الحقيقة رأسمال لا يفنى وجسر تواصل لا يبلى، يزداد مع كل يوم جلالا ويكبر، ويكبر معه حب الانتماء للأرض والدم والجذور.. لا بد من منحهم الفرصة كاملة من دون اقصاء ولا تهميش، ليجسدوا حلم “العودة” ولو فسحة وسياحة إلى أرض الوطن،بين الفينة والأخرى، وأن ينتظموا تحت قبة هيئة عليا تعنى بحل مشاكلهم الإدارية والاجتماعية، حتى يشعروا حقا بدفء الوطن وحنية البلد واهتمام السلطة القائمة بأمرهم.

على هذا النحو، يمكن تشكيل قوة أو قوى شعبية متعددة في أرض المنشأ، وداخل دواليب الأنظمة الحاكمة هناك، ولو بصورة خفية هناك. الكل يشهد للجزائر بقوة دبلوماسيتها سنوات الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، لكن قليل هم الذين يعرفون بأن الحركية الفعلية للدبلوماسية الجزائرية حينها كانت في الظل وبليل وفي الكواليس وبين الردهات.. كان للجزائر رجال ذوو نزعة ثورية لا تعجزهم المطبات ولا تثنيهم العقبات، من طينة مسعود زغار، شريف قلال، رشيد ثابتي، محمد بودية.. هذا الأخير الذي كان مثقفا من طراز راق، وقد تبنى القضايا العادلة في العالم، وعلى رأسها القضية الفلسطينية طبعا، وخاض في سبيلها المعارك الاستخباراتية الكبرى في أوروبا، وجند الكثير من الثوار اليساريين لخدمة القضية، وعلى رأسهم الثائر العالمي “إليتش راميراز سانشيز” المعروف باسمه الحركي “كارلوس”، والذي لقبته الأجهزة الأمنية الاستخباراتية بـ”كارلوس الثعلب” حتى صار المطلوب رقم واحد من قبل الدول الغربية..محمد بودية صاحب الثورتين والجهادين، ارتقى شهيدا على يد منظمة الموساد الصهيونية، وذلك عن طريق تفجير سيارته في باريس العام 1973م.. وقد قالت فيه المقبورة “غولدا مائير” رئيسة وزراء الكيان الصهيوني حينها؛ “أخيرا مات الرجل ذو الألف وجه”.

رشيد كازا، مستر هاري، أو مسعود زغار، هو ذاته العبقري الذي استطاع في ليلة واحدة تجنيب بلده الجزائر هجوما أمريكيا مدمرا، كان ذلك العام 1967م عقب النكسة التي دمرت خلالها القوات الصهيونية القدرات العسكرية المصرية وشلت حركتها، حيث دخلت الجزائر على الخط إلى صف مصر مدافعة بكل إمكاناتها ضد الكيان الصهيوني، وهو الموقف الذي اعتبرته الولايات المتحدة عدوانا صريحا على حليفتها الإستراتيجية في الشرق الأوسط، فحركت الأسطول السادس في حوض البحر المتوسط، وتوجيهه بقصف بعض المواقع العسكرية والحيوية الجزائرية، منها المرسى الكبير والأكاديمية العسكرية بشرشال والقاعدة الجوية ببوفاريك.. ولم يبزغ فجر اليوم الموعود، حتى صدرت القرارات من القيادة العليا بواشنطن إلى قيادة الأسطول، وأبلغته بإلغاء المهمة ومغادرة السواحل الجزائرية في الحين.

فعلا، فإن “مسعود زغار” لم يتمكن حينها من تجنيب الجزائر وتحييدها عن ضربة أمريكية وشيكة فحسب، وإنما تمكن من سحب اسمها من لائحة الدول المارقة بحسب تصنيف واشنطن، وذلك رغم قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

لقد شكل “زغار”، لوحده، “لوبي” جزائريا في قلب أمريكا وفوق سقفها، وتمكن من خلاله من حماية المصالح الإستراتيجية للبلد، حيث يشهد له التاريخ بأنه استطاع أن يهزم المخابرات الفرنسية لوحده، باستمالته دعم الأمريكيين وعلى أعلى مستوى؛ من البيت الأبيض إلى الخزانة الأمريكية، إلى الكونغرس والبنتاغون.. وقد تجلى ذلك بوضوح، يوم تمكنت الجزائر من كسر الحصار الذي ضربته فرنسا وأوروبا ظلما، على المحروقات الجزائرية غداة قرار التأميم الذي أصدره الرئيس بومدين العام 1971م.

على هذا النحو، كان لا بد للجاليات العربية أن تهيكل نفسها وتضبط أمورها، وتؤسس وحدة قوية تحصن وجودها وتحمي مصالحها، في عالم لا يرحم الفرقاء ولا الضعفاء ولا الأغبياء.. وفي هذا السياق، كان بعض العرب قد استبشروا خيرا بخبر بلغ مسامعهم من خلال الصحف الأمريكية، مفاده أن المحقق “روبرت مولر” الذي كان قد حقق في قضية تدخل الروس في الانتخابات الأمريكية، قد فتح تحقيقا جديدًا في إمكانية سعي دولة الإمارات العربية المتحدة، ودفعها أموال لشراء الذمم بهدف بسط نفوذها داخل الدوائر السياسيّة بالولايات المتحدة.

لم تدم البشرى طويلا، ليتأكد للجميع بأن المسمى “جورج نادر”، وهو رجل أعمال لبناني الأصل قد ساهم في تمويل الحملة الانتخابية للرئيس السابق “ترامب”.. هذا هو التدخل المقصود الذي لم يكن لخدمة القضايا المصيرية للأمة العربية وإنما لخدمة السياسة الأمريكية المتصهينة، لا أكثر.

لبنان، مصر، سورية، العراق، الأردن واليمن.. دول لها من الجاليات في الخارج ما يعادل كيانين بحجم الكيان الصهيوني، إلا أنها مغيبة الوعي مشتتة الفكر مفرقة الجمع، لأنها ورغم ابتعادها عن أرض الجذور والأصول، إلا أن ثأر القبيلة لا يزال يحكمها، وشنآن القوم وعصبية المذهب ونعرات الدم.. فالعربي بإمكانه التنازل عن كل شيء، إلا عن الثأر والإرث والعصبية.. ولذلك، لا يمكن هزم اللوبيهات الصهيونية في المرحلة الراهنة، أو على الأقل في المدى المنظور، حتى يهزم العربي تخاذله وتسيبه وإهماله.. وإلا فقبس الخلاص لا يزال خافت النور باهت اللون بائس الجذوة والاصطلاء.

مصطفى بن مرابط - الجزائر

مصطفى بن مرابط - الجزائر

كاتب في الأيام نيوز

اقرأ أيضا