الغزو الثقافي والفكري.. هل سقط العرب في الشبكة وأسلموا مصيرهم للعنكبوت؟

شغلت قضيةُ الغزو الثقافي الفكرَ العربي منذ خمسينيات القرن الماضي، وتجلّت بشكل واضح في مؤتمر الأدباء العرب الذي احتضنته “القاهرة” في شهر ديسمبر 1957، ووجّه فيه الرئيس المصري “جمال عبد الناصر” إلى “قادة الفكر” من الأدباء والمفكّرين والشعراء والمثقفين العرب، كلمةً جاء فيها: “إنّ التحرّر الفكري ضروري لنا في الحرب الباردة التي تُستخدم فيها كافة الأسلحة، وإنّ الأدب والفكر سلاحان أساسيان في هذه الحرب. وأنتم قادة الفكر عليكم واجب أساسي في توضيح الأمور، وفي إقامة أدب عربي مُتحرِّر، مُستقلٍّ خالٍ من السيطرة الأجنبية أو التّوجيه الأجنبي”.

اختلفت رؤى قادة الفكر العربي حول “الغزو الثقافي” في اصطلاحه ومفهومه ومظاهره.. فمنهم من رأى فيه استمراريّة للاستعمار الغربي المادّي، واعتبره استعمارا معنويًّا لتغريب المجتمعات العربيّة عن أصالتها، والانحراف بها إلى نُظم اجتماعية وثقافية تتصادم مع الطبيعة “الروحانيّة” للإنسان العربي عموما. ومنهم من رأى فيه أداةً لهدم الدين الإسلامي بأيدي العرب المسلمين أنفسهم، فقد جاء في كتاب “العالم العربي اليوم” لصاحبه، أستاذ متخصِّص في الشرق الأدنى بجامعة برانستون الأمريكية، “موروبيرجر”، قوله: “لقد ثبت تاريخيًّا أنّ قوة العرب تعني قوة الإسلام، والشي نفسه يُمكن أن يتكرّر حيث يُحرز الإسلام انتصارات واسعة في إفريقيا”.

ورغم غزارة ما كتبه قادة الفكر العربي حول الغزو الثقافي فإنهم في الغالب بقوا أسرى في دائرة التّشخيص ولم يوحّدوا جهودهم في “تركيب العلاج”، ومن المؤسف أنّ جهودهم الكبيرة لا نرى لها تأثيرًا في الرّاهن العربي، لا سيما بعد انتشار الأنترنت.. ولعلّ المعنى الآخر لنظرية المفكّر الجزائري “مالك بن نبي” حول “القابلية للاستعمار” يُمكن فهمها في سياق هذا العصر الرقمي، فهي تعني افتقاد الحصانة الروحيّة لمواجهة الاستعمار “الثقافي والفكري” الذي صارت الأجيال العربية الشابة تنجذب إلى مختلف أشكاله التي ظاهرها فيه: الإنسانيّة والحرية والرّفاهية، وباطنها من قِبله العذاب.. عذاب الانفصال عن الأصالة والجذور واللغة والدين، ومن يدري كيف سيكون واقع الحال بعد عقدٍ من الزّمن!

لم يكن “الغزو الثقافي” مقتصرا على البلدان العربية فحسب، بل كان يعني أيّ دولة تقع فريسة للاستعمار أو الغزو الغربي، ومن المُجدي أن نتذكّر نداء الفيلسوف “فيخته” إلى أمّته الألمانية التي أصيبت بانهيار معنوي إثر اجتياح جيوش “نابليون” لأراضيها، حيث ركّز “فيخته” في ندائه على مجابهة الغزو الثقافي الفرنسي لأمّته الألمانية من خلال التركيز على اللغة والدين وحب الوطن والتربية والتعليم.. قال في خطاب من “خطابات إلى الأمة الألمانية”: “ونحن الألمان، كيف كنّا سنصبح تحت حكم الرُّومان الذين كانوا يزحفون لاحتلال أرضنا، ومحو لغتنا، والقضاء على ثقافتنا، لولا حبّ الوطن هذا، ولولا رغبة الخلود لدى أسلافنا، ولولا كفاحهم الطويل المرير؟”. وأضاف قائلا: “لقد حاول الرومان أن يغدقوا علينا نِعمهم كلها، التي كانت تتمثّل في الألقاب، وفي ثقافتهم، ولغتهم، وعاداتهم، مع العبودية، لتعويضنا بذلك كله عن حريتنا وثقافتنا، ولغتنا، وعاداتنا”.

لقد زعمنا بأنّ قضية الغزو الثقافي والفكري شغلت الفكرَ العربي منذ خمسينيات القرن الماضي، ولكنها اشتّدت عند مرحلة غرغرة القرن العشرين، وتحوّلت النقاشات إلى ما يُشبه الهيستيريا.. وكانت من القضايا التي أسالت كثيرا من الحبر، رغم أنّه كان في الإمكان – خلال تلك الفترة – التحكّم في الكتب التي تدخل البلدان العربيّة وتُسوّق في مكتباتها، وكانت الإنترنت في بداياتها وغير منتشرة في كل بيت كما هو الحال اليوم، بل كانت الفضائيات قليلة وضعيفة التأثير..

ومن أجل معرفة “مصير” تلك الهيستيريا، وهل شُفي منها العقل العربي! توجّهت جريدة “الأيام نيوز” إلى نخبة من الأدباء العرب بهذه التساؤلات: ماذا عن قضية الغزو الثقافي والفكري الآن؟ هل تمّ غزو العقل العربي ووجدانه، أم أنّ القضية كانت مجرّد وهمٍ في نهايات القرن الماضي؟ وما دور الأديب العربي في تحصين الذات الفردية والمجتمعية العربيّة، وهل ما زال يمتلك قوّة التأثير للقيام بذلك؟ لنترك القارئ مع آراء ورؤى أدبائنا العرب، ورجاؤنا أن يكون له هو الآخر رأي ورؤية في هذه القضية المصيريّة للأمة العربية.

من الغزو إلى “الاستغزاء”..

حقيقة الغزو الفكري وخطورته!

بقلم: د. شعبان عبد الجيِّد – شاعر وناقد وأكاديمي من مصر

في تاريخ الصِّراع بين الدول والجماعات، وهو قديمٌ قِدَمَ الدول والجماعات، سوف نجد دائمًا بُعدَين أساسيين: أولُهما ماديٌّ ملموس، يتمثل أكثرَ ما يتمثلُ في المواجهة الحربية العسكرية، والثاني معنوي محسوس، يظهر أوضحَ ما يظهرُ في محاولة فرض العقائد والعادات والأفكار. والانتصار في النهاية يكون للأقوى عُدَّةً أو الأقوى استعدادًا، مع ملاحظة أنّ الذي ينتصر في ساحات القتال، قد ينهزم في ميادين الفكر، ولعل أبرز مثلٍ لذلك ما حدث حين غلبَت روما أثينا بأسلحتها وجنودها، بينما انتصرت عليها أثينا بأدبها وفلاسفتها.

ولا شك أنّ صراعَنا مع الغرب، سواء من ناحيتنا أو من ناحيتهم، قد بدأ بشكله المادي، ثم طفق شيئًا فشيئًا يتّخذ بُعده الفكري والثقافي، حدث هذا حين عبرت القوات المسلمة مضيق جبل طارق، وفتحت شبه جزيرة إيبيريا (الأندلس) التي كان يحكمها القُوط ويَدين أهلُها بالمسيحية، ثم لم يلبث المسلمون أن نشروا دينهم، ومكَّنوا لعقيدتهم، وأقبل الإسبان على اعتناق الإسلام، رغبةً أو رهبة، واتّخذ الكثيرون منهم العربية لسانًا، اضطرارًا أو اختيارًا، وبعد سنوات قليلة امتزج العرب الفاتحون بسكان البلاد الأصليين، واستطاعوا أن ينشئوا هنالك حضارةً قويةً ومزدهرة، استمرت ما يقرب من ثمانمائة سنة، ولم يكد يمرّ على وجودهم بضعة عقودٍ حتى أخذوا ينشرون نور العلم العربي ليضيئوا به ظلام أوروبا الدّامس، ويبشِّرونها بالفجر الساطع بعد الليل الطويل.

لم يكن الفتح العربي لإسبانيا صعبًا ولا مكلِّفًا، حتى بحسابات تلك الأيام، لكن بقاء المسلمين فيها لم يكن سهلًا ولا مريحًا، وكان عليهم أن يدركوا أن وجودهم هناك ليس نزهة خلوية؛ بل صراعًا دائمًا بين فاتحين وأصحاب أرض، من وجهة نظر الإسبان على الأقل، وهو ما سوف يأخذ شكل الصراع العسكري المباشر، وبخاصة حين ضعفت الدولة الإسلامية هناك، وظهر ما يُسمّى بعصر ملوك الطوائف، وأخذت الأندلس تسقط مدينة تلو الأخرى، حتى انتهى أمرُها تمامًا، وأُزِيحَ الإسلامُ منها، وانكسرت القاعدة التي تقول: إنّ الإسلامَ إذا بلغ أرضًا استقرَّ فيها إلى الأبد؛ فكانت إسبانيا، ومن قبلها صقلية، الاستثناءَ الوحيدَ لهذه القاعدة.

لم يذكر الإسبان، ولا الأوربيون، للعرب فضلَهم عليهم، وأنكر كثيرٌ من مستشرقيهم وعلمائهم دورَ العرب في تنوير أوروبا وبسط المعرفة الإنسانية في ربوعها، ونسي أكثرُهم، أو تناسَوا أنّه لولا العرب المسلمون لظلّت قارتهم المظلمة تتخبّط في دياجير القرون الوسطى وخرافاتها المضحكة إلى ما شاء الله. وبعد سنوات لن تطول، سوف يظهر من بينهم من يروِّج لفكرة الحروب الصليبية، وسوف تدفعهم روح الحقد والتعصب ليزيِّنوا للناس أنّ السيطرة على بلاد العرب والمسلمين والاستيلاء على أموالِهم وممتلكاتهم حقٌّ للمسيحيين، وأنّ سفكَ دماء العرب والمسلمين وتقتيلَهم قربانٌ للسماء، وجهادٌ من أجل المسيح، وبابٌ من أبواب الغفران ودخول الفردوس، وأنّ كلَّ من يتخلّف عن الاشتراك في حرب المسلمين الكفار محرومٌ من نعيم الدنيا والآخرة.

لم تكن الحروب الصليبية مجرّدَ حملات عسكرية لاسترداد بيت المقدس أو السيطرة على خيرات الشرق، أو حتى إنقاذ أوروبا من شبح الفقر والمجاعة؛ لقد كان وراءها أيضًا، ومن غير مبالغة أو تزيُّد، أغراضٌ تتّصل بالتّبشير ونشر المسيحية بين المسلمين، إن لم يكن فرضها عليهم فرضًا، وإلَّا فليس أقلّ من إبعاد المسلمين عن دينهم وإضعاف عقيدتهم والعبث بأخلاقهم، وقد لا يكون ذلك معلنًا بصراحة، حتى في كتابات من تناولوا “ماهية الحروب الصليبية” بالدرس والتحليل، لكن متى كان الغزاة والمحتلّون يكشفون عن كل أغراضهم الحقيقية من وراء ما يصنعون؟!

كان الأوربيون يخطِّطون إلى استيطان بلاد العرب، والبقاء فيها إلى الأبد، وهو حلم واهٍ تحطَّم على صخرة الصمود الإسلامي، وانتهى تمامًا بانتصار المسلمين عليهم في “حطين”، وهو ما ظل يغيظهم ويؤجِّج نار أحقادهم إلى يوم الناس هذا؛ فلم يتوقّفوا عن الكيد للعرب والمسلمين، وإثارة أسباب الفتنة والفرقة فيما بينهم، ونشر الفوضى في شعوبهم، والحيلولة بينهم وبين أسباب العلم والتقدم، ولن ينتهي القرن التاسع عشر حتى تكون أكثر البلاد العربية والإسلامية قد وقعت فريسةً تحت نير الاحتلال الغربي، الذي خشي أن يعلن صراحةً عن وجهه القبيح وغايته المنكِّرة، وادَّعى، وما أكثر ما ادَّعى، أنّه جاء ليخلِّص المسلمين من ظلم المماليك والعثمانيين، ويأخذ بأيديهم نحو التحضُّر والمدنيّة، وأنّه لا يريد لهم إلّا الخير والعدل والرخاء، وهو ما كذَّبه الواقع في كل مكانٍ احتلّه الأوربيون؛ ولقد ظلوا في الجزائر ما يتجاوز مائة وثلاثين سنةً، فلم ينشروا علمًا، ولم يُحدثوا نهضة، وخرجوا مرغمين بعد أن ضحت الجزائر بمليون ونصف مليون شهيدٍ من أطهر وأنبل وأشرف أبنائها، ولم يخلِّفوا وراءهم غير لغةٍ أجنبيةٍ فرضوها على الناس فرضًا، وعادات وأفكار غربية عملوا على نشرها والترويج لها، وهو ما انتبه له الجزائريون وفطنوا لخطورته، فأخذوا يستعيدون العربية لسانًا، ويعودون إلى ما كان عليه أجدادهم من أخلاق وتقاليد، وأظنهم قد نجحوا في ذلك نجاحًا عظيمًا.

كانت ثورة البلاد العربية على الوجود الأجنبي، ونجاحها في التخلّص منه، إيذانًا ببداية عصرٍ جديد، وظهور شكلٍ مختلف في الصراع بين الشرق والغرب، لن يستمر فيه الاحتلال العسكري المباشر، ولا المواجهة الحربية الواضحة؛ وسوف لا يهدأ الغرب، ومعه أمريكا هذه المرة، حتى يحقِّق أغراضه كاملة، ويمنع نهضة العرب وتقدّمهم، فمن مصلحته أن يظلوا ضعفاء متفرِّقين، وألّا تقوم لهم في هذا العالم قائمة. ولن يكتفي بإقناع بعض الدول بأن تكون له فيها قواعد عسكرية، بحجة حمايتها والدفاع عنها، فأثار الفتنة بين الدول والحكومات، بل بين الشعوب والأفراد، وتدخّل في السياسة التعليمية والإعلامية لأكثر البلاد العربية، فأنشأ ما لا حصر له من المدارس والجامعات الأجنبية، وهي كلّها أدوات لنشر الثقافة الغربية، على حساب الثقافة العربية، وليس سرًّا أن كثيرًا منها يقوم بالتَّبشير والتّنصير، وإن كان أكثر الناس لا يعلمون.

وكان تسلُّلُهم إلى منابر الإعلام وصناعة السينما كارثة الكوارث، فانتشرت البرامج التافهة والأفلام الهابطة والفن الرخيص، وليس بمستبعد أن يكونوا هم الذين يقفون وراء انهيار حياتنا الثقافية والأدبية، بما تشهده من تردٍّ ظاهرٍ في القضايا التي نعالجها في مهرجاناتنا ومؤتمراتنا، والمستوى الرديء الذي انتهى إليه فكرُنا ولغتنا وأساليبنا.

أمَّا ثالثة الأثافي وقاصمة الظَّهر، فهو ما آل إليه حالُنا بعد أن نجحوا في تشويه ثقافتنا، وطمس هويتنا، وإبعادنا عن جذورنا القريبة والبعيدة، حيث انقلب الأمر من (الغزو) إلى (الاستغزاء)، وإن شئت فقل: من (الكبرياء) إلى (الاستخذاء)؛ فصرنا نحن الذين نُقبِلُ على بضاعتهم، ونطلب منهم العون والمشورة، ونُشرِكُهم في أخصِّ شئوننا، ونقبَلُ منهم كلَّ ما يقدِّمونه لنا أو يفرضونه علينا، وهو ما ينذر بكارثة كبرى، قد تقضي علينا إلى الأبد، وهو ما يجب أن تتداركه الدول والشعوب، وأن ينتبه إليه العلماء والمفكرون والمثقفون من أبناء هذه الأمة، وأن يعملوا مجتمعين على كشفه ومواجهته والتحذير منه.

إنَّ الغزو الفكري حقيقة لا خيال، وواقعٌ لا توهُّم؛ والغرب الذي كان يقصدنا بخيله ورَجِلِه بحجّة انتهاب ثرواتنا ومقدراتنا، هو الغرب نفسه الذي يطوِّقنا بعملائه ومكائده ليقتلعنا من جذورنا ويعيدنا ألفي سنةٍ إلى الوراء، ليجعل منا أمّةً متنافرة، وجماعاتٍ متفرِّقة، وعددًا لا مفهومَ له..

اللهم قد أبلغت، اللهم فاشهد!

هل تمّ غزو عقل الإنسان العربي ووجدانه؟

بقلم: د. بسيم عبد العظيم عبد القادر – شاعر وناقد أكاديمي، رئيس لجنة العلاقات العربية باتحاد كتاب مصر

سؤال وجيه ويستحق الوقوف عنده والشكر عليه، فالشكر للمحرر الثقافي لجريدة “الأيام نيوز” ولمجلس إدارة الجريدة الغراء على طرح هذه الموضوعات المهمة على الكتّاب والأدباء في عالمنا العربي لإعادة النظر فيها، لأنّ مثل هذا الموضوع ـ وغيره من الموضوعات الفكرية والثقافية الحيوية ـ ممّا تتغيّر وجهات النظر فيه وتشتجر فيه الآراء وتتجدّد الرُّؤى كل فترة طويلة أو قصيرة، بحسب التقدم العلمي والتكنولوجي المذهل الذي يحدث في العالم يوما بعد يوم، بل على مدار الساعة.

قضية الغزو الثقافي.. كان يا مكان

فإلى نهايات القرن العشرين، كان الغزو الثقافي أو الفكري من القضايا التي أسالت كثيرا من الحبر، رغم أنّه كان في الإمكان التحكّم في الكتب التي تدخل إلى البلدان العربيّة وتُسوّق في مكتباتها، وكانت الإنترنت في بداياتها وغير منتشرة في كل بيت كما هو الحال اليوم، بل كانت الفضائيات قليلة وضعيفة التأثير.. فماذا عن قضية الغزو الثقافي والفكري الآن؟

وممَّا أتذكره بشيء من السخرية ما كان يحدث معي أثناء عودتي كل عام أثناء إعارتي إلى السعودية، محمَّلا بكثير من الكتب قد تبلغ المئات، حيث أضطر إلى التأخّر في الميناء بالساعات حتى يتمّ فحص الكتب التي كنت أسجِّل أسماءها في كرّاسات تسهيلا على الفاحصين، وذلك لأنني كنت أشتري كتبا في مجالات متعددة أدبية ونقدية ـ وهذا تخصصي ـ وثقافية وفكرية بل وعلمية مما يلفت الانتباه، فكنت أعلِّل لهم ذلك بأني ناقد وشاعر وعلى مثلي أن تكون ثقافته شاملة ومتنوعة.

الغالب يفرض ثقافته على المغلوب

والحق أن الغالب يفرض ثقافته على المغلوب كرها أو طوعا، ليطيل أمد غلبته المادية أو المعنوية، فقد احتل الفرنسيون المغرب العربي ومكثوا في الجزائر أكير من مئة وثلاثين سنة، وقاموا بمحاولات فرنستها، أملا في البقاء بها وعدِّها جزءا من فرنسا، والشيء نفسه فعلته إنجلترا في مصر والسودان وفلسطين والعراق، وغيرها من الدول العربية، فقد مكثوا في مصر مثلا سبعين سنة، حاولوا فيها فرض اللغة الإنجليزية في التعليم وفي سائر شؤون الحياة، وبذلوا جهودا جبّارة عن طريق المدارس التبشيرية، والمستشرقين الذين كانوا في خدمة المحتلين لبلادنا، بل لقد سيطروا على مناهج التعليم لتفريغها من مضمونها، وجعلها في خدمة مشاريعهم التوسُّعية التي تمتصُّ رحيق الدول المستضعفة وتنهب خيراتها، وكان الدين الإسلامي واللغة العربية هدفا رئيسا لهؤلاء فحاولوا صرف الناس عن دينهم بحجة أنه لا يناسب الحياة العصرية، وكذلك اللغة العربية التي هي وعاء الدين والفكر والحضارة، حاولوا صرف الناس عنها بحجج واهية، منها صعوبة اللغة العربية وعدم استيعابها لعلوم العصر..

وللأسف أنّ بعض أبناء جلدتنا تابعهم في هذه الادّعاءات الباطلة وراح يؤلف كُتبا في الانتصار لها، مثل “سلامة موسى” الذي كتب كتابين هما: البلاغة العصرية، الأدب للشعب، داعيا إلى استخدام اللهجة العامية بدلا من اللغة العربية الفصحى، والعجيب أنه كتب كتابيه باللغة العربية، وهذا أبلغ رد عليه، وهناك من دعا إلى كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية، وهناك من دعا إلى الكتابة الصوتية أو ما يعرف بالكتابة العروضية، حيث كل ما يُنطَق يكتب وما لا ينطق لا يكتب، والحمد لله أنّ كل هذه الدعوات باءت بالفشل، وتصدّى لها العلماء الأثبات ودحضوها وفنّدوها، ومن يطالع كتاب الدكتورة “نفوسة زكريا” عن تاريخ الدعوة إلى العاميّة في مصر يجد ما قلت وأكثر، وقد كتبت عن ذلك مقالا بعنوان: وسائل النهوض باللغة العربية في ضوء قانون حماية اللغة العربية الذي أعده مجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ حوالي خمس سنوات، وللأسف لم يصدر حتى كتابة هذا المقال.

الوجه الآخر للعولمة

وقد جرت محاولات كثيرة في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين للغزو الفكري والثقافي للبلاد العربية، وكانت للدول المحتلَّة لبلادنا ألاعيب كثيرة وحجج متعدِّدة لفرض لغتها، مما يظنّه السُّذج أمرا هيِّنا، بل وممّا يسعى إليه أبناؤنا الآن بإلحاق أبنائهم بالمدارس الأجنبية التي تؤهّلهم للالتحاق بالجامعات الأجنبية التي صارت كالسرطان الذي ينخر في عظام أمتنا العربية فيضعفها ويوهنها، ويجعلها تستسلم لنمط الحياة الغربية وهو ما صار يطلق عليه “العولمة”، أي صبّ الناس في قوالب ونمذجتهم على النمط الغربي، واتِّباعه للحضارة الغربية بعجرها وبجرها، بدلا من الوقوف على النافع منها علميا وفلسفيا وفكريا، لترجمته والانتفاع به في حياتنا، كما انتفع الغرب في القرون الوسطى بثقافتنا العربية وحضارتنا المادية المتقدمة في تلك الفترة الذهبية للأمة العربية والإسلامية حيث كانت الجامعات العربية في الأندلس والقيروان وبغداد والقاهرة مهوى أفئدة الغرب للإفادة من علومنا  وفنوننا وآدابنا وثقافتنا، وهو ما نضح على ثقافة الغرب وآدابه وعلومه وفنونه، واعترف به المنصفون من أبناء الحضارة الغربية من العلماء ومؤرخي الحضارة مثل “ول ديورانت” في كتابه “قصة الحضارة”، والمستشرقة الألمانية “زيغريد هونكة” صاحبة كتاب “شمس العرب تسطع على الغرب: أثر الحضارة العربية في الحضارة الأوربية”، وغيرهما، فالمنصفون كثيرٌ، كما أنّ الجاحدين لفضل الحضارة العربية والطاعنين فيها وفي ثقافتنا الإسلامية كثيرٌ أيضا.

لهم ماديّتهم ولنا قيمنا

ومن أسفٍ أنّ بعض مثقفي الأمة العربية والإسلامية مِن طلائع مَن تأثّروا بالحضارة الغربية، قد فُتنوا بها وتأثروا تأثّرا فاق كل حد، حتى لقد دعا بعضهم ـ في بواكير حياته ـ إلى أنّه إذا أردنا أن ننهض فعلينا أن نتبع خُطى الحضارة الأوربية بخيرها وشرّها وحلوها ومرّها، ولعمري، إذا كان يجب علينا أن نأخذ بخير الحضارة الأوربية وحلوها، لأنّ الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها، فما الذي يحملنا على الأخذ بشرّها ومرّها؟! أليس هذا مما يجانف الحكمة ويتناقض مع العقل والمنطق؟!

والغريب أنّنا نجد حتى يومنا هذا، من يتشدّق بهذا الكلام ويقيم له المؤتمرات والمهرجانات ويُرصد له الجوائز السنِيّة، مع أنّ صاحب هذا الكلام قد رجع عنه وتنصلّ منه، ولكن يأبى الله إلّا أن يظل هؤلاء في غيِّهم يعمهون وفي ضلالهم يتخبّطون، مع أنّ إعمال العقل والمنطق يرشدنا إلى الحق والهدى والنور، فما وجدنا عند مختلف الأمم من خير فهو حق لنا لأنّنا أسهمنا بنصيب وافر في الحضارة الإنسانية، وبخاصة في الجوانب العلمية والتجارب الإنسانية، والدعوة إلى الحق والخير والجمال. أمّا العنصرية والتعصُّب الأعمى للجنس الآري وللرجل الأبيض، فهذا ما ينبغي أن ننأى بأنفسنا عن تقليده والانغماس فيه، على نحو ما نرى في مجتمعاتنا.

علماء وأدباء حذّروا من خطر الغزو الفكري والثقافي

ومن أبرز الذين كتبوا عن الغزو الفكري والثقافي وآثاره المدمِّرة على العقل العربي والوجدان: محمد رشيد رضا، محمد إقبال، مصطفى صادق الرافعي، الذي كتب كتابه القيِّم: “تحت راية القرآن” مدافعا فيه عن الشعر الجاهلي، ومتصدِّيا لآراء الدكتور “طه حسين” في كتابه الشَّهير “في الشعر الجاهلي”، وقد أهدى “الرافعي” كتابه ساخرا متهكما على المُجدِّدين أو المُبدِّدين فقال: إلى الذين يريدون تجديد الدين واللغة والشمس والقمر، والشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر، والمفكر الجزائري مالك بن نبي، والمفكر المصري د. رشدي فكار، والعلامة محمود شاكر في كتابيه: “أباطيل وأسمار” و”مقدمة في الطريق إلى ثقافتنا” التي كانت مقدمة لكتابه عن المتنبي الذي فاز به بجائزة الملك فيصل العالمية في الأدب قبل وفاته.

كما أولى هذا الموضوع عناية كبيرة كل من الشيخ محمد الغزالي.. في كثير من كتبهما، وخصص المستشار المصري الدكتور “علي جريشة” كتابا تحت هذا العنوان: أساليب الغزو الفكري، وكذلك: د. محمد البهي، د. رؤوف شلبي، وهناك كتب أخرى كثيرة على امتداد رقعة العالم العربي والإسلامي تحذِّر من الغزو الفكري وأساليبه التي تتجدَّد بتجدُّد الزمان ممَّا يجعل الموضوع قائما لخطورته في تسهيل السيطرة على العالم العربي والإسلامي بالاستلاب الفكري والهزيمة الحضارية.

الواقع أبلغ من أيّ توصيف!

والسؤال الذي ما زال يطرح نفسه بقوة ويلحّ علينا هو، هل تمّ غزو عقل العربي ووجدانه، أم أنّ القضية كانت مجرّد وهمٍ في نهايات القرن الماضي؟

والجواب ما نرى لا ما نسمع، فالواقع المرّ، الذي نحاول أن نتصدّى له، هو أن عقل العربي ووجدانه قد تمّ غزوهما بقوة وشراسة نشاهد آثار هذا الغزو في شبابنا العربي من الخليج إلى المحيط، من خلال مظاهر متعددة بعضها شكلي يتعلق بالأزياء الغربية للرجال والنساء على حد سواء، وبعضها يتعلق بالمظهر وتقليد الرجال للنساء وتشبُّه النساء بالرجال، وبعضها يتعلق بالطعام والشراب حيث الوجبات السريعة والمشروبات التي ضررها أكبر من نفعها، وكل ذلك تُنتجه شركات عالمية معروفة بعدائها للعرب والمسلمين ومساندتها للصهيونية العالمية وربيبتها في قلب الوطن العربي وهي الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين والمسجد الأقصى قبلة المسلمين الأولى، ممَّا يوجب على العرب والمسلمين مقاطعتها بكل ما أوتوا من قوة، لأنّ عائداتها تصبُّ في جيوب أعداء الأمة، وتساهم في قتل أبنائها في فلسطين، وقد صار العداء سافرا، فقد تألّبت الدول الغربية المتوحِّشة وكشفت وجهها القبيح فصارت تساند الكيان الصهيوني الغاصب في قتل إخواننا في قطاع “غزة” وفي كل فلسطين، بتزويده بالأسلحة الفتّاكة، والوقوف بجانبه ماديا بالمال والسلاح ومعنويا في المنظمات الدولية، باستخدام حق النّقض “الفيتو” ضد قرارات الإدانة للكيان الغاصب المجرم، وعلى رأس هذه الدول الشيطان الأكبر ممثلا في الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا التي زرعت الكيان الصهيوني بوعد “بلفور”، وفرنسا وإيطاليا وألمانيا..

دور الأديب العربي في الحصانة الروحية والثقافية

وثمة سؤال آخر يطرح نفسه مؤداه: ما دور الأديب العربي في تحصين الذات الفردية والمجتمعية العربيّة؟

والحق أنَّ الأدب هو القوة الناعمة التي يُعوَّل عليها في توجيه الشعوب ورسم الخريطة العقلية والوجدانية لها عن طريق الكلمة المكتوبة ـ شعرا أو نثرا – أو المُغنّاة أو المعروضة على الشاشة، خصوصا ونحن في عصر الصورة.

فالشاعر الكبير قد يقول قصيدة تُدوّي في سمع الأجيال كما كان “المتنبي” قديما وأمير الشعراء وشاعر النيل حديثا، والأمر لم يتوقّف عند هؤلاء فثمة شعراء معاصرون كان لهم تأثيرهم مثل: الجواهري، أبو القاسم الشابي، بيرم التونسي، مفدي زكريا، أحمد مطر، أمل دنقل، نزار قباني في قصائده السياسية، وغيرهم، خصوصا إذا كانت هذه القصائد مُغنّاة، فإنّها تسري في وجدان الشعب سريان النار في الهشيم، وتلعب دورا كبيرا في تعديل سلوكه والتأثير على توجهاته السياسية والاجتماعية والثقافية، وقد تعمَّدتُ الاستشهاد بشعراء من مختلف الأقطار العربية، إذ لا يخلو بلد عربي من شعراء مخلصين يتبنّون قضايا الأمة ويذودون عنها وربما يكلِّفهم ذلك ثمنا باهظا من السجن أو النّفي أو التّضييق في العيش.

وما زال الأديب العربي يمتلك قوّة التأثير للقيام بالذود عن قضايا الأمة الثقافية والفكرية، ولعل ما نقوم به في لجنة العلاقات العربية باتحاد كتاب مصر التي أتشرّف برئاستها للسنة الثالثة على التوالي ما يدلُّ على أثر الأدب في النهوض بالأمة ومقاومة الغزو الفكري والثقافي والوجداني حيث نستضيف الأدباء والنقاد والشعراء من الدول العربية ليحدث التّقارب الفكري والثقافي بين الأدباء والمثقفين ويتبادلون الهموم الشجون.

والموضوع خطير ويحتاج إلى وقت وجهد وكتب ووسائل تحذير مسموعة ومرئية، وملفات ثقافية تتبنّاها الصحف والمجلات العربية لدق ناقوس الخطر وتنبيه الغافلين وإيقاظ النائمين.

الغزو الثقافي.. طعنة في الظهر وابتسامة أمام الوجه!

بقلم: جنى جهاد الحنفي – كاتبة وإعلامية فلسطينيَّة في لبنان

تشير آخر الدراسات أنّ الإنسان العاديّ يفكر 6000 فكرة يوميًّا، تنقسم بين أفكار مختزنة وأخرى نعبّر عنها. ما يعني أننا نتنفّس الأفكار ونقتاتها! والتفكير حاجةٌ ملحّة للحفاظ على دورة عقلية سليمة. إنّه ختم التميّز عن باقي الكائنات الحية! قالها “ديكارت” تلك الجملة الخالدة: “أنا أفكِّر، إذًا أنا موجود”. لكن، هل نحن نفكر فعلاً؟ أم أننا نستورد الأفكار؟ هل لدينا قاعدة فكرية؟ أم أننا تائهون في الفراغ.. ننتظر من يوجّهنا؟

الغزو مرادف لكلمة الاجتياح الذي يهدف إلى تحقيق السيطرة. وارتباطه بالثقافة لا يضلّل معناها بل يعطيها خطورة أكثر. لأنّ الغزو الفكري يقوم على الأساليب الملغومة التي تدسّ السمّ في العسل. فصاحب الفكرة لن يقول لك: فلتقتنع بالقوة.. لكنه يقنعك بالذكاء. وعليه، الغزو الثقافي يوظف علم النفس وتحليل الشخصية لزرع فكرة أو لجعلها معتقدًا شائعًا بالنسبة لمجتمع معين.

لا بدّ من الاعتراف أنَّنا نعيش عصر التغريب الثقافي. نقرأ هذا المصطلح في كتب الاجتماع لكننا نعيشه بحذافيره.. ولعل معاصرتنا لهذه الغربة دلالة أننا نستقبل كل شيء بدون غَربَلة. نعم، الغربال هو العلامة الفارقة التي تحدِّد الحصانة الفكرية لكل مجتمع إلى جانب وضوح هويّته التي تحدِّد وجهته.

من المخجل أننا نمثّل أكثر الهويات شرفا، لكننا نتنكّر لها ونرتدي تجاهها الأفكار التي تُسمّى: “معادية للتخلّف” دون فهم واضح لتعريف التخلّف أصلاً، الذي لا يعني مواكبة التطور والتنكر للقديم. لأنّ الجديد ليس كلّه صالحا، والقديم ليس كلّه رثًّا. التخلف هو التّعامي حين يأتي موعد القرار الحاسم بالنقد! أن تتساءل: لماذا وصلتنا الفكرة؟ كيف تُطبّق الفكرة؟ وماذا يستفيد طارح الفكرة؟

السؤال هو الدِّرع المتصدِّي للرصاص الخفيّ الذي تطلقه الأفكار الغريبة.. الغربية!

ما الذي يشجع مسلمةً محتشمة أن تخلع حجابها ببثّ مباشر على التيك توك؟ وما الذي يقنع المرأة أنها تافهة لأنها تعمل كربّة منزل؟ وما الذي يؤدي إلى تزايد تبنّي أفكار الإلحاد في مجتمعاتنا التي يُفترض أنها تعدّ الدين جزءًا أساسيا من هويتها؟

إنّه استيراد الأفكار الغربية بدون مقياس لمدى تناسبها مع المتلقِّي كمسلم ومع المجتمع ككيان. إنها الدعوة الليبرالية الغربية التي تؤكد على حرية مطلقة بما في ذلك الزنا والمثلية الجنسية… وهي ذاتها التي تتبنّى نسبية القيم الأخلاقية والحرية مثل: ميشيل فوكو، جاك دريدا. وبعد ذلك نعدِّها أفكارا متقدّمة بدون تحليل لازدواجية معاييرها الأخلاقية. إنّ السرّ وراء نجاح الغزو الثقافي هو محاولة الإقناع بأنّنا متخلفون. إنَّها الوصفة السحرية للسيطرة: إذا أردتَ أن تهزم إنسانا أقنِعه أنّه أقلّ منك. اهتزاز الثقة والاستسلام الأعمى للفكرة ثنائي خصب لزرع أيّ فكرة متطرِّفة.

بالمناسبة، ليست كل الأفكار سلبية! التمسُّك بالعلم والعمل، السعي الدائم للتحسّن وتقدير المنجزين والمبدعين أمورٌ تستحقّ الاتباع. وهنا لا بدّ السؤال: كيف نصنّف؟

الإجابة تكمن في مبدأ الاستقاء: أن نمتصّ ما يصقلنا ثم نتعلَّم كيف نقول لا لكل رهان على تدمير الروح العربية المسلمة. نستذكر هنا أهمية أعلام المجتمع على رأسهم الأدباء. لأنّهم يستطيعون إحياء التراث العربي الإسلامي وتسليط الضوء على الأدب الكلاسيكي الذي يعزِّز الانتماء الثقافي بقالب أدبي معاصر.. هذا ولا ننسى النظرة النقدية التي قد يقدِّمها الأديب مثل كتابات: إدوارد سعيد، عبد الوهاب المسيري، التي تقدّم نقدا مستنيرا للفكر الغربي. والجدير بالذكر، إن الإبداع المحلّي يعزّز المناعة الفكرية – التي نحتاجها عاجلا – لأنها تعكس الواقع الغربي وتناقش قضايا الهوية أهمهم: نجيب محفوظ، أمين معلوف.

وفي هذا الصدد، لا بدّ من القول أنَّنا نمتلك أساسيات الحلّ من إبداع وصحافة وفعاليات ثقافية وغيرها.. لكننا نحتاج أن نستغلّها بدلاً من أن ننكر أهميّتها واعتبارها كماليات. فمن يتحدث بفكرة مهمة في بلادنا يقال له: كُفّ عن الفلسفة، أو الكتابة لا تطعم خبزا. والحقيقة أننا نحتاج إلى الفلسفة والكلمة كحاجتنا للهواء، لأنّنا أصلاً أعمق من مجرد أجساد خُلقت للإشباع والتكاثر وحسب.

الثورة تبدأ بالعقل، والإبداع ينطلق بفكرة. لكننا شعب لا يقرأ. والقراءة أمر إلهي صريح!

إنّ عصر الغزو الثقافي عصرٌ بلا ثقافة. ولا نستبشر خيرًا إلا حين نكسر الأغلال الفردية والمجتمعية التي يفرضها واقع الغزو وتشابكاته السياسية والمعرفية. وهنا، يبقى السؤال: الحل الوسط ثقافة.. هل نتعلّمها ليتوازن العربي المسلم بين هويته وبين العولمة بدون الوقوع فريسة أنيابها؟

الاغتراب الروحي والفكري على جغرافية الوطن

بقلم: وليد عبد الحميد العياري – شاعر وكاتب من تونس

الغزو الفكري والثقافي سيطر على عقول وأبحاث رجال الفكر، وكان محورا أساسيا للتحاور بشأنه في ملفات تلفزية وغيرها. ولكن برأيي كان هذآ وهما كبيرا جعلنا نتراجع في كل المجالات، فهنالك غزو تكنولوجي بالأساس وحرب بيولوجية.. وبالتالي كله ساهم في صراع بين الحضارات والأديان.

الحكومات العربية لم تطوِّر من برامجها التعليمية، ولم تشجِّع العلوم والمعارف والأخذ بناصية التكنلوجيا الرقمية وغيرها، ولذلك ازدادت سعة الهوّة بين العرب والغرب. وفقدت الشعوب العربية هويتها العربية وانصهرت في حضارة الغرب وعادلته.

نستطيع أن نقول أنّ الغزو الثقافي والفكري هو نتيجة لمُخطّطات عدة سنوات، وقد نجحت الدول الغربية في إبعاد المواطن العربي عن قضاياه وخاصة القضية الفلسطينية من خلال دعوته إلى الانخراط في كل ما هو تكنولوجي ورقمي، وبالتالي تشتيت فكره ونزع الوازع الوطني والهوية عن نفسه، وجعله غريبا عن شعبه ومشاغله الإنسانية والاجتماعية.

الأديب العربي لم يستطع إبعاد المواطن العربي عن تبعات هذا الغزو الثقافي والفكري. فقد كان دوره هو كتابة الروايات والقصص وغيرها من أشكال الكتابة دون التطرُّق إلى موضوع الغربة الفكرية والروحية وغياب الهوية والأصالة عن المواطن العربي. ولذلك أصبحت الشعوب العربية تعيش الهوان والضعف نتيجة تعلُّقها بكل ما هو غربي وغريب ودخيل عن حضارتنا وعاداتنا وتراثنا وأصالتنا..

فالأديب العربي هو ذاته أصبحت كتاباته مستمدَّة من واقع وحياة الشعوب الغربية، فانصهر في طبيعتها وتقاليدها واستلهم رواياته من حكاياها ومغامرات البعض من الشخصيات الغربية. فكيف نقاوم كل أشكال الغزو الثقافي والفكري والتكنولوجي وحروب بيولوجية وغيرها!؟

خُلقنا لنتعارف ولكن..

مثلنا كالغراب الذي أراد تقليد الحجلة في مشيتها!

بقلم: ختام زاوي – كاتبة من تونس

ربما يكون التنوُّع الثقافي في عصرٍ ما “مصنع” له آثار على البيئة الجماعية، وهو في الأصل شكل من أشكال التبادل الذي لا لغو فيه، لأنّه مستمَد من فكرة إلهام الإبداع وتحفيز الأفكار عبر العطاء والأخذ المختلف..

وإذا استطاب شيء في أصل الإنسان من فكر جديد، إلتمس بذلك روحه وتجذر وارتبط بالأرض، كان ثمينا وقيما وملفتا.

ولا نستغرب أنّ المعالم التي وصلت إليها البشرية من آثار وحرفيات وفنون متوارثة تطالعنا على هيئة الإنسان القديم والذي يلوح ببصره إلى مشارف الدنيا وإلى ماوراء التخوم، فتنطلق تلك الصورة الإبداعية المدهشة كالسّهم فتعبر البرور والبحور ليصيب مرماها المرسوم له..

فاخترع الإنسان عبر التاريخ تجارب حقيقية وسعت أبعاده بلا نهاية، ونوَّعت من ملامحه، وكانت من مطامحه نشرها في العالم أجمع.. وتتزاوج الانسانيات ويزول الانقسام القديم فلا أبيض ولا أسود ولا أحمر ولا أصفر ولا أسمر كذلك، والاسمر موجود وإنما بشرة واحدة.. بشرة بشرية وقوس قزح لونها، “وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا” (الحجرات: الآية 13).

ويسافر العربي وينتقل من أم إلى أم وهو مدفوع بتلك الأشواق إلى معانقة أوروبا، وهو حريص على التغيير، محافظ على سؤدده، مغامر.. وأيّ مغامرة! فهي جموح عن طوق الموروث بل اكتشاف نقيض مناهض قد جعل لريادة الأقاصي المجهولة والاحتكاك “بالغرباء” دورا في إلتئام أجزاء الكون في طقس واحد، ويتواجد في داخله مناخ الجنوب ومناخ الشمال “أنا جنوب يحنّ إلى الشمال”.

وبعد الغزو والحرب والتّيه في أصقاع الدنيا كان الأوروبيون، يتواردون على السلاح الفكري العربي، وإن وُجد التناقض فقد اختلط الغرب بالعرب في الأندلس والتي لعبت بدورها هي الأخرى في نشر حضارة إسلامية ازدوجت فيها العلوم والمعارف رغم اختلاف الدين واللغة والثقافة، إلّا أنها سطعت على أوروبا وأصبح هناك مدّ حضاري بين المسيحيين والمسلمين..

أمّا الأندلس، فقد اعتنت بالآداب والعلوم والفنون، وأنشأ المسلمون فيها المدارس والمكتبات وترجموا الكتب ودرسوا العلوم الرياضية والفلكية والكيمياء والطب والتي تعود إلى أصولها الأم “الحضارة العربية في المشرق”، وفتحوا الحمّامات وبنوا القصور المزخرفة. وقد عرف العرب “الداخلون” كيف يفرشون سجّادة الاحتلال الثقافي ويتوارثون مفاتيح أبوابهم ويفتحونها لتدريس الغرب وتطهيرهم وتعليمهم أصول النظافة الجسدية ببناء الحمّامات في كل مكان، فكان الطالب الأوروبي يتلقّى العلوم وينقلها إلى شعبه الذي كان يعتبر الاستحمام خطيئة.

وهكذا بدأ الأوروبيون يستحمّون في الأنهار أو الحمّامات العمومية، وقام ملوكهم ببناء حمّامات داخل قصورهم عبارة عن صهاريج كبيرة من الخشب وأحيانا من الرّخام أو من الذهب والفضة للاستحمام الذي كان عادة جماعية، ويُحكى أنّ الملك الفرنسي “شارلمان” كان يستحمّ مع 200 فردا من أفراد حاشيته في حوض استحمام كبير داخل قصره.

ومن أبدع فقد أفلح.. ولكن رغم هذا المزج والصّهر، فهل إنتهى الغزو الثقافي الفكري العربي اليوم وانقلب الظاهر والباطن؟ هل أصبحنا نواري الغرب رغم تطوّر الجيل العربي عبر التاريخ؟ قد كانت الحضارة الإسلامية تتنفّس بـ “حريّة”، وغذَّت قوانينها بالدين، وعارضت التفكّك والقتل والصراع وتغلغلت في كيانها جذوة الحياة وحب الخير في الأرض وردع الفساد، فكان الفتح الإسلامي تنُّورا متَّقدا ودعوة توعوية وضمنية.

أمَّا الإحتلال الأوروبي وافتكاك الأراضي والكنوز العربية، فقد كان جريمة شنعاء لأنّ الأوروبيون اعتقلوا الأجساد والعقول وأحيانا، يلقون عليك القبض وأنت ترتكب الحلم، ومشانق وإعدامات بالرصاص، وحريات مفقودة، ومحاكمات وسجون أو هجرة نهائيا من الخراب.. والبترودولارات التي يوظفونها في صالح الاقتصاد الغربي، وشعوبنا أحوج ما تكون إليها لتنمية مجتمعاتنا، فيقتلون الحقيقة ويهيجون فيهم غريزة الحَيوَنة والتناحر في نطاق ضيق،

وهم بذلك ينتفعون بخيرات البلد وثقافته القيّمة.

أمّا ممارسات الغزو الثقافي، فقد ارتبطت بالغزو العسكري وذلك بممارسة التأثير الاقتصادي والسياسي من البلد المهيمن إلى البلدان الأقل قوة.. وقد يحدث في الغزو التجاري والاستثمار الأجنبي وتقديم المساعدات الدولية للبلاد النامية، إذ تتبع سياستها للغزو الثقافي باسم التحسين ونشر الرعاية الصحية والتعليم.

وإذ يُعدّ استيراد الأفلام والأطعمة والملابس في البلاد الأخرى، باستبدال المنتجات المحلية وتغيير سمات الثقافة المحلية بالتدريج، مع اعتماد لغة أجنبية كلغة إضافية محليّا، وقد تُقبل أيديولوجيات أخرى تُعارض أفكار وأيديولوجيات المجتمع المحلي، وبذلك قد يُصبح السكان معتمدين ثقافيًّا على الواردات الأجنبية، وقد يعوق هذا تطوّرهم في الأدب والفن وفي النمو الاقتصادي..

والتغير المشهود في اللغة المخلوطة ببعض الفرنسية والإنجليزية وتغيير تحية السلام والرحمة بـ “بونجور”، وكيف حالك بـ “سفا”، وتطوّر اللباس الفاضح وتعرية الأجساد وتشويهها بالمستحضرات وعمليات التجميل والتي أحدثت خللا طاغيا على الطبيعة البشرية.. أجبرت السكان الأصليين على قبول السيطرة الثقافية دون احتجاج، أو مقاومة..

وأصبح الاستعمار الثقافي يفترسنا بضراوة تكنولوجيته، ويحتلُّ الأرض والعقول، ويحاول أن ينفذ من كل فجٍّ إلى كامل كياننا ونحن نتآكل.

ولكن هل طالَت هذه القوةُ الخيالَ الشرقي، وأصبح الأمر غزوا ثقافيا وفكريا مُمنهجا؟ وكيف سعى الأديب العربي في ترميز المحتل وتكتيكه واستعادة الهوية المنهوبة؟

“خذوا ما بعقولهم واتركوا ما بقلوبهم”، عبارة شهيرة قالها الأديب المصري الراحل “توفيق الحكيم” قبل عقود وهو يخاطب العرب والمسلمين، ويشرح لهم كيف يجب أن تكون العلاقة مع الغرب.. لقد اعترف “الحكيم” بأنّ الغرب سبقنا بسنوات ضوئية في المجالات العلمية والتكنولوجية والصناعية والطبية، ومن ثم، من السُّخف ألّا نتلقّف كل علمه، وأن نحذو حذو التفكير الغربي في بقيّة المجالات. ولعل الحكيم كان يقصد بكلمة “قلوبهم” ألّا نفكر ونتصرف في حياتنا الثقافية والاجتماعية بالطريقة الغربية؛ لأنّ التقدم العلمي الغربي لا يقابله تقدّم غربي حضاري، وشتان بين الحضارة بمفهومها الإنساني العام والتقدم التكنولوجي، وليس بالضرورة أن يكون التفوُّق الصناعي مرادفا التفوق الحضاري بأيّ حال من الأحوال.

صحيح أنّ الأنموذج الغربي في كل شيء صار مغريا وضاغطا جدا على بقية النماذج الثقافية في العالم، لكن حذار وألف حذار من التخلي عن نماذجكم الثقافية والحضارية دفعة واحدة، فتصبحون كالغراب الذي أراد أن يقلّد الحجلة، فلا نجح في تقليدها، ثم نسي مشيته.

تبدأ هزيمة الأمم من داخلها..

الغزو الثقافي أشدّ خطرا من الغزو العسكري

بقلم: د. عبد الفتاح العربي – أديب وإعلامي من تونس

الاستعمار الغربي دَمَّرَ العالم بقوته العسكريّة الهائلة، وفي العصر الحديث استبدل القوة العسكرية بالقوة الناعمة، وأصبحت القوة الظاهرة الغزو الفكري والثقافي أعتى من سلاح القوة العسكرية.. بل أخطر سلاح على الإطلاق حيث تمكّن من مفاصل الحياة السياسية للبلدان، وكذلك بهذا الغزو الفكري طمس كل معالم نهضتهم وجردهم من عاداتهم وتقاليدهم وشوّه تاريخهم.

وزرع فيهم التّواكل، ونزع عنهم الإبداع والتّفكير الخلاّق، وقدرة الوعي وخاصة الديني، وغسل الأدمغة بمواصفات الاستهلاك في كل شيء دون الإنتاج في أيّ شيء، ولم يجعل لهم رأيا موحّدًا، ولا عقيدة ولا دينا ولا خيالا ولا منطقا، وأكثر من الجدل العقيم وزعزع الإيمان وأكثر من الخبث وعوامل الشر وغسل الأدمغة وتخدير العقول عن طريق فرض الثقافة..  والحضارة الغربية بتلميعها في نظر الشباب الذي فتح عيونه على مُعطيات الحضارة الغربية التي بدت خلّابة باهرةً للألباب، خاطفةً للأبصار.

وكلُّ ذلك قام مقام سلاح أشد فتكًا من السيف. وكان هذا الغزو شاملًا ومُمْتَدًّا، فلم يقف عند حدّ، ولم تكن له نهاية؛ فكانت ضرباتُه خطيرةً قاصمةً للظهر، قاضية على معنويات الأمة، فغيَّر مناهج التعليم وفق مناهج غربية، وحال بين الأمم وتاريخها وسِيَر أسلافها، وهيمن على العادات والأعراف، وَرَسَّخَ أفضليةَ الثقافة والحضارة الغربية في نفسيّة الأمم.

لقد كان من نتائج الغزو الثقافي الغربي للأمم، أنّ هذا الغرب أخذ يحارب كل ما هو مخالف للثقافة والفكر الذي يريد ترسيخه في الأجيال القادمة، ونزع كل المفاهيم القديمة، واقتلاع الإيمان بالقضايا والمبادئ والثقة بالذات.

ويحاول أن ينشئ ثقافة العولمة في جميع النواحي ومحو كل ما هو دين ومناهج تعليمية، وطمس كل التاريخ بل وكتابة تاريخ جديد ومن جديد على حسب فكره.

فنشأ عن ذلك ظهورُ أجيال آلت إليها المسؤوليّةُ القياديَّة؛ لكنها صارت فارغةً إيمانيًّا وفكريًّا وغَيرِيًّا، فهانت للغرب السيطرةُ عليها وتسخيرُها لتحقيق أغراضها الاستعمارية بصورة أشمل، وقوة أكثر، ونطاق أوسع.

وكان من المُعطَيات السلبيّة، الخطيرة للغاية، للغزو الثقافي الغربي للعالم وخاصة العربي والإسلامي، التشكيكُ في قدرة هذه الأمم على بناء الحضارة العصريّة المتطوِّرة التي تُواكِب الركبَ الحضاريَّ الحديث؛ والافتتانُ إلى حدِّ بالغ بالمناهج الغربيّة وقوانينها، وبالتالي تقليدُ الغرب واستيراد نُظمه وسلوكياته، مهما كانت متصادمةً مع تعاليم الأمم الأخرى، وانصبَّ ذلك في تمزيق وحدة جميع الدول وخاصة منها دول العرب والمسلمين، وتفكيك أواصر أخوّتهم وعلائق مودّتهم المثاليّة. وكان من أهم مجالات الغزو الثقافي ما يلي:

أولًا: مجال التعليم والتربية

عمل الغزو الفكري الغربي على تغيير المناهج التعليمية وترك كل المناهج القديمة، وغرس وتكريس مفاهيم جديدة تخالف القواعد المبينة على المبادئ ونظريات صحيحة وتغييرها بأخرى تشكِّك في كل ما هو تعليم كلاسيكي، وفرض التعليم “المُعلّب” على عقود البيع والشراء و الربح المادي، حيث وجّه الغربُ عن طريق هذا الغزو إلى جعل الأمم تنساق دون وعي في بوتقة الثقافة الغربية وقالب الحضارة التي طَوَّرَها، فعَمِلَ على ترغيب الأمم تارة وترهيبها تارة أخرى، وربط الاستثمار والدعم الاقتصادي للدول بقبول هذه المناهج، وجلب الشباب المتميّز للالتحاق بمدارسه وكليّاته، وتشجَّعَت الدول في إرسال نخبتها إلى هذه  المدارس والكليات والجامعات التي يتم فيها تدريسُ العلوم العصرية ليتمّ صناعة الأجيال العربية مصوغةً في بوتقة حضارة الغرب وثقافته، وبالتالي إعدادها  لتَوَلِّي القيادة في مجتمعاتها .

ثانيًا: مجال اللغة العربية

عمل الغرب بوسائل متنوعة وحيل ماكرة كثيرة، على محاربة اللغات وخاصة اللغة العربية، تاركا اللغة الإنجليزية تهيمن على العالم باعتبارها وسيلةَ تعبير عالمية وتُدرّس بها جميع المواد العلمية.

كما أنّ للغة الفرنسية نصيب – مع تراجعها – إذ على سبيل الذِّكر في غزو أفغانستان التجأت القوات الأمريكية إلى بناء قواعد عسكرية، ولكن القوات الفرنسية – وكعادتها في كل استعمار للبلدان – التجأت إلى بناء المدارس لتعليم الأفغان اللغة الفرنسية ومناهجها، وهذا دليل على الغزو الثقافي بأنواعه.

ثالثًا: مجال الإعلام

اتَّخذ المنظِّرون لهذا الفكر الاستعماري أعداء الإنسانية وسائلَ الإعلام وسيلةً فعّالةً، لتنفيذ غزوهم الثقافي والفكري، علمًا منهم أنها تعمل في الرأي العامّ ما لا تعمله أي وسيلة أخرى، فشحنوها ببرامج مُدَمِّرَة متّصلة للأخلاق والمروءة والإنسانية. لقد سخّروا كل طاقاتهم الفكرية والمادية لجعل وسائل الإعلام المرئية منها والسمعية وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات التابعة لجعل هذا الإنسان مفصولا عن الواقع، ويمرِّرون له كل الأدوات لجعله مرتبطا بأفكارهم الهدّامة دون تفكير عميق، وجعله يستهلك فقط دون أن يبدع أو يفكر أو ينتج أو يصنع، وبالتالي يكون هذا الإنسان مثل الآلة (روبوت) مجرّد شي للاستعمال فقط.

هذا هو إنسان المستقبل بالنسبة لهم بيدق وعبد يسمع ويطبِّق ويطيع، يتواصل عبر وسائل التواصل ولا يتواصل لا مع أقرانه ولا مع عائلته، وتتفكّك المنظومة ليقع السيطرة عليها بسهولة.

رابعًا: مجال الحياة الاجتماعية

حاول الغرب أن يُدمِّر عمومًا القِيَمَ الخلقية والأخلاق والتقاليد والعادات الموروثة النبيلة، بفرض التيارات الغربية المُدَمِّرَة للحياة الاجتماعيّة، فابتعد أكثر الناس عن عمقهم وأصلهم وعائلاتهم، وتفكَّكت المنظومة الكونية وابتعدت عن الصواب.

أصبح الإنسان لا يعرف الحقيقة للعيش، لأنّ النظام العالمي شتّت الأفكار وسيطر عليها، وأصبحت العلاقات بصفة عامة مُدمَّرة ومُفكّكة، حتى منظومة الزواج أصبحت تعاني من تراتيب غريبة لمسألة التحرّر الفكري التي لا تخضع إلى أيّة نواميس لا دينية ولا عادات مجتمعيّة أصيلة.. فذابت هُوِيَّتهم أو كادت، وامَّحَت شخصيتُهم أو أَوْشكت.

وبما أنَّ الغزو العسكريّ يهدف أصلًا إلى احتلال الأرض، يكون خطره محدودًا نسبيًّا. والغزو الثقافي يهدف أولًا وأخيرًا إلى احتلال العقل والفكر وتغيير النفسيّة؛ ولذلك يكون هو أشَدَّ خطرًا من الغزو العسكري، الذي إنَّما يكون مصدرُ قوته من آليات الإخضاع الخارجي. أمّا الغزو الثقافي فاعتماده الكلي يكون على آليّات الإخضاع الداخلي، الذي يتمّ فيه تعمية الحال وتجميله، فيلتبس على كثير من الناس الذين يندفعون إلى قبوله على أنّه ليس إخضاعًا أو تسخيرًا للذات، فيعودون يعتقدون أنه ليس غزوًا، وإنّما هو طريق إلى المثاقفة والتلاقح المعرفي الثقافي الحضاري الذي لابدّ منه في عصر التنوّر الذي نعيش فيه، والذي صار فيه العالم قرية كونية، يُضطَرُّ سكّانها إلى التبادل الأشمل الأكثر امتدادًا واستيعابًا.

والحقيقة ما قاله العلامة “عبد الرحمن بن خلدون” (732-808هـ – 1332-1406م): “إنّما تبدأ الأمم بالهزيمة من داخلها عندما تشرع في تقليد عدوّها”. أي أنّ الأمة المَغزُوَّةَ غزوًا ثقافيًّا فكريًّا لا مَحَالَةَ تنهزم انهزامًا نفسيًّا وتندفع إلى تقليد الأمة الغازية القاهرة، التي تكون قد فرضت عليها تقليدَها وعاداتها.

إنَّ الغزو الثقافي يَهدِف إلى تخريب المناعة الذاتية لدى الأمة، ومن ثم اعتمد الاستعمارُ الحديث على الغزو الثقافي تاركًا وراءه الغزو العسكري الذي رآه لا ينفعه في دنيا اليوم، ورَكَّز اهتمامه على الغزو الثقافي الاقتصادي الذي جرّبه وأدرك جدواه، ولذلك نرى في عالمنا المعاصر أنّ أمريكا هي الوحيدة التي تتفرّد بقرنها بين الغزو العسكري الثقافي والغزو العسكري الذي تستعين به على تعزيز الغزو الاقتصادي.

فتوجه الاستعمار الحديث إلى فرض الهيمنة الثقافية الاقتصادية السياسية، على العالم وبوجه خاصّ العالم العربي والإسلامي بوجه عامّ، فحاول محاولة مُخَطَّطَةً دائمةً فرضَ سيطرته على مصادر الطاقة والثروات الطبيعيّة، إلى جانب قيامه بالغزو الثقافي والعملية السياسية المتشابكة في داخل البلاد العربية التي بَدَت مستقلة ذات سيادة حُرَّة؛ ولكنها في الواقع ظلت محكومة من قبل الاستعمار الغربي.

لقد كان الغز والثقافي أو الفكري الغربي أخطر من جميع أنواع الغزو الغربي. وكل ما نراه من المفاسد المُدمِّرة في العالم وخاصة العربي والإسلامي، التي جَرَّدَت المسلمين من معنوياتهم، وجعلتهم جسدًا بلا روح أو هيكلًا خشبيًّا لا يُؤَدِّي دورًا في الحياة، إنما هو نتيجة لهذا الغزو الذي أحكم اليوم قبضتَه، وعَزَّزَ سيطرته، واستعبد العقول، وسَخَّرَ القلوب، وخَدَّر وعيَ المثقفين بالثقافة الغربية والقادة والحكام الذين يحكمون البلاد على وحي من الغرب، وإملاء غير مباشر من هذا الغرب الذي يُخطِّط دوما للاستحواذ على مقدرات البلدان والشعوب وابتزازهم وجعلهم فقراء ماديا وفكريا وجهلة.

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا