الفلسطينيّة.. امرأة ليست مثل نساء العالم

منذ عام النكبة، تحمَّلت المرأة الفلسطينية مسؤوليات كبرى في مواجهة الكيان الصهيوني، فهي الولاَّدة التي أنجبت وتُنجب الأجيال تلو الأجيال لمجابهة الكيان الصهيوني. وهي امرأةً ليست كباقي النساء في العالم، تعيش فرح الولادة، وفي الوقت نفسه تعيش آلام فقدِ الأبناء. وهي حاملة الثقافة والتراث وجسر التواصل بين الأجيال.. وهي أيضًا، المناضلة والمقاومة في كل الجبهات وبكل الأسلحة والأدوات..

ربَّما نحتاج إلى قلب أمٍّ فلسطينيَّة للكتابة عن المرأة الفلسطينية في البيت، وجبهات القتال، في ميادين النضال، في الإبداع والمحافظة على الثقافة والتراث.. والرّوح الفلسطينية. وربّما نحتاج إلى اختراع لغةٍ خاصة للحديث عن المرأة الفلسطينيَّة، فرغم أنَّ اللغة العربية هي أعظم لغات العالم وأكثرها قدرة على التَّعبير فإنَّها تبدو عاجزة عن التَّعبير عن هذه المرأة “الاستثنائية” في تاريخ البشريَّة.

توجّهت جريدة “الأيام نيوز” إلى نخبة من الكُتّاب العرب بهذا التساؤل: ما هي رؤيتكم حول المرأة الفلسطينية وحياتها اليومية “الملحميّة” في الصمود والمقاومة وتكوين الأجيال المرتبطة بهويّتها وأصالها وجذورها الفلسطينيّة؟ فتدفّقت الإجابات بلغة مشحونة بالعاطفة والانفعالية، وبدا أنَّ اللغة العربية يُمكنها أن تخون أصحابها ممّن يشتغلون بها عندما يتعلّق الأمر بالمرأة الفلسطينيّة! ولا عجب فهذه المرأة هي كائنٌ إنسانيٌّ أسطوري يصعب توصيفه والدخول في عوالم يوميّاته ومدارات أعماقه النّفسية والفكريَّة.. حتى الخيال يصعب عليه أن يُشكّل صورًا لامرأة اجتمعت فيها معاني الأرض والوجود والماضي والحاضر والمستقبل والثورة والتضحية والمقاومة والفرح والحزن..

المرأة الفلسطينيَّة هي قاموس من المعاني قائمٌ بحدّ ذاته، وعمرٌ واحدٌ لأيّ كاتبٍ لن يكفيه لاكتناه ذلك القاموس والغوص في كل معانيه التي لا تقوى الكلمات على حملها، فهي معاني تتجسَّد على أرض الواقع بأبجديّة مجبولة من تراب فلسطين.. وعلى الكاتب أن يعيش معاني المرأة الفلسطينية حتى يستطيع الكتابة عنها بعمق وقوّة وبلاغة، لذلك نعتقد بأنَّ الفلسطينيَّة تكتب عنها المرأة الفلسطينيَّة، وكل كتابات أخرى عنها تبقى مجرّد محاولات للكتابة!

ومن في وسعه أن يتقمًّص هذه المرأة فيكتب عنها.. وهي الأمّ والأخت المجاهدة الشهيدة الأسيرة العاملة في كل ميادين الحياة، وهي أيضًا أمّ وأخت الشهداء والمجاهدين والأسرى.. تُنجب مولودًا في الصبّاح وتُشيِّع ابنًا في المساء، وفي الحالتين هي تستقبل الحياة والموت بالزَّغاريد.. ربّما علينا أن نتساءل: كم قلبًا تمتلكه المرأة الفلسطينيَّة في صدرها، فقلبٌ واحدٌ لا يتّسع لكل المآسي والآلام والأهوال التي تعيشها يوميًّا؟ إلاّ إذا كان هذا القلب هو كونٌ قائمٌ بذاته، فيه مجرّات وشموس وكواكب وسماوات وثقوب سوداء…!

 

انتصار الدنان
د. انتصار الدنان (شاعرة وإعلامية فلسطينية من لبنان)

تحدّيات المرأة الفلسطينية في مواجهة الحروب

بقلم: د. انتصار الدنان (شاعرة وإعلامية فلسطينية من لبنان)

هنّ لسن من خلقٍ آخر، لكنهن يختلفن بصمودهن أمام غطرسة الاحتلال الصهيوني، فمنذ عام النكبة 1948 تعاني المرأة الفلسطينية من وجود الاحتلال، لأنَّها جزء لا يتجزأ من معركة الصمود والتحدي في ظل الحروب المتكرّرة والتحديات الاجتماعية التي تُفرض عليها.

على مر سِنَّي الاحتلال لفلسطين، شاركت المرأة بشكل فعّال في الحروب التي شهدتها فلسطين، وعلى الرغم من ذلك، فإنَّ المرأة الفلسطينية تعاني من التحديات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، غير أنّها لا يمكن إلاّ أن تواجه هذه التحديات جميعًا بإرادة صلبة، لقناعتها الراسخة وإيمانها بقضيتها الفلسطينية العادلة.

من التحديات التي تواجهها المرأة الفلسطينية الاحتلال الصهيوني بحدِّ ذاته، الذي يعيق حرية حركتها، ويفرض قيودًا على حقوقها الأساسية، كحرية التنقّل والحصول على الخدمات اللاّزمة والأساسيّة، كما تواجه العنف والاعتقال، ما يعرِّضها للعنف الجسدي والجنسي من قبل عناصر الاحتلال، كما تواجه اعتقالات تعسُّفية. كما تواجه المرأة الفلسطينية التهميش الاجتماعي والاقتصادي، كفقدان فرص العمل المناسبة، وتحديات في التعليم والصحة، والتمييز الجنساني.

كما تواجه المرأة الفلسطينية تحديات في الحفاظ على الهوية الثقافية، الحفاظ على هويتها وثقافتها في ظل التغيرات السياسية والاجتماعية الطارئة، ويظهر صمودها أمام كل تلك التحديات بوضوح بحسب دورها الفعّال الذي تقوم به في بناء المجتمع، والمساهمة في تخطّي الصعاب، وعليه، فإنّ المرأة الفلسطينية تظل رمزًا للصمود والإصرار والقوة في وجه الظروف الصعبة التي تعيشها في حياتها اليوميّة.

بالعودة إلى ما يحصل في غزّة، بعد حملة الإبادة والتطهير العرقي الذي يقوم به الاحتلال ضد غزّة وأهلها، منذ ستة أشهر وما يزيد، تتعرّض المرأة الفلسطينية ( الغزّية) إلى العديد من الانتهاكات، حيث تم اعتقال عدد من النساء وصل عددهن إلى مائتي امرأة وفتاة في غزّة، ومئة وسبعة وأربعين امرأة، ومائتي وخمسة وأربعين طفلًا في الضفة الغربية، وتم احتجازهن تعسفيًّا في ظروف قاسية وسيئة جدًّا، وتم تعريتهن من ملابسهن وتصويرهن في أماكن احتجازهن ونشر تلك الصور، والعبث بملابسهن الداخلية، وظهر ذلك من خلال نشر مقاطع مُصوَّرة لجنود “إسرائيليين” يقومون بالعبث بملابسهن الداخلية التي وجدوها في بيوت الفلسطينيين التي عبثوا بمقتنياتها بعد أن قاموا باحتلالها، لذلك، عملت جمعيات تختصُّ بحقوق النساء بالمطالبة إلى حماية النساء الفلسطينيات، وفكّ أسرهن.

المرأة الفلسطينية كسائر أفراد المجتمع، لكن معاناتها تكون مضاعفة أثناء الحروب، وتحديدًا في غزّة، في ظل حرمان مُدقع من كل عناصر الحياة، وحرمان من إدخال المواد الغذائية والطبية وغيرها من المستلزمات التي تحتاجها المرأة، فمعاناة النساء في غزّة منذ بداية الحرب، خاصة على الصعيد الإنساني والخدماتي كبيرة جدًّا، بدءًا من عدم توافر الفوط الصحية والأدوية والمستلزمات الصحية، كذلك ندرة المياه بسبب تدمير البنية التحتيّة، والحوامل منهن من كُنّ عرضة للولادة المبكرة، كما كان يتمّ إجراء عمليات قيصرية لهن دون تخدير أو أدوية مسكنة، أو للاجهاض ومضاعفاته دون القدرة على المتابعة الطبية ما يجعلهن عرضة لخطر العدوى والمضاعفات الطبية حيث تم إغلاق 14 مستشفى و45 مركزًا للرعاية الصحية الأولية خلال شهر واحد، هذا عدا عن الرعب الذي كنّ ومازلن يشعرن به بسبب القصف المستمر والتّهجير القسري والتجويع.

برغم مرور ستة أشهر على الحرب، وورود معلومات عن حصول انتهاكات بحق النساء إلى المقرّرة المستقلة بمجلس حقوق الإنسان المعنية بالعنف ضد النساء والفتيات، “ريم السالم”، التي لم تستطع هي أو آخرين منهن الممثِّلة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي في حالات النزاع “باميلا باتن”، زيارة القطاع بسبب تجاهل الكيان الصهيوني طلبهن.. ما زال الاحتلال يقوم بأبشع الممارسات الوحشية ضد النساء الفلسطينيات، وهي ليست جديدة، فهي جزء لا يتجزّأ من البنية الأساسية للاستعمار الاستيطاني لإجبار أصحاب الأرض على تركها أو إبادتهم، ويندر أن تصل النساء إلى العدالة تحت وطأة هذا الاحتلال العسكري.

فهذه الجرائم التي تحصل أمام مرأى الجميع، التي تتعرض لإنسانية المرأة الفلسطينية، تواجهها المرأة الفلسطينية بصلابة، علمًا أنَّ تداعياتها ستكون كبيرة جدًّا، وستكون لها آثار نفسية وجسدية بالغة، وتداعيات مجتمعية متوقعة على النساء، نظرًا لما عشنه من إرهاصات.

ليس النضال جديدًا على المرأة الغزيّة التي كانت وعلى مدى عقود، حاضرة في كل المعارك، وسجَّلت تاريخًا حافلًا بالتضحيات والبطولات، واليوم، تكمل الدّرب الذي بدأته منذ عشرات السنين، لتثبت للعالم أنَّ الفلسطينية تستطيع التعايش مع الظروف القاسية والتحديات التي تفرض عليها، مع استمرار آلة القتل والدمار والحرب على قطاع غزّة، وما زالت تتحدى كل الصِّعاب في ظلّ انعدام أدنى مقوِّمات الحياة، من طعام وشراب ومسكن وكهرباء ومياه..

 

بسمة باباي
د. بسمة باباي (أستاذة محاضرة وباحثة في علم المناعة والجينات من تونس)

حكاية امرأة فلسطينيّة اسمها “رهام”

بقلم: د. بسمة باباي (أستاذة محاضرة وباحثة في علم المناعة والجينات من تونس)

المرأة الفلسطينية التي تخوض في كل يوم معارك الحياة وحيدة، وفي عز خذلانها وصدماتها لم تخرج إلى العالم لتتسول التَّعاطف وتلطم كالضحية، بل كتمت أوجاعها ولم تطلب المساعدة سوى من الله…

حدّثتني “رهام”… قالت:

منذ ابتعدت الطائرة الزنَّانة كثيرًا عن بيتها، إلاّ وضجّ المكان بآليات جيش الاحتلال، فجّروا أبواب المنزل، اقتحموه بالعشرات، صوَّبوا البنادق على الأطفال، بحثوا في كل شيء، وفتشوا كل شيء، لم يجدوا “غسان” زوجها الذي أمضى أكثر من 16 عامًا في الاعتقال، وجلّها كانت اعتقالات إدارية متكرّرة. سحبوا “مينا” الصغيرة من يدها كي يضربوها، فأبت وكأنَّما تحتمي بها، فضربوها وضربوا ابنتها، هدَّدوها بتفجير المنزل واعتقالها إذا لم يسلِّم زوجها نفسه لسلطات الاحتلال، كسّروا محتويات المنزل الذي انتهت من بنائه وتجديد أثاثه قبل شهرين فقط. حرقوا الصُّور والذكريات، دمَّروا كل شيء سوى الصمود والكرامة.

“هذه المرة تختلف”، تقول “رهام”. لقد هدَّدوها بقتل زوجها وتفجير منزلها! لقد صرخوا بوجهها وسخّروا كل الكلمات النابية لترويعها، لقد ضربوها على رأسها بالبندقية وتوعّدوا بتكسير رأسها في المرة التالية، توعّدوها بالانتقام لما حدث في 7 أكتوبر! إنّها رأت في أعينهم الحقد والرغبة في الثأر والانتقام.

تماسكت “رهام” أمام الجيش وأمام أبنائها. ولكنَّها بكت طويلاً عندما احتضنها زوجها الذي قدم للاطمئنان على عائلته بعد خروج الجيش من المخيَّم.

وعلى عكس ما هدف إليه الجيش من ترويعها لإجبارها على الضغط على زوجها من أجل تسليم نفسه، طلبت من زوجها عدم تسليم نفسه. قالت له: إنهم سيقتلونك. إنَّهم حاقدين وفي أعينهم الغدر والحقد. وأضافت قائلة له: “لا نريد أن نراك شهيدًا كما استشهد أخوك معتز.. ولا نريد أن يصوِّرك هذا الجيش الهمجي وأنت عارٍ كما فعلوا مع الأخرين، ولا نريد أن يجبروك على حمل العلم (الإسرائيلي) وأنت الذي ناضلت كل هذا السنين من أجل الحرية والاستقلال”.

نزحت “رهام” من بيتها في مخيم “الدهيشة” إلى بيت أخر في المخيم كي تبتعد عن مواجهة اقتحامات الجيش المتكرَّرة لبيتها.

وهكذا تعيش المرأة الفلسطينية يومياتها بشغف روح مشتعلة، حتى احترقت وأصبحت رمادًا، ثم بُعثت من الرماد كطائر خرافي مُبهرٍ منطلق، لا أحد يستطيع إيقافه…

إنها امرأة تحارب دون هوادة ظُلمات العالم وظُلماتها، وتخرج دومًا من جحيم أعماقها حرة، لا تُباع ولا تُشترى، قوية ولكن بقلبٍ يتفجّر عطاءً.. جاذبيّتها كهالة نور نابعة من بواطن روحها المتمرِّدة على نفاق العالم بأسره.

المرأة الفلسطينية شخصيتها المميزة الأصيلة تجعلها محطّ أنظار الجميع. تعلَّمَت أن تحلِّق وحيدة كالصقر، أن تصنع من أشدِّ آلامها أدراجًا ترتقي بها إلى الآفاق الجديدة، ولن تخرج من مخاضات الحياة إلاَّ كفراشة ملوَّنة لا ترضى سوى بجنَّة تستحقها.

 

مريم المصري
مريم المصري (كاتبة وباحثة من نابلس – فلسطين)

صورة المرأة الفلسطينية في الشعر العربي الحديث…

بقلم: مريم المصري (كاتبة وباحثة من نابلس – فلسطين)

آثرت المرأة الفلسطينية دينها ووطنها على كل شيء؛ إذ قدّمت روحها فداءً للأرض وترابه، فكانت شاهدًا حيًّا في التاريخ الفلسطيني في دفاعها عن فلسطين ومقدَّساتها؛ إذ قدّمت أغلى ما تملك فداءً من لحمها ودمها.. فداءً له، فتمتّعت برباطة الجأش، وقوة الاندفاع، والإيمان الكبير بحتمية النصر، في عيشها بكرامة، وحرية على أرضها، فمثلت راية في احتضانها الموتَ، تقاتل في وجه الأعداء.

برزت الأم الفلسطينية في صورتها المختلفة، فهي الأم، والأخت، والابنة، والزوجة؛ إذ كانت تسير جنبًا إلى جنب مع الرجل في كل الأحداث التي تقع على أرضها من قتل وتشريد وأسر ومعاناة.

سلَّط الشعراء اهتماماتهم على صورة المرأة الفلسطينية في شعرهم، وأظهروا فضاءات تضحياتها في سبيل تحرير الوطن.. رسم نصّ الشاعر الشعري “توفيق زياد” (على جذع زيتونة) معاناة الشعب الفلسطيني من سياسة الاحتلال؛ إذ يقول الشاعر:

لأني لا أحيك الصوفَ

لأني كل يومٍ عرضةً لأوامرِ التوقيفِ

وبيتي عرضةً لزيارةِ البوليسِ

والتفتيشِ “والتنظيف”ِ

لأني عاجزٌ أن أشتري ورقًا

سأحفرُ كلَ ما ألقى

وأحفرُ كلَّ أسراري

على زيتونةٍ

في ساحةِ الدارِ!!

يكشف المقطع الشِّعري السّابق عن تحوير لغوي مُستمدّ من التناص التاريخي، وهوم تناصّ تخالفي، يشير إلى شخصية “مادام لافارج التي كانت تحيك بالصُّوف أسماء من خانوا الثورة الفرنسية لفرض معاقبتهم بعد انتصار الثورة”، وهنا مفارقة بين صورة “مادام لافارج” وصورة المرأة الفلسطينية التي تحيك معاناتها وألمها من ظلم الاحتلال وسياسته القاسية بحق شعبها الفلسطيني؛ “إذ يكشف التّناص عن مفارقة زمنية مذهلة؛ مفارقة بين زمن مُثقل بالعار والهزيمة والخذلان، وزمن حافل بالمجد والصبر والعنفوان”.

وتظهر الأبيات الشِّعرية السّابقة عجز الشاعر عن شرائه ورقة ليسجِّل عليها معاناته، فهو سيحفر على شجرة الزيتون معاناة الفدائيين، لتبقى ذكراها مخلَّدة على مرِّ السِّنين؛ إذ اتّخذ الشاعر شجرة الزيتون رمزًا في أبياته الشعرية؛ لأنَّها تدلّل على الأصالة والاستقامة والقوة والتحمل. في صورة المرأة التي تحيك أحداث بلادها بغصن زيتون بين يديها؛ إذ تحيلنا صورة المرأة في المقطع الشعري إلى كل امرأة فلسطينية تدافع عن أرضها تنشد الحرية والسلام، وترمز إلى الأصالة والعراقة؛ إذ ترسم المرأة أحداث بلادها لا يخيفها الاحتلال وإجراءاته بحق الشعب الفلسطيني.

ويصور الشاعر “ناصر القواسمي” في قصيدته (مريم) لامرأة في ريعان شبابها تمسك جذع شجرة زيتون بين يديها، وتلبس ثوبًا فلسطينيًا، وخلفها شجرة زيتون؛ إذ يصوِّر تجاعيد اليد التي تُحيل إلى مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال، وتُحيل شخصية (مريم) إلى التراث الضارب في فلسطين الدالّة على القوة والتحمّل والانتصار، كما يناظر احتضانها لجذع الزيتون الدّفاع عن أرض فلسطين وحق العودة، فهي دين عليها لإنقاذها من العدو، يقول الشاعر:

يَا مَرْيَمُ

يَا مَرْيَمُ البكْرُ

اُحْرُسِيه

إِنَّ الغُصْنَ وَإِنَّ قُصَّ

تَعَالى عَلَى الرِيحِ

وَهذا الزَيْتُونُ فِي يَدَيْكِ

إِنْ شَاءَ تَعَمَّدَّ بِالمَاءِ

أو شئتِ أن تَبُوحِي

وَأَنْثِرِي عَلَى الفُقَرَاءِ بِلَادًا

يَكَادُ زَيّتُهَا يُضِيءُ

إِذَا ما تَغَمَّسَ بِالرُوحِ

هِيَ آخَرُ الجِهَاتِ فِي يَدَيْكَ

هُزِّيهَا أَيّا مَرْيَمُ

لِنَسْتَرِيحَ قَلِيلًا

وَتَسْتَرِيحِي

يشكِّل النصّ الشِّعري نبضًا دلاليًّا؛ إذ تدلُّ لفظة (مريم) في المقطع الشعري على الصّبر والتحمّل، وجاء تكرار لفظة (يا مريم) تكرارًا عميقًا يدل على المقاومة والثبات؛ لأنَّ أسطَرَة الشخصية الفلسطينية ترتبط دلالاتها بالأرض على المدى القريب والبعيد.

ويفتتح الشاعر نصه الشعري بعبارة (يا مريم) وهو عنوان النص الشعري نفسه، وحرص على تكرار جملة النداء (يا مريم) في أشطره الشعرية؛ لأنّها تضيف قيمة معنوية ونفسية عالية، يقول الشاعر في قصيدته: “يَا مَرْيَمُ \ يَا مَرْيَمُ البكْرُ\ اُحْرُسِيه”، فالمفاصل الدلاليّة للنصّ الشِّعري تقوم على انبعاث متجدد في مسيرة (مريم) النِّضالية، ووظّف الشاعر في مقطعه الشعري الفعل المضارع في قوله: “تعالى على الريح” ليدلِّل على عدم الخضوع والاعتزاز بالمقاومة وقوتها أمام الاحتلال.

جاء نداء الشاعر في المقطع الشعري بـــ (يا مريم) وهو نداء للقريب؛ إذ يطلب الشاعر في أبياته السابقة أن تحرس جذع الزيتون المتمثِّل بأرض فلسطين، ويصفه في قوله: “إِنَّ الغُصْنَ وَإِنَّ قُصَّ \تَعَالى عَلَى الرِيحِ”. يصوِّر الشاعر غصن الزيتون القوي على الرغم محاولة اليهود اجتثاثه إلاَّ أنَّه قوي أمام ظلمهم وقتلهم للشعب الفلسطيني، ويرمز الغصن في المقطع الشعري السابق إلى تهجير الشعب الفلسطيني عن أرضهم.

ويظهر استدعاء الشاعر في قوله: “وَأَنْثِرِي عَلَى الفُقَرَاءِ بِلَادًا\ يَكَادُ زَيتُهَا يُضِيءُ\ إِذَا ما تَغَمَّسَ بِالرُوحِ\ هِيَ آخَرُ الجِهَاتِ فِي يَدَيْكَ” تناسبًا دلاليًّا واضحًا مع السِّياق الشعري، فهو “لا يستحضر المواقف الدينية من أجل سردها في النص؛ بل يختار منها مواقف مشعّةً مضيئة تنبض بالحيوية، فيعيد صياغتها لتتناغم مع التجربة الشعرية المعاصرة”؛ إذ يُحلينا قول الشاعر إلى الآية الكريمة في قوله تعالى: “زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ” (النور: 35). ولا تخفى دلالة الأمل في خطاب الشاعر لمريم حينما طلب منها أن تنثر على الفقراء بلادًا، وهي دلالة على معاناة الشعب الفلسطيني في شتاته ومنفاه، فهو كالزّيت الذي يضيء المصباح ويشعل حسّ المقاومة في روح الفلسطيني، ويناظر سياق الآية الكريمة في نفس الشاعر حتميّة العودة وتحرير الأرض.

ويُحيلنا قول الشاعر: “هُزِّيهَا أَيّا مَرْيَمُ\ لِنَسْتَرِيحَ قَلِيلًا\ وَتَسْتَرِيحِي” إلى قصة السيدة مريم – عليها السلام – في قوله تعالى: “وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا” (مريم: 25)، ولا تخفى الحاجة إلى الاطمئنان في سياق حضور المخاض للسيدة مريم – عليها السلام – وهي بعيدة عن البشر تحت شجرة النخيل، ويبدع الشاعر في توظيف الآية في سياقه الشعري، متّخذًا من نسيج القصة مفصلًا دلاليًا مغايرًا لحدثه الشعري؛ لأنّ دلالة هزّ جذع الزيتون في المقطع الشِّعري السّابق يُحيل إلى المقاومة والانتفاضة، وهنا يقابل الشاعر بين هز السيدة مريم – عليها السلام – لجذع النخلة في سياق الاطمئنان والأمان، وهزّ مريم في القصيدة لجذع الزيتون في سياق المقاومة والحرية.

وتأسيسًا على ما سبق، يمكننا القول، إنَّ صورة المرأة في الشعر الفلسطيني الحديث لم تأت على أساس تقليدي نمطي؛ بل جاءت مُكتسية لملامح إنسانية ووطنية، هدفت إلى ترسيخ معاني التضحية والصبر والمقاومة في وجه الأعداء.

 

رولا خالد غانم
د. رولا خالد غانم (كاتبة من طولكرم – فلسطين)

المرأة الفلسطينيّة ما بين ثقل المسؤوليّة وسموّ الرّسالة

بقلم: د. رولا خالد غانم (كاتبة من طولكرم – فلسطين)

الزّمن ليس مجرَّد وقت نعبر من خلاله ضمن حركاتنا، وإنّما هو بمثابة سجلّ يترقّم عليه كلّ إيقاع يرنّ في وجودنا، ويكتب هذا الإيقاع بأسلوب ليس مسبوقًا.. أشياءنا وحياتنا وأدوارنا، سواء من خلال أصوات أو مواقف أو أقلام نحن نختار ألوانها، ومن ضمنها اختيارنا لطبيعة تفكيرنا وفهمنا للعالم، وطريقتنا في المضيّ داخله باعتباره السّيل الذي لا يتوقف ولا يترك أحدًا يتجاوزه سوى الأحرار والمبدعون والثائرون.

وتعدّ مشاركة المرأة مقياسًا لتقدّم الشّعوب ورفعتها، فهي مكوّن أساسي من مكوّنات المجتمع بل هي أساس المجتمع، لأنّها مربيّة الأجيال وصانعة الرّجال، فهي الأمّ التي تبني وتربّي، ومتى صلُحت الأمّ صلُح المجتمع، وإذا كانت “دو بونغ سون” المرأة الكوريّة الناشطة السياسيّة والكاتبة الثوريّة الأكثر شهرة في النصف الأول من القرن العشرين رمزًا للقوّة والصّمود ومضرب مثل في المثابرة والنجاح، وإذا كانت “جميلة بوحيرد” المقاومة الجزائريّة ضد الاستعمار الفرنسي في أواخر القرن العشرين رمزًا للنضال والتحدّي، فإنّ هناك نساء فلسطينيات صانعات للمجد والتّاريخ، من خلال المواقع والأدوار التي شغلنها.

فالمرأة الفلسطينيّة تشكّل نحو نصف المجتمع، وتحتلّ مكانة عظيمة بين النساء العربيات لما قامت وتقوم به من أدوار سواء على الصّعيد السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الإبداعي، فهي تتمتّع بصفات تجعلها تتميّز عن أيّ امرأة عربية منها: الصمود في وجه التحدّيات والمصاعب، والقدرة على تحمّل المسؤوليات بقوة العزيمة والإرادة والثقة بالنفس والشخصيّة القويّة، هي مدرسة تبني وتؤسّس أجيالاً ناجحة وأبطالاً لا يهابون شيئًا، هي صانعة للمستقبل لما تمتلكه من رؤى بنّاءة من أجل نهضة مجتمعها، هي صانعة للأحلام التي ترعاها وهي تربّي أبناءها على التفوّق والتميّز في كافة الميادين، هي أمّ الشهيد الصابرة المحتسبة، وأمّ الأسير المرابطة، وهي الثّائرة والمبدعة منذ عشرات السنين.

وقد كانت أوّل مشاركة للمرأة الفلسطينيّة في ثورة للشّعب الفلسطيني ضدّ الانتداب البريطاني في27 فبراير/ شباط 1920 حيث تظاهرت في قلب مدينة القدس، وكانت من ضمن الوفد الذي التقى بالمندوب السّامي من أجل إلغاء “وعد بلفور”، فهي شريكة للرّجل حتّى في النّضال السياسي والعسكري.

لقد لعبت المرأة الفلسطينية دورًا محوريًّا وعظيمًا في مسيرة النّضال، ومن أبرز القياديّات الفلسطينيّات وما قمن به: السيدة “زليخة الشّهابي”، أحد أهم نساء العمل النّسائي الوطني قبل إعلان كيان الاحتلال الصهيوني بعقدين من الزمن، وهي مؤسسة أول اتحاد نسائي فلسطيني، ومشارِكة في تأسيس منظمة التّحرير الفلسطينيّة، وقد سطرت بصمودها وعنفوانها أسمى آيات النضال، ومهّدت لمرحلة جديدة فتحت المجال لمساهمة المرأة الفلسطينيّة بجديّة بعد أن كانت مُحيّدة؛ بسبب معتقدات ومفاهيم وعادات تأصّلت في المجتمع الفلسطيني المحافظ، ومن الجدير بالذّكر أنَّ “الشّهابي” أُبعِدت عن القدس عام 1968.

ومن النّساء الفلسطينيّات اللواتي رسخ اسمهن في عقول الفلسطينيين، المناضلة “دلال المغربي” التي وُلدت في مخيم اللاجئين “صبرا” الذي لجأت إليه في أعقاب النّكبة، هي وأسرتها، لتعيش المعاناة وتحمل فكرًا ثوريًّا أدَّى بها إلى القيام بعمل فدائي يعجز الرجال عنه بإقدام وشجاعة لم يسبق لها مثيل، فقد قادت عمليّة خطف جنود عام 1978؛ ممّا أدّى إلى مقتل أكثر من ثلاثين “إسرائيليًّا”.. لتستشهد برفقة مقاومين شاركوا معها هذا العمل البطولي النّوعي.

ومن النّساء الفلسطينيّات المناضلات، “ليلى خالد” وهي عضو في الجبهة الشّعبية لتحرير فلسطين، وقد قامت بخطف طائرة زلزلت الكيان وأثارت الرعب في قلبه.

ومن النّساء اللواتي سطَّرن أروع الملاحم البطولية أيضًا، “شادية أبو غزالة”.. أوّل شهيدة بعد النّكسة، أمّا فيما يتعلّق بالحركة الأسيرة، فقد كان للنّساء الفلسطينيّات نصيب في الأسر، حيث تمّ أسرهنّ إلى جانب الرّجال، حتّى أنهنّ قمن بتنظيم إضراب جماعي عن الطّعام عام 1970 وفي شهر نيسان؛ للمطالبة بوقف التّهجم عليهن وامتهان كرامتهنّ، والكفّ عن عزلهنّ الانفرادي.

وما زالت المرأة الفلسطينيّة تُعتقل لغاية الآن، كالأسيرة المحرّرة “خالدة جرار” الناشطة النسوية اليساريّة وعضو المكتب السّياسي للجبهة الشّعبية لتحرير فلسطين، والنّاشطة السّياسيّة “أمان نافع” زوجة الأسير “نائل البرغوثي” التي تعرّضت للضّرب والتّنكيل، وغيرها من النّساء سواء من غزّة أو القدس أو الضّفة الغربيّة أو الدّاخل المحتلّ.

وقد بلغت حصيلة حملات الاعتقال في صفوف النّساء بعد السّابع من أكتوبر نحو (258) تشمل هذه الإحصائية النّساء اللواتي اعتقلن من الأراضي المحتلة عام 1948، وغزّة والضّفة.

وفي هذه الآونة أي خلال معركة “طوفان الأقصى”، قامت المرأة الفلسطينيّة بمهام عدّة منها: إسعاف المصابين والجرحى، وتعزيز صمود المقاومين، ورصد الأحداث وتوثيقها ونقل صورة ما يجري إلى العالم، وإغاثة الشّعب الفلسطيني من خلال إطلاق المبادرات الإنسانية، وتشييع أبنائها من الشّهداء برباطة جأش ورضا بالقدر، والتّعبير عن مشاعرها ومشاعر شعبها من خلال أعمالها الإبداعيّة.

فلدينا مبدعات عصيّة الذّاكرة على نسيانهنّ منهن: الشّاعرة “فدوى طوقان” التي جسّدت بشِعرها معاناة الشّعب الفلسطيني واستقطبت حلفاء لقضيتنا، ولدينا روائيّات مثل: سحر خليفة، ديمة السّمان، د. رولا خالد غانم.. كلّ واحدة من هؤلاء ساهمت في الدّفاع عن الشّعب الفلسطيني في سبيل حرّيته، ونهضته وتنميته ورفعته حسب مجال تخصّصها.

وعلينا ألاّ ننسى أنّ لدينا مثقفات وفنّانات في مجال المسرح والسّينما من أمثال “ريم التلحمي”، وفنّانات تشكيليات مثل “تمام شمّوط”، ومغنّيات صدح صوتهنّ باسم فلسطين مثل ابنة الناصرة الرّاحلة “ريم بنا” التي حملت همَّ القضيّة الفلسطينية تاركة بصمة وإرثًا للأجيال، و”عبير صنصور”، ابنة مدينة “بيت لحم” التي عزفت على العود وغنّت للأرض والحريّة والجمال.

النّماذج كثيرة لا تكفيها مقالة واحدة، ومسيرة عطاء وإبداع ونضال المرأة الفلسطينيّة مستمرّة فلم ينل العدوّ من عزيمتها، هي تستحقّ تسليط الضوء عليها ومنحها مساحة أكبر في جميع المؤسّسات والمراكز منها مراكز القيادة؛ لأنّها إن تبوّأت منصبًا أبدعت وأخلصت، وإن توفّرت لديها الأدوات أذهلت وأنتجت.

 

طلاس عبد الرحيم
طلاس عبد الرحيم (كاتب وإعلامي من سوريا)

الفلسطينيّاتُ أمّهاتُنا بعدَ أمهاتِنا… اللّانهائيّات!

بقلم: طلاس عبد الرحيم (كاتب وإعلامي من سوريا)

شهيدةٌ، وأمّ شهيدٍ، وبنت شهيدٍ، وأخت شهيد، وزوجة شهيد، وحفيدةُ شهيدٍ، وحبيبة شهيد، وأسيرةٌ، وأمُّ أسيرٍ، وابنةُ أسيرٍ، وأختُ أسيرٍ، وزوجة أسيرٍ، وحفيدةُ أسيرٍ، وحبيبةُ أسير…

في أيامنا هذه وعلى مدى أكثر من سبعين سنة، هذه الأدوار لا يمكنُ سوى لامرأة واحدة أنْ تجسّدها حقيقة حيّةً أمامَنا، هي المرأة الفلسطينية.

فمنذُ أن خلق اللّه الثوراتِ، لعبتْ النساءُ دورًا بطوليًّا في كلّ جولاتِ الحروبِ، فمِنْ أمٍّ صابرةٍ ومُلحّة على أبنائها إلى زوجةٍ تربّي أولادها أنّ الوطنَ رديفٌ لوالدكم فلا تتركوه يبكي وحيدًا أو يُسلب منكم، ومن أيّام “زليخةَ الشّهابي” والاتحاد النسائي الفلسطيني عام 1921 مرورًا إلى أحداث النكبةِ ومن بعدها النّكسة والبطولة التّي سطّرتها “شادية أبو غزالة” أوّل شهيدةٍ بعد النّكسة، و”ليلى خالد” تلك الشابّة الفدائية والطائرة التّي اغتنمتها من الاحتلال، وصولاً إلى القسّاميّة “ريم صالح الرّياشي” أمُّ الرّضيعينِ شهيدة حي الزيتونة في غزّة.. وآلافُ النّساء اليوم في غزّة وغيرها من مدن فلسطين الحبيبة ممّن عرفنا ومنْ لم نعرف، هذه النساءُ تربِّي الأوطانَ، هذه “النساءُ كالنّوارسِ، إذا ظهرن، فالمكان آمن”.

المرأة الفلسطينية التّي حمّلها زوجها الشّهيد أو الأسير مهمّة بناء الجيل من بعده، حتّى أصبحَت تنشئةُ الأولادِ وتربيتهم وصقلهم وتنمية ذواتهم عادةً لكلِّ أمّ فلسطينية، فصار الأبُ الشّهيدُ أو الأبُ الأسيرُ هو الفكرةُ التّي تُزرعُ في القلوبِ وفي العقولِ، والأمُّ هي سبيلُ أطفالها لجني ثمارِ هذه الفكرة.

إذا تحدّثنا عن نساء فلسطين قد نُتّهمُ بالتّحيّز لهنّ على حسابِ الملايينِ من نساءِ عالمنا العربيّ، لكنّ الحديث لا يقتصرُ عن خنساءٍ واحدة بلْ عن وطنٍ من الخنساوات، بلدٍ من الثكالى، إذ لا يمكنُ تصوّرُ أنّ الفلسطينيّاتِ على مرِّ هذهِ العقودِ، يشبهنَ غيرهنَّ من النساءِ الأخرياتِ، وحدها الفلسطينيّة – تحتَ هذا الضّغط – تتحمّلُ إنجابَ طفلٍ ربّما يمسي شهيدًا، وحدها الفلسطينيّة تقاتلُ لأجلِ أنْ تَلِدَ مقاتلاً، وحدها الفلسطينيّةُ تعاندُ الموتَ فتزرعُ أوطانها في البيوتِ، وتحبو البلادُ على حضنها، وحدها الفلسطينيّةُ تحملُ في صرّتها ترابًا يسافرُ معها، وحينَ تشتاقُ تمدّهُ في حجرها، وتزرعُ فيهِ خصلةً من شعرها، فينبُتُ – ببرَكتها – وطنٌ تُسمّيهِ فلسطين.

ليسَ غريبًا على الشّعراءِ أن يكثروا من تشبيه فلسطين بالمرأة، ويلحّونَ على هذا في أشعارهم وقصصهم وكلِّ ما كُتبَ عن فلسطين، ربّما لأنّ الشّرفَ عملةٌ لها وجهانِ، وجهٌ لفلسطينَ وآخرٌ لامرأة تلبسُ شالاً مُطرّزاً وكلاهما الوطن.

إذًا ” ليس صدفة تشبيه الشعراء فلسطينَ بالمرأة رغم التكرار المملّ لذلك التّشبيه…

يا صبايا هذه الحرب أنتن مُهمّات فيها جدًّا

ساعدننا نحتاج هذه القدرة على التحمّل

نحتاج هذا العناد” (تميم البرغوثي)

قديمًا، كانت العربُ ترسلُ أطفالها الذّكور إلى الباديةِ حتّى يتعلّموا الفصاحة والفروسيّة من أهلها، فلا أقلَّ من ذلك اليوم، أنْ نربّي بناتنا ونساءنا تربية الفلسطينيات، قد لا نستطيعُ إرسالهنَّ إلى فلسطينَ، لكنّ البطولةُ يمكنُ أن تنتقل عبرَ الأثير وعبر دفاترِ الشاعراتِ منهنّ، وعبر أغاني الجدّات الفلسطينيات، لا بدّ أن تكبرَ فتياتنا وفيهنَّ نفسٌ فلسطينيٌّ مقاوم، لا بدَّ أنْ تتعلّم بناتنا على الأقلِّ كيف أنَّ دموعَ الفلسطينيّاتِ علاماتُ حُسْنٍ ليستْ في غيرهنّ.

مهما تكلمّنا عن المرأة الفلسطينية، لن نستطيع أن نعطيها حقّها من التّعبير، فالتعابير خائنةٌ أمام حجم هذه البطولاتِ والتّضحياتِ التّي إلى اليوم.. تقدّمها المرأة في فلسطين من دونِ منٍّ ولا أذى، وقد لا أبالغُ حين أقولُ أنَّ نساءَنا في سوريا اليومَ يؤكدْنَ أن الشَّجاعة معدية، وأنّ أثر فراشاتِ فلسطينَ لاقى صداه في أرض الشّام، وأنّ هذا الأثر يومًا سوف يهزم جيوشًا تقتلُ أطفالنا وجيوشًا وقفتْ على بعد أمتارٍ متفرّجةً لم تلامس أسماعَها نخوةُ المعتصم.

 

مروى فتحي منصور
مروى فتحي منصور (روائية وكاتبة من جنين – فلسطين)

المرأة الفلسطينية مستودع الذَّخائر والنَّفائس..

بقلم: مروى فتحي منصور (روائية وكاتبة من جنين – فلسطين)

لقد كابد الشعب الفلسطيني في القرن الماضي وما زال ويلات الحروب بسبب وقوعه أسيرًا لدى الاحتلال الصهيوني، ودفع من دمائه وأعصابه وماله واستقراره ما لا يمكن حصره في مواقف وكلمات، الأمر الذي أذهل العالم قاطبًا كيف يمكن لشعب محاصر ومسلوب من أبسط حقوقه المكفولة قانونيًّا ودوليًّا أن يسطِّر أعظم آيات الصمود، لا سيما بعد حرب الإبادة الضروس التي تعرض لها أبناء شعبنا في قطاع غزة والتي بدأت في أكتوبر من عام 2023 وما زالت مستمرة إلى يومنا هذا.

وقد لاحظت شعوب العالم جسارة هذا الشعب الفلسطيني في غزّة الذي أوصل القضية الفلسطينية إلى العالمية عندما صدع صوت المكلوم بابنه وأسرته يوما: “معلش، تعيطش يا زلمي إحنا مشاريع شهادة، فدا القدس فدا القدس، لسه عايشين، وهنا قاعدين…”، والكثير من العبارات التي أدمت القلب وأخجلت الإنسانية واستوقفت روّاد مواقع التواصل الاجتماعي والمهتمين بالتنمية البشرية الذين طرحوا السؤال الآتي: من أين لهم قوة الصبّر والتحمّل والتّحدي وما هو مصدر قوتهم الروحية؟

وفي المقابل، لوحِظ مقدار اللّوعة التي يشعر بها الآباء والأمّهات على أبنائهم الذين لقوا حتفهم، مبتسمة أشلاءهم وفواحين بالمسك ومخضَّبين بالدماء، فمن أشهر العبارات التي قيلت على لسان الأمهات والآباء على سبيل التمثيل لا الحصر: “رحتي مقطعة يمة يا حبيبتي، عصفور بالجنة يما، أولادي ثلاثة يا عالم دوروا بلكي بلاقيلي واحد عايش، جبتلك ثلاث قناني حليب بفكرك بدك تعيش وتشربهم يابا”..

وهذه الحسرة وذلك التفجُّع يبدو منطقيًّا بالنسبة لكل أب ولكل أم، ولا يدلُّ إلاّ على مرارة الموقف وتجاوزه لكل التوقّعات التي وجدت لأجلها البشرية، ولا يعني الحزن والتفجّع واللّوعة بتاتًا عدم الصمود.

ومما لا شك فيه أنَّ قوة الأفراد في شعب لا تأتي صدفة، فهناك عوامل رئيسة تسيّر المعطيات إلى هذه النتائج، أهمّها العامل النفسي الوراثي لدى الشعوب، وثانيها التربية الأسرية والتي عمادها بالضرورة الأم كونها الأكثر احتكاكًا بالطفل، وقد سطَّرت الأم الفلسطينية أقوى المواقف في الصمود بوجه المحتلّ، حيث تشيّع ابنها الشهيد بالزَّغاريد قبل الدموع لكي تَكيد المعتدي الآثم. ومواقف المرأة الفلسطينية في الكفاح والصمود ماثلة للتاريخ وللعيان، منذ بدء الاحتلال إلى يومنا هذا، بدءًا من الكفاح المسلّح مثل دلال المغربي وليلى خالد، أو الكفاح البنّاء لخيار المقاومة الشعبية مثل  خنساء فلسطين (أم نضال فرحات)، وفي كل يوم تسطّر المرأة بطولات الصمود والتحدّي في كافة المحافظات الفلسطينية لا سيما في قطاع غزّة.

للصراع الصهيوني الفلسطيني آثاره الجسام على المرأة الفلسطينية التي تكابد العيش في منطقة سكنيّة حوّلها الاحتلال إلى ثكنة عسكرية وسجن كبير، فهي شهيدة أثناء تأديتها عملها مثل الصحفية شيرين أبو عاقلة، وأسيرة في سجون الاحتلال، حيث بلغ عددهن مع نهاية شهر كانون الثاني من عام 2023 تسع عشرة أسيرة إضافة إلى ثلاث قاصرات، وكذلك هي أسيرة على الحواجز التي تنصبها قوات الاحتلال بين المدن الفلسطينية.

والمرأة الفلسطينية مقاتلة ومقاومة وصابرة ومحتسبة تؤمن بقضيتها وترضع أبناءها حب الوطن، فهي مستودع الذخائر وحاضنة الألم الجمعي وراعية القضية سياسيًّا وإعلاميًّا وتربويًّا.. وفي كل المجالات لها بصمة.

وفي جنين وطولكرم ونابلس في السنتين الأخيريتين، المشهد الدموي الوحشي الذي ترسم لوحته مجرمة الحرب وعدو الإنسانية ما يُسمّى “دولة” الكيان الصهيوني.. هو سيّد الموقف.

ولو أردنا أن نسلِّط الضوء على كل حالة لامرأة فلسطينية تضرَّرت بسبب الاحتلال لاحتجنا إلى مجلَّدات، ويكفي التّذكير بأنَّ هذه الممارسات للجيش الصهيوني هي انتهاك للقانون الدولي الإنساني وبخاصة اتفاقية جنيف 1949 والبرتوكول الإضافي الملحق باتفاقية جنيف 1977. فالمادة (76) من البرتوكول الإضافي الأول ينص على “يجب أن تكون النساء موضع احترام خاص”، وعلى الرغم من ذلك تستمر إدارة الكيان الصهيوني بتجاهل مشاعر الأم الفلسطينية التي تفقد ابنها نتيجة الأحداث الجارية المحتدمة بين “الجيش” الصهيوني والثوّار الفلسطينيين أبناء الأرض، ففي السيدة الأم “كفاح عموري” من مخيم جنين أنموذج لامرأة ناشطة في مجال حقوق المرأة والأطفال اللاجئين، ارتقى ابنها “وسام حنون” في مواجهات شرسة مع جنود الكيان الصهيوني في التاسع عشر من نوفمبر 2023، لتفاجأ والدته بأنَّ صورًا قد تسرَّبت لابنها “وسام حنون” من داخل مستشفى “هداسا عين كارم” في القدس بعد سبعة أشهر على استشهاده، وتداولت مواقع إعلامية فلسطينية الخبر، ووقعت الأم بين فرحة حلاوة عودة روح الروح وبين ترسانة المنطق التي تطلب خبرًا يقينيًّا عن وجود ابنها على قيد الحياة، وقد أطلقت “هاشتاغ” على مواقع التواصل الاجتماعي مع مجموعة من المتضامنات والناشطات النسويات في المدينة: “أبو وطن بحاجتكم” تطالب فيه المسؤولين بإحضار أنباء شافية عن حقيقة حياة ابنها من عدمها.

يا من كشف ضرّ أيوب وردّ بصر يعقوب وقرّ عيني أمّ موسى بوليدها ووهب لمريم عيسى من روحه.. كيف وهبت معجزاتك للأم الفلسطينية فحملت ما أبت الجبال عن حمله ونأت فلسفات الأرض عن فهمه، تلك الأم الرؤوم التي تهرع وراء ابنها المخضَّب بدماء الوطن السليب بالزغاريد، وتستقبل التهاني بصلابة وجسارة، بارتقائه إلى مصاف الأنبياء والصحابيين.. هي ذاتها اليوم التي تستقبل نبأ روح جديدة وهبها الخالق له فأحيا سيرة وطن من جديد.. “أبو وطن”.. وهو لقب الشهيد “وسام حنون”، قال كلمته وهو جريح: “الوطن وحب الوطن وأبو الوطن لا يموت”.. هي معجزة أخرى تحدث على أرض المعجزات، جنين القسّام، جنين غراد، أبو وطن يبعث من جديد، فتتلقّف أمه خبر عودته إلى الحياة أملاً على أمل، بعد أن زُفّ إليها نبأ استشهاده بعد خبر استشهاد أخيه بأشهر، ذلك القلب الدافق الحالم الحاني المعطاء، الذي ما بخل بخصوبته عن رفد الوطن برجالاته، وفوارسه، خنساء جنين، تستقبل رمضان السنة بغير ما استقبلته العام الماضي، النسوة يجدلن من حلوياتهن صالونها مهنّئات وآملات بربّهن مثلها أن يرد إليها قرّة عينها سالمًا مُنعّمًا غانمًا مكرّمًا، فهل تراه؟ الوطن وأبا الوطن، وسام حنون.. الشاب الحنون على والدته ووطنه، واختار طريق المقاومة الشبابية الشعبية المستقلة في الردّ على وحشية الاحتلال الصهيوني وغوغائيته وانتهاكاته بحق الأرض والعرض واستباحته للحجر والبشر والشجر.. واختاره الله أن يعود ليؤنس قلب أمّه الذي انشقّ بين حبّ الوطن وحب وليد الوطن وأبي الوطن..

لم يكن “وسام حنون” هو الشهيد الأول الذي تقدّمه أمّه “كفاح عموري” الناشطة في مجال حقوق الطفل والمرأة وشؤون اللاجئين في مخيم “جنين”، فقد قدَّمت قبله في الثلاثين من  أكتوبر عام 2023، أخاه “وئام حنون”، وصبرت وصابرت واحتسبت أجرها عند الله، وعانت بعدهما ويلات الاقتحامات الليلية للجيش الصهيوني لمخيم “جنين” ومدينة “جنين” بدونهما، شدَّت على أيادي الأهالي في المخيم ألاّ يصيبهم الرّعب، وأن يصمدوا في وجه العدو الغاشم، مثلما كان ولداها يفعلان، ارتجفت ليالي طوال في غرف البيت الموحش المظلم البارد الطويل وهي تستحضر في ذهنها أنَّ أبناءها الشهداء سيأتون ببندقيتهم ويذودون عن الحمى والوطن، كعادتهم، ذلك القلب الوحيد الذي كان يشعر بأنَّهم أحياء، فواحد كان حيًّا تفوح من جوانبه رائحة المسك عند ربّه يُرزق في السماء، وآخر فاحت من أطرافه رائحة البارود في الأرض، متوعِّدًا بفجر جديد.

إنَّ خبر حياة “وسام حنون” الملقب بـ “أبو وطن” كان بمثابة حياة أمل جديد وبعثٍ جديد لوطن بأسره.. إنّه الأمل الذي طارده شعب بكامله عندما انتشر نبأ ارتقاء الشاب المشتبك الشهيد “أحمد جرار” من مدينة “جنين”، وراهن على أنه حيُّ يُرزق، كلاهما بالنسبة لوالدتيهما أبناء، ضلوع الروح وعمادها، إكسير الحياة، وبالنسبة لجيل بأكمله هم الرّمز الرّافض للاستكانة، هم أيقونة التحرير، هم المقاومة الشعبية التي ينادي بها الكل الفلسطيني..

وفي الخامس من نيسان/ أفريل استقبلت والدته الخبر اليقين بأنَّ ابنها على قيد الحياة، وطالبت فيه الشعب الفلسطيني بدعمه ودعم عائلته لمعرفة مصيره لئلا يبقى في المستشفيات التابعة للكيان، وختمت مناشدتها بمقولة: “أعيدوا الأمل لمن أعاد إلى قلوبكم الحياة، فهو على قيد الحياة ونحن على قيده هو”.

اللّهم رُدَّ إلينا وطننا ردًّا جميلاً، ورُدّ “أبا وطن” إلى أمّه الصابرة المحتسبة الصامدة ردا جميلا.. ليكون خاتمة عامها الصعب 2023 – 2024 بهدية يوم المرأة ويوم الأم ويوم الأرض وعيد الفطر أن تعود إلى الحياة من جديد.

 

فلسطين أبو زهو
فلسطين حسن أبو زهو (روائية من جنين – فلسطين)

من أوجاع امرأة في الخيمة الزّرقاء..

لماذا يُنحر الكبش، إن كُنّا سنموت؟

بقلم: فلسطين حسن أبو زهو (روائية من جنين – فلسطين)

بين ضِلعيكَ أجمل مكان أبيت فيه، رغم ارتجافي وتخبّطي أشعر معك بالأمن والسلام، الأوطان نحن، قلوب أحبّتنا وشدّت قبضة الوصال بلا خشية من قهر أو عجز. تَهتز الخيمة الزرقاء كلّما عَصَفت الريح بجنباتها، لأول مرة أشعر أنّ العاصفة غول بأسنان رصاصية يَقِفُ خَلف خيامنا ويَنفخ في فمه قاصدًا الأذية فحسب، ما سِرُّ هذا القهر المُطلق لغزّة وأهلها، استغفرتُ ربّي ونهضت بتثاقل غريب عن فرشة مرتفعة عن الأرضية بصفيح خشبي كي لا تبتلّ في حال غمرتنا مياه الأمطار، تقدَّمتُ نحو وسادتي ونزعت عنها قماش غطائها الخارجي، خرجت من الخيمة والسماء تَغرق بسواد مُزرَق، الرابعة عصرًا وكأنها السابعة، مشيت بخطوات خَدِرة صلبة وكأنَّ ساقي من الحديد المُسلّح، تحاشيت حُفر المياه ما استطعت، تجنبت الانزلاق بالوقوف كالصَّنم أمام قدمين توشكان الانفساخ عن بعضهما، فأثبت كأولئك الذين يتزلّجون على الجليد، أستعيد التّوازن وأُعاود المشي مرة أخرى، ورغم الازدحام البشري داخل الخيام والذي ينام ويصحى ساكنوها على أنين متواصل جَرّاء جروح عفنة وعلى أطراف نقصت كثيرًا من حالها، إلاّ أنني شعرت بفقدي وكأنني الوحيدة الغير موجودة على هذا الكوكب المنحط.

دَخَلتُ خيمة صغيرة للاستخدام الخاص، هناك حُجران متباعدان تفصل بينهما حفرة صغيرة، كل الذُلّ في هذا العالم يتجلّى أمامك الآن، لم أكن أخشى أن يفتح أحد بالخطأ باب الخيمة بِقَدْر ما كُنت أخشى أن تطير الخيمة كلها مع الريح…

كان المشهد خرافيًّا وكأنّني مُصابة بوباء غير معروف، شيء يقحف جوفك إلى الخارج وكأنّها ولادة، أثنيت القماشة على بعضها أكثر من مَرّة ووضعتها كبديل يمنع تسرب الدم إلى الخارج، خرجت وما كان يعنيني من دخل بعدي بل كنت أشُدُّ بذراعي على جسدي لأمنحني بعض السكينة وبعض الدفء، أخذ المطر بالتساقط كُنت قد اقتربت من خيمتي، آثرت البقاء قليلاً تحت المطر، رفعت نظري نحو بطن الغيم الأسود وأنا على يقين من أن الله يسمعني بوضوح، رغم كثرة الرسائل الموجّهة إليه.. لكن كيف لي أن أناجيه بإعادته وقد رأيت جثته، كل أنفاسي تتذكر التصاقي بوجهه أول مرّة حينها ضحكت لأنَّ أرنبة أنفه كانت باردة… باردة جدًّا ومُحمَرّة مثل أنوف صغار الأقزام في أفلام الكرتون.

هل كان يُدرك أنَّ غمرته لي تعادل الكون بما فيه؟ أحببته حَدَّ انتقاع القلب بكل ما هو له! أيّها الرجل المنتفخ بالعضلات: بنيت صدرك وكتفيك العريضين وأنت تحمل صناديق السمك من شاطئ الخواجا إلى سوق الشجاعية فكنت كالمارد نحيفا من الأسفل وممتلئًا من الأعلى، فكنّا نضحك حين تقول لي: تخيّلي أن أحملك على أحد كتفيّ. كم اُحبك يا صاحب الصدر الحديدي يا قلبًا يشعُّ رجولة وكبرياء، لم أشعر معك باليُّتم أبدًا، فكلما هزّتني الذكرى أبتَرِد بذلك العناق، فمنذ أن فقدت عائلتي في مجزرة الشجاعية عام 2014 خبَّأتني فيك، ولاذت روحي بروحك، رغم الماضي الذي يمزّق الروح والجسد، كنت مكتفية بقربك، اتّخذتني زوجة لك واتخذتك العالم كله.

يقولون: لندفع بالذنوب عبر المطر… يسمعها الله فيغفر لمن هو الأحوج لها.. ربي: اقترفت أكبر ذنب يتصوّره عقل، لم أصدق فكرة أن تضيع أسرتي مرة أخرى، فما إن عثروا على صغيري عالقًا تحت الأنقاض حتى همّوا بتخليصه ببتر ساقه بدون بنج وبدون رعاية، كنت كساحرة المدفأة مغطّاة بالرماد بعد أن أخرجوني من تحت الركام على ضوء الهواتف، انطلق لساني في بث الشتائم والسُباب، صارخة في وجوهٍ أجهلها: “خذوا ساقي واتركوه”.

غير أنّ الصوت في داخلي تبدّل وتمنّاه أن يموت! افترشنا ممرّات المشافي كالأسمال البالية، ننتظر معجزة أو فاجعة، فكان أن سمع الله لندائي الخفي، وقَتَلَته الحرارة التي أكلت جسده في ليلة شديدة المطر، لا زالت عيون صغيري  وهو يَشُدّ على أسنانه من الألم تطاردني، ما فائدة الكبش الذي كان ينحره والدي في كل عيد ليدفع عنّا الأذى إن متنا جميعًا؟.

مكثت في مشفى الشفاء انتظر قدومك رغم ما قيل عن قتلك أنت وجميع الصيادين، أمّا صغيرنا فقد دَفنوه مع جثث أخرى في باحة المشفى تحت زخات الرصاص والمطر، هكذا إلى أن أخذت الهدنة حيّز التنفيذ، فكان أن وقف بعض الشبان أمام شاحنة تصطف وسط الطريق، ولا أدري إن كان هناك من نثر طحينا في الجوّ أم أنّه الضباب، الكل يحدق ويتساءل من هؤلاء المشوّهون؟  وقبل أن يخبرني مختار الميناء بأنّك من بينهم، كنت قد تبيّنتك، عرفتك دون جهد وإن كنت مقعور العين ومسلوخ الجلد، يَعجِنك الدم والرمل، وبعد إحصاء الأسماء وتبيانها دفنوك كما الآخرين في حفرة قريبة من ابننا.

يشتدّ المطر ويشتدّ الأنين والأطفال منتصبين خارج الخيام بأوعية فارغة حتى تمتلئ بماء المطر، أمّا أنا فقد اكتفيت بفتح فمي ورفع رأسي صوب السماء راجية انتهاء الحرب وعودة صغيري وزوجي الذي أحبُّ.

 

ناصر عطا الله
ناصر عطا الله (كاتب وشاعر فلسطيني من غزة)

أمِّي والثورة..

بقلم: ناصر عطا الله (كاتب وشاعر فلسطيني من غزة)

صحوت وبصدر الشمس تتوزّع المناطق، والوجوه، والأفكار تنشر لتفهم وتترجم وقائع.. امتلكت درّاجة بلاستيكية، وفرشة لا يتجاوز سمكها العشر سنتمترات.. ألاعب طفولتي في باحة بيت دمشقي قديم في غوطة وافرة، ونافرة بأشجار اللوزيّات.. علمتُ أنّني عضو في هذه الحياة، هنا بدأ عقلي يستوعب مسلّمات القدر والكائنات.. وبدأت أفكِّك الرّمز على صاحبه، فأمِّي سمراء متوسطة القامة، لها شعر طويل وعينان عسليتان، ويدان تقتربان من الخشونة على نعومة عابرة، وكما عرفت أمي وميزتها عن باقي مخلوقات الله، وبحكم العِشرة كانت الأقرب جنبًا لي وتكاد لا تبتعد عني، وأول غيابها توصي عليّ، وأول عودتها تسأل عني، فعقلي فهم أنني أخصّها عن غير سواها، وأكثر من سواها، نعم أكثر من الرجل طويل القامة عريض الجبهة، صاحب الهيبة واليد السمراء الخشنة، الذي يرتدي البدلة العسكرية و”البسطار” الأسود طويل الرقبة.. والذي فهمت دون أن يعرِّفني عليه أحدٌ عليه أنه أبي.

قضيت سنوات طفولتي الأربع بعد ولادتي في هذا البيت الدمشقي، وفي يوم من الأيام وجدتني متوسِّط أبي وأمي في شاحنة كبيرة يقودها رجل بشنب طويل وكثيف، ووجه أسمر مُدوَّر من غير قبح، ولا وسامة، سمعتهم يتحدَّثون عن تحرير فلسطين.. من فلسطين؟ عقلي يشرب الحديث ولا يفهم مقاصدهم، لذا رحت أسلِّي نفسي بتحريك مجسَّم صغير، ومسبحة علَّقها السائق برقبة مرآة صغيرة، وأمي تنهرني دون أن تصدر صوتًا أو تخرج كلمة من حنجرتها، وإذا غلبتها شقوتي جاء دور أبي بصوته العسكري الخشن ليردعني ويدسَّني في حضن أمّي التي تُربِّت على كتفي وصدري وظهري بحنان الدنيا كلها.

نزحنا إلى مدينة تُسمى “طرطوس” على الساحل السوري، وفي قرية صغيرة تُدعى “الحميدية” بدأت أكبر وأترعرع، وأفهم حتى عرفت أنني فلسطيني من بلاد تحدُّها سوريا، والبحر ولبنان، ومصر والأردن، واحتلها اليهود لأنّها تزرع البرتقال اللذيذ وفيها الأقصى الشريف الذي يحبّه الله، ولأنها بلاد فيها كل التّضاريس الخلابة، والجو المعتدل، ولأنّها أقرب مكان إلى السّماء.. فهمت كل هذا من أبي وإخوتي ومدرِّسة اللغة العربية في الصف الأول الابتدائي.. أمَّا أمي كانت دومًا تقول لي أنّ فلسطين قطعة من الجنّة سقطت على الأرض لأنَّ أمها فيها.

في العاشرة من عمري بدأت قصتي مع وعيي الذي يتفتّح كزهرة الياسمين، باستيعاب ما يحدث مع أمّي، التي فقدت ولدها ابن الرابعة عشر ربيعًا مع عشرة شهداء بقصف “إسرائيلي” لموقع عسكري كان والدي آمره والذي أصيب أيضًا جرّاء هذه الغارة، وإنقاذه من الموت تطلَّب سرعة نقله إلى مدينة “حمص” البعيدة عن “طرطوس” 150 كلم.. وهنا بسبب مرافقة أمي، ووجعها على ابنها الشهيد، بدأت أترجم عن قرب معنى أن تكون الأم أمًّا مكلومة، ومحرومة من أهلها ومن أقرب الناس لها، دون أن تشتكي أو حتى تشير إلى ذلك وتقتنع بتقليص عالمها بزوجها وأبنائها والمتاح من حولها، وعليه رحت أطارد حركاتها وأصطاد ملامح وجهها وحتى ترانيمها الحزينة، وهي تعدّ لنا الحياة كما تعد لنا طعامنا، تبكي إذا اختلت، وتبتسم إذا اجتمعنا قبالتها.

أمِّي لم تكن مجرد أمٍّ تحضِّر الطعام وتخرج للتسوُّق، وترتِّب الستائر، وتحفظ الأسرار، وتنظِّف البلاط، وتغسل الشبابيك قبل الأعياد بيوم، لم تكن أمًّا تنجب لأبي الأطفال لتفرحه وتؤكد على خصوبتها، وصلاحيتها له، بل كانت فدائية بالمعنى الاصطلاحي، والشرعي للعمل الفدائي، كانت تنظِّف الكلاشنكوف للفدائيين، وتنقل صناديق الذخيرة من وإلى مستودعاتها، وتحسب عدد الطلقات وقِطع الأسلحة، وتعدّ الطعام لكل رجال المعسكر، وتغسل ملابسهم، والكل يلقِّبها بأم الفدائيين.

أذكر أنَّها في يوم أخذتني معها لحراسة المستودع الذي خرج منه والدي، والفدائيون إلى مهمة اضطرَّتهم للغياب بضعة أيام، في هذه الأيام كنت معها وحيدًا.. وممنوعٌ على أخواتي البنات الوصول إلى القاعدة وعليهن وعلى زوجة أخي الكبير أن يحموا ظهورنا بمواصلة تلبية حاجات المعيشة، مع والدتي قضيت هذه الأيام وهي تحضنني ليلاً وتحت وسادتنا الكلاشنكوف المعمّر، وفي النهار تصدر أوامرها لي وكأنني جيشها الكامل، وعليّ أن أنفِّذ وأحضّر الماء والخُضار ومتطلبات العيش.. مقدرة صغر سني وحدود استطاعتي.

عشت مع أمِّي بعدها عمرًا حتى وافتها المنيّة وأنا بعيد عنها لأعرف كل صغيرة  وكبيرة عن الأم الفلسطينية التي تتحمّل ظروفها بصبر الجبابرة، وتبدِّل أدوارها بمهارة الغزالة، وأن تكون أنثى وأجمل النساء أنوثة هنّ الفلسطينيات الراغبات بالحرية التي حرمن منها بعد استلاب واغتصاب أرضهن، وهنّ أقوى النساء لأنّهن الجبال الرّاسيات من بعد الأهوال التي عايشنها، وهنّ أصبر خلق الله في عباده لأنّهن فقدن العزيز والغالي وأصابعهن تغزل لغير المفقودين والشهداء ملابس الحياة، وهنّ أجبَر النساء على كسر خاطر رجالهن وأبنائهن إذا ما انكسر لهم خاطر، وهنّ أروع النساء حين يبدعن.. وهل يكون الإبداع إبداعًا إلاّ إذا خرج من المعاناة؟

طوبى للمرأة الفلسطينية صانعة حلمنا وليست حارسته فقط.

 

جروان المعاني
جروان المعاني (كاتب من الأردن)

المرأة الفلسطينية أوّل أبجديات التحرير

بقلم: جروان المعاني (كاتب من الأردن)

سنُلملم جراحنا ونعود، هكذا أخال كل امرأة فلسطينية تقول، سواء كانت سيّدة منزل أو صحفيّة أو أديبة، طبيبة أو معلمة، قد كُتب عليها أن تبقى صامدة ليستمر النضال.

عند الحديث عن دور المرأة الفلسطينيَّة كرمزٍ للصُّمود والمقاومة، فأنت تحتاج إلى مساحة واسعة زمانيًّا ومكانيًّا لترصد مسار تاريخي كامل من أجل التقاط حركتها بشكل عادل، وهو أمر لا يمكن فعله وحصره في مقالة، فقد كانت المرأة الفلسطينية على الدّوام حاضرة، وعلى اشتباك مستمر في قضيّة الصراع الفلسطيني مع الصهيونية والاحتلال، فمرة تُقتل ومرّة تُعتقل، ومرّة تُقاتل فتُطارد وتُهجّر، وتارة تكتب حزنها روايةً أو قصيدة.. نعم هو قدَر المرأة الفلسطينية منذ ما قبل النَّكبة أن تكون مقاتلة شرسة فتعيش يوميّات القضية صامدة تُخفي دمعها، وتنجب كل حولٍ قوافل الشهداء، ثم تزرع حديقتها بذكريات من الوجع الفلسطيني، لتبقى القضية على الدَّوام حية.

عشرات القصص الفريدة التي يمكن روايتها عن دور المرأة الفلسطينية التحرُّري، فمن لم يسمع بقصة “خولة شاهين” التي كتبت كتابها عن الأسير المحكوم مدى الحياة “علي النجار” والذي تحرر بعد ثمان وعشرين سنة، وفي يوم زفافها استشهد “علي”.. وقبل أيام استشهد “وليد الدقة” الذي عقد قِرانه على الكاتبة “سناء سلامة” لينجب منها ابنته “ميلاد” بنُطفة مهرَّبة زرعتها في رحمها، لتصبح قصص تهريب النُّطَف حالة ثوريَّة فلسطينية بطلتها امرأة قدَّمت وتقدِّم في كل يوم قصة مجد وتصنع تاريخا للنضال.

ولعلَّ المثل الصارخ لمقاومة المرأة الفلسطينية على امتداد تاريخ الصراع على كامل أرض فلسطين يتجلَّى بوقفتها مع ابنها وزوجها وأخيها وأبيها تدفعهم لمقاومة المحتلّ وتشاركه حمل البندقية، وتطبِّبه، وتعلِّم ولدَها أفضل تعليم ويعود عالِمًا فتزغرد، ثم تقدِّمه شهيدًا وتزغرد، فتحار أنت المراقب بهذه العظمة والهيبة التي تصنع تاريخ النضال الفلسطيني، وجميع أرض فلسطين تشهد على ذلك، وليس غزة حصرًا وإن كانت الأغزر دمًا.

على الدّوام كان للمرأة الفلسطينية صوتًا مميّزًا، ثقافيًّا أدبيًّا ممزوجًا بالسياسة والنضال، فدفعت ثمن مواقفها، وليس غريبًا أن تنخرط في العمل الحزبي والتنظيمي، وتتولّى مناصب قياديّة عجز عنها كثير من الرجال، فمن لبنان إلى الأردن وصولاً إلى بلاد المغرب العربي، ظهرت عشرات الأسماء التي صنعت تاريخًا مشرِّفًا في العمل المقاوم، كما صنعت أجيالاً رسموا ملحمة الوجود الفلسطيني لتبقى القضية حيّة في الوجدان العربي والذي قصَّر كثيرًا في استرداد الحق الفلسطيني من المحتلّ.

المرأة الفلسطينية هي مفتاح العودة للاجئين، وبوابة الأمل للأسرى، وأم الشهداء وأختهم، وهي كاتبة الرواية والفنانة التشكيلية التي صورت الملحمة منذ البدء حيث مجزرة دير ياسين وصبرة وشاتيلا، وهي التي برغم قسوة الأيام والسجن والسجّان.. بقيت على صبرها مشتبكة مع الواقع بكل مرارته، ترفع معنويات الأولاد، وترسم لهم طريق النضال، فترى “خالدة جرار” تخرج من الأسر لتعود إليه مرة أخرى، وترى “دلال المغربي” تعلن جمهوريتها.. لتكون الشهيدة “شادية أبو غزالة” أولى الشهيدات بعد حرب حزيران 67، وبقيت المرأة الفلسطينية حالة متوثِّبة نحو النضال بشتى أشكاله، فترى “ليلى أبو خالد” تصرخ في وجه “ديان” وتقول: هذه أرضي.

الشجاعة التي تتحلّى بها المرأة الفلسطينية، مردُّها لإيمانها بحق أطفالها بالحياة، وبأنَّ أرض فلسطين المقدّسة لن تكون لقمة مستساغة للعدو المحتلّ مهما طال الزمن، وستبقى شوكة تنخز ضمير الأمّة حتى تصحو، فكانت حرب “طوفان الأقصى” والتي لن تكون حربها الأخيرة من أجل التحرير.

أخيرًا تكاد أسطورة النضال الفلسطيني من أجل التحرير، تجسِّده المرأة الفلسطينية في الداخل وبلاد الشتات، وتتقاسم دفع الثمن مع الرجال غير أن وجعها أكبر، نعم، فهي تهزّ السرير بيد وتحمل البندقية بيد، تزرع الأرض زيتونًا، وتجعل بطنها مصنعًا للأبطال، وفي حضنها يسكن الحبُّ لتمنحه بلا انتظار للمقابل، وتشعل فتيل الحرية، وتنير الطريق أمام الأجيال تخبرهم بأنّنا صامدون على أرضنا، وبأنّنا يومًا من شتاتنا عائدون، ولتكون بفعلها أول أبجديات التحرير.

 

وليد عبد الحميد العياري
وليد عبد الحميد العياري (شاعر وكاتب من تونس)

الفلسطينية.. رمز القوة والحكمة والصبر

بقلم: وليد عبد الحميد العياري (شاعر وكاتب من تونس)

المرأة الفلسطينية تُعتبر رمزًا للمقاومة فهي امرأة استثنائية بكل المقاييس، إذ تلد الأبطال في المخيّمات وساحات الوغى، وتتخضَّب بالدّماء عوضًا عن الحنّاء.. فهي الصابرة المحتسبة التي تستمد قوتها وشموخها من صلابة التراب والحجارة وأشجار الزيتون الضاربة جذورها في عمق الأرض.. هي الصّامدة أمام عواصف الظلم وأعاصير البطش وقهر العدو، وهي الحكيمة المتشبثّة بهويّتها الفلسطينية القانعة بمصيرها.

تحمل المرأة الفلسطينية على ظهرها طفلها وأعباء شعبها وبيديها غصن زيتون وحجارة ترجم بها عدوها وتدافع بها عن شرفها وعزة نفسها وكرامتها.. ومن بين النساء الفلسطينيات المشهورات بالقوة والبسالة أيقونة الجمال والشجاعة الفدائية البطلة “دلال المغربي” التي تمكّنت مع فرقتها من القضاء على عدّة عناصر من جنود صهاينة.. وقد كانت الشهيدة امرأة حديدية مناضلة. ولا ننسى أيضًا عدّة نساء أخريات من بينهم الدكتورة “حنان عشراوي” الباحثة الفلسطينية التي كانت تناضل بالفكر والقلم من خلال مواقفها الدّاعمة لحقوق المرأة الفلسطينية وللشعب الفلسطيني الأبي.

المرأة الفلسطينية ستكون مستقبلاً لها القيادة والريادة، فمن الألم والمأساة والوجع تولد الشجاعة والبطولة.. والمرأة الفلسطينية ترضع أبناءها لبَن الشجاعة وتزرع فيهم حبّ فلسطين وحبّ الشهادة لأجل الوطن.. وهناك الإعلامية الشهيدة “شيرين أبو عاقلة” وقد رثيتها ببعض الكلمات التي كانت من ضمن “سمفونية الوجع”، بعنوان “رسالة إلى الخونة والعملاء”..

نجمة أفلت ذات دجى

رحلت حيث النّقاء

احترقت لتضيء الحقائق بعيون الفجر

سيحزن تشرين وسيبكي أيلول

لرحيل ذات الوجه المشرق شيرين

ومن هنا نجد المرأة الفلسطينية المناضلة على كل الجبهات وبكل أشكال النضال فكريًّا وأدبيًّا ومعنويًّا، فهي الطبيبة والشاعرة والفدائية.. وهي الحاملة لأسمى معاني الأمومة والمحافظة على الهوية الفلسطينية، وعلى سمات النضال وفكر المقاومة في وجدان وقلب كل رجل وطفل وشاب وامرأة.. يحملون دماء فلسطينية.

عاشت المرأة الفلسطينية رمزا للمقاومة والعزّة والنّخوة وحاملة لجينات الرجولة والشجاعة في بطنها، فهي البتول كمريم العذراء، وهي الحكيمة الصابرة على بطش العدو كامرأة فرعون.

 

عبد الواحد محمد
عبد الواحد محمد (روائي من مصر)

المرأة الفلسطينية عنوان أبدي للإبداع والصُّمود

بقلم: عبد الواحد محمد (روائي من مصر)

للمرأة الفلسطينية مكانة خاصة في الموروث الشعبي العربي لكونها رمز الصمود والفن والتضحيات والأخلاق الرفيعة، لذا هي كيان روائي عربي متفرّد وسط عالمنا..

ويقينًا أنّ تناول المرأة الفلسطينية مغامرة كبرى لكونها أسطورة ذات إباء وسط أمواج عاتية من الظلم والطغيان.. ولها حضورها في كل مجالات النضال والكفاح اليومي. وهي حاضرة في الآداب والفنون وفي الفن التشكيلي الذي هو رؤية داخلية تحركها الريشة أينما توجَّهت من منطلق ثوابتها وواقعها الذي يسافر بنا عبر لوحاتها التشكيلية التي ساهمت في بناء ثقافة الفن بعد النكبة بتلك المشاعر الجيَّاشة فكانت هي الضمير..

ومن بين نساء فلسطين اللواتي كتبوا أعمق حروف النداء بوعي وواقع معاش فيه الوطن خالدًا، الفنانة التشكيليّة “تمام الأكحل” التي تعدّ أول فنانة تشكيلية فلسطينية أقامت معرضًا في القاهرة في منتصف القرن العشرين، تجسيدًا فاعلًا لدور الفن التشكيلي في بناء ثقافة الانتماء إلى الوطن مهما كانت الأوجاع ومحنة الزمن وطغيان الاحتلال الصهيوني.

وقد كرمتها عواصم الوطن العربي تقديرًا لقيمتها كامرأة فلسطينية تكتب بريشتها أعمق سرد روائي تشكيلي من رحم التراب الفلسطيني المقدس.. ومن بين الدول العربية التي كرَّمت الفنانة “تمام الأكحل”: القاهرة، الكويت، القدس، العراق، والعديد من الدول الأوربية من بينهما: لندن، بلغراد، صوفيا..  لتظل المرأة الفلسطينية عنوان لثقافة الصمود، فهي دومًا ضدَّ الانكسار والانهزام والاستسلام..

وبالطبّع يوجد أسماء فلسطينية لنماذج نسائية مبدعات في الفنون التشكيلية، ومن بينهن الفنانة “جمانة الحسيني” التي مثلَّت بلوحاتها الاتّجاه الفني بروح شعرية.. وهي تجسِّد بريشتها معالم: يافا، حيفا، أريحا، عكا، القدس..  وتقدِّم لنا الصورة المعمارية في لوحاتها بفن واقتدار.. إنّها المرأة الفلسطينية عبر الزمن والتاريخ. والأسماء كثيرة، ومن بين تلك الأسماء التي فرضت نفسها الفنانة “ليلي الشوا”   والفنانة “مني السعودي” والفنانة “سمية صبيح” والفنانة “سامية الحلبي” والفنانة “نازك عمار”.. فالمرأة الفلسطينية عنوان دائم وأبدي للإبداع والصمود في كل معانيه وغايته الملهِمة للحاضر المستقبل.. وتبقى المرأة الفلسطينية منبع المعاني السامية، والاقتدار على بناء الأسرة والشخصية التي تنبض بكل معاني السمو والكبرياء.. إنَّها بطلة الرواية العربيّة في تفاصيل حياة العرب اليومية.

 

عيسى قراقع
عيسى قراقع (كاتب ووزير سابق لشؤون الأسرى الفلسطينيين)

عندما يغتصبون أختك ثم يغتصبونك.. ماذا تفعل؟

بقلم: عيسى قراقع (كاتب ووزير سابق لشؤون الأسرى الفلسطينيين)

قمة النّذالة والسّفالة والانحطاط الإنساني والأخلاقي التي يمارسها جنود ومحققي الاحتلال الصهيوني توجّت خلال الحرب على قطاع غزة، اغتصاب الأسيرات والاعتداءات الجنسية عليهن، التعذيب الجنسي والتحرّش والإذلال والإهانات، شهادات النساء الفلسطينيات اللواتي اعتقلن وتعرضن لأبشع أنواع التعذيب الجنسي وبأساليب عديدة، وتجريدهن من ملابسهن ونزع الصفة الإنسانية عن الأسرى، سلوك منهجي مدعوم من المؤسسة الرّسمية ومن رجال الدين اليهود الذين يعتبرون اغتصاب النساء غير اليهوديات مباحٌ خلال الحرب.. سجِّل بشع وطويل من الاعتداءات الجنسية خلال هذه الحرب الدموية على قطاع غزة بحق الأسيرات والأسرى وحتى الأطفال، جنود شاذون و”دولة” شاذة وفاسدة، تتعامل مع الضحايا الفلسطينيين كحيوانات بشرية كما صرَّح بذلك وزير الدفاع الصهيوني “غالانت”، وإنّ كل شيء مسموح به، القتل والتدمير وهدر حياة الإنسان الفلسطيني جسديًّا وروحيًّا ونفسيًّا.

منذ بداية الاحتلال الصهيوني، سُجِّلت العديد من حالات الاغتصاب والتحرّشات الجنسية بحق المعتقلات الفلسطينيات، وظل هؤلاء المجرمون منفلتون من العقاب، محصَّنون بتعليمات من المستوى السياسي والأمني الصهيوني، وكان المؤرخ الإسرائيلي “إيلان بابيه” قد كشف عن حالات اغتصاب واعتداءات جنسية على النساء الفلسطينيات خلال النكبة عام  1948 في كتابه “التّطهير العرقي”، مستندًا إلى مصادر المنظّمات الدولية كالأمم المتحدة والصليب الأحمر، وإلى روايات الضحايا والأرشيفات “الإسرائيلية”، ارتكاب أعمال مشينة وجرائم حرب ارتكبها جنود الاحتلال، ومن ضمنها ما كشفته صحيفة “هآرتس” عام 2003 عندما قام اثنان وعشرون جنديًّا شاركوا في عملية الاغتصاب والقتل بحق فتاة فلسطينية في منطقة “النقب”، حيث قام الجنود بحلق شعرها وتناوبوا على اغتصابها وفي النهاية قتلوها.

ربَّما التقاليد والعار والصَّدمة هي الحواجز النفسية التي تحول دون الكشف عن هذه الجرائم الخطيرة بحق نساءنا خاصة خلال حرب الخراب والتطهير والإبادة في قطاع غزّة، ولكن أمام هذا الهول واستباحة كل شيء على مرأى من العالم وعجزه عن حماية شعبنا، بدأنا نسمع أصواتًا للنساء فيما جرى بحقهن خلال الاعتقال وفي تلك السجون والمعسكرات الرهيبة بما في ذلك الاغتصاب الجماعي، التعذيب، والضغط النفسي، خلع الحجاب بالقوة، إجبار الأسيرات على التعرّي، ملامسة أعضائهن الحسّاسة، شتائم قذرة ومعيبة، وكل ذلك مصحوبًا بالضّرب والتّنكيل والتعامل الوحشي حتى أصبح السجن، كما تقول إحدى الأسيرات، قطعة من العذاب.. وازداد هذا العذاب بعد 7 أكتوبر 2023، إنّه تلذّذ الجنود والمحقِّقين بالاضطهاد، جنود ساديون يتمتّعون بإيقاع الأذى والألم والتسبّب بجروح نفسية في أعماق المعتقلين، جروح تبقى غائرة في النفس من المستحيل نسيانها مهما طال الزمان.

توقّفتُ أمام تقرير أممي صادم تمّ إعداده بشكل مشترك من قبل خمس منظمات دولية والذي أشار إلى توثيق 112 حالة اغتصاب بالمواقعة داخل سجون الاحتلال بحق أسيرات من غزّة، وكان الاغتصاب جماعي، وأنّ إحدى هذه الحالات نُقلت بأشراف دولي إلى مكان سري وهي حامل.. وقرأتُ شهادات الأسيرات عن الانتهاكات الجنسية التي يتعرَّضن لها منذ لحظة الاعتقال وخلال استجوابهن في مراكز التحقيق، وأمام ذلك تفوَّقَت سجون الاحتلال بهمجيتها ووحشيتها على سجني: غوانتنامو وأبو غريب، تلك السجون التي شهدت عمليات التعذيب والاغتصاب والجنون والتي أصبحت وصمة عار في جبين العدالة الإنسانية والعاجزة عن التدخّل ومحاكمة مجرمي الحرب الذين يمارسون هذه الجرائم.

ما يجري في السجون الصهيونية أصبح أكبر وأكثر فظاعة من مجرد حرمان الأسرى من كل حقوقهم الإنسانية، ضربهم وعزلهم وتجويعهم وبتر أقدامهم وأيديهم بسبب شدّ القيود بقسوة وتعمُّد، فما زالت هناك جدران وأسوار فوق أسوار تحيط بالحقائق المفجعة عن عمليات الاغتصاب والتحرُّشات الجنسية بحق الأسرى  والأسيرات، إنّه تاريخ القبح والحثالة الصهيوني، التّشنيع وتشويه الحياة الإنسانية بكل معانيها وقيمها ومبادئها، إبادة روحية وثقافية ونفسيّة بحق الانسان الأسير، تشويه الروح والبدن، أساليب منحطة أكثر فتكًا من الصواريخ والقنابل والفسفور.. فتاوي الانتقام وعمليات الاغتصاب هي الأشدّ والأعنف التي تمارس بحق الفلسطينيين، إنّه حكم الإعدام المستمر، تحويل الانسان إلى حيّ وميّت، ومحكوم عليه بالظلام الأبدي.

عندما يغتصبون أختك ثم يغتصبونك ماذا تفعل؟ سؤال الحرب الشرسة التي يقاتل فيها الفلسطيني في المسافة الضيّقة بين الروح والجسد، بين الأرض والسماء، الصراع مع الألم الداخلي، إنّه الاحتراق النفسي، تحترق غزّة وتحترق النفوس في الزّنازين.. ممارسات خطيرة على الجسد تقهر الروح والذات وتقوض الكينونة الإنسانية وتهدمها من الداخل، إنّه الموت الصامت، الموت المكتوم، الاغتصاب لا تكشفه نيران وركام الحرب في غزّة، الموت بألف جرح، تحويل الإنسان إلى مجرد جثّة، لا معنى للحياة ولا معنى للهوية، والاغتصاب تقنية سيكولوجية للسيطرة على الإنسان وتمزيقه حاضرًا ومستقبلاً، أكثر إرهابًا من كل أساليب التعذيب التي عرفها التاريخ من الإعدام والشّنق والصّلب والتّقطيع والغلي والسّلخ والخازوق والموت بالغاز أو الكرسي الكهربائي وغيرها.. ماذا تفعل عندما يفصلون جسدك عن روحك؟ والروح هي جوهر الوجود.

عندما يغتصبون أختك ثم يغتصبونك، ماذا تفعل؟ أين الحواس والعواطف والمشاعر والغضب، تعتيم شديد يجري خلف جدران السجون، صراخ ووجع وانسحاق بشري، إعادة هندسة الانسان جسدًا وفكرًا وذاكرةً، رائحة عفنة للجنود “الإسرائيليين” ونشوات إجرامية غير مسبوقة، وقد أصبح التعذيب الجنسي إيديولوجيا استعمارية تعمل على إخضاع الفرد وتشكيله من جديد وإفراغه من المحتوى الإنساني قبل إفراغه من المحتوى الثوري، وتحويل الإنسان إلى عبء على نفسه ومجتمعه.. الاغتصاب يعمل في العمق مستهدفًا القلب والإرادة والفكر والاستعداد، إدخال الأسرى والأسيرات في حالة من الضياع والصدمة ونفي الحضور الإنساني، وعندما تسكت المدافع وتتوقّف الطائرات عن القصف ستتكّشف الكثير الكثير من الأشياء قد فُقدت، ليس فقط الأحياء الذين استشهدوا، ليس فقط المنازل التي تحوّلت إلى أنقاض، وإنّما شهيّتك للحياة، أثار مدمرة في داخلك يصعب إعمارها وترميمها، وهنا لا تنفع الحلول السياسية والاقتصادية، وهنا لا ينفع القانون الدولي الذي جرى اغتصابه عنوة على أيدي الدول الاستعمارية.. إنّها أختك، إنّها أمّك، إنّها عرضك، شرفك وأرضك، جسدك وأحلامك وجمالك الإنساني وكرامتك، صوتك يرتعش، حمل مخيف فوق كاهلك، تشنج وتصلب في شرايينك، كابوس طويل، رعب مختبئ في داخلك، ماذا تفعل؟

أيّها الفلسطيني المُغتصب من الوريد الى الوريد، اقرأ رواية “ما تبقّى لكم” للكاتب الشهيد “غسان كنفاني”، اخرج من الذات المطحونة، واجمع كل قطرات الدماء عن وجهك وأعضائك المرضوضة الممزّقة ومن حطام جسمك المشوّه، اخرج من الذات إلى الفعل، ومن الهموم الشخصية إلى الهموم الوطنية الجمعية.. أنت البطل “حامد الغزاوي” في الرواية، وأختك هي “مريم”، الساعة تدقّ والانتظار عقيم، لا ضرورة للالتفات إلى الساعة أو إلى الوقت الذي ستستغرقه عملية العبور من العتمة الى الضوء، “مريم” قطعت الصحراء عائدة إلى غزّة بعد أن غسلت العار، و”حامد” يلتفت إلى سلاحه وهو يلتقي الجلاَّدَ في “خانيونس”.. لم يبق شيء نخسره، يقول “حامد”، في أعماقي حياة كأنها قنبلة، عليك أن تبني في نفسك شخصًا لا يحتاج في اليوم الصّعب إلى ملجأ.

 

بسيم عبد العظيم عبد القادر
د. بسيم عبد العظيم عبد القادر (شاعر وناقد أكاديمي، رئيس لجنة العلاقات العربية باتحاد كتاب مصر)

المرأة الفلسطينيَّة رمز الصمود والمقاومة.. وروح فلسطين

بقلم: د. بسيم عبد العظيم عبد القادر (شاعر وناقد أكاديمي، رئيس لجنة العلاقات العربية باتحاد كتاب مصر)

المرأة قسيم الرجل وصنوه في تحمل المسؤولية منذ خلق الله البشر من آدم وحواء، وستظل المرأة كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد رأينا في القرآن الكريم نماذج من النساء تفوّقن على الرجال في العبادة والتّقوى وتحمّل المسؤولية، كمريم ابنة عمران أم سيدنا المسيح عليهما السلام وآسيا امرأة فرعون، والسيدة خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم التي وقفت بجانبه وآمنت به إذ كفر الناس وصدقته إذ كذّبه الناس وواسته بمالها إذ حرمه الناس ورزقه الله منها الولد، فاستحّقت البشارة بالجنة من ربّ العزة سبحانه وتعالى.

وقد ربّى الرسول صلى الله عليه وسلم النساء على الثقة بالنفس انطلاقًا من دعوة الإسلام التي جعلت النساء شقائق الرجال، فكانت المرأة تشارك في الجهاد والغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنماذج في سيرة الرسول وفي التاريخ الإسلامي كثيرة ومشرفة.

كما أنَّ المرأة لم تكتف بالجهاد، بل هي التي تربِّي المجاهدين الذين يدافعون عن الدين والوطن والعرض، فقد ضحَّت الخنساء بأبنائها الأربعة في موقعة القادسيّة، واحتسبتهم عند الله قائلة: الحمد لله الذي شرَّفني بقتلهم في سبيله، وأدعو الله أنْ يجمعني بهم في مستقر رحمته.

والمرأة الفلسطينية هي حفيدة نسيبة بنت كعب والخنساء ورفيدة، فمنذ عام النكبة 1948م، تحمَّلت المرأة الفلسطينية مسؤوليات كُبرى في مواجهة الكيان الصهيوني، فهي الولاَّدة التي أنجبت وتُنجب الأجيال تلو الأجيال ولا تكتفي بالإنجاب بل تقوم بتربية أبنائها على حب الوطن والتضحية في سبيله وافتدائه بالروح، في مجابهة الكيان الصهيوني الغاصب الذي يربّي أبناءه على الكراهية والاغتصاب والسّلب والنّهب والقتل.

ومن نماذج المرأة الفلسطينية التي يُقتدى بها الشاعرة فدوى طوقان، والسياسية والأستاذة الجامعية د. حنان عشراوي.

وهناك نساء شاركن في النضال الفلسطيني لزواجهن من مناضل فلسطيني مثل د. رضوى عاشور زوج مريد البرغوثي وأم تميم البرغوثي.

كما أنَّ هناك نساء فلسطينيات تزوجن رجالا مصريين فنضحن عليهن من روح الذود عن فلسطين مثل زوج الطبيب والإعلامي الساخر د. باسم يوسف.

فالمرأة الفلسطينية ليست كباقي النساء في العالم، فهي تعيش فرح الولادة كغيرها من النساء، وفي الوقت نفسه تعيش آلام فقدِ الأبناء الذين تبث فيهم روح البطولة وترضعهم الكرامة وإباء الضَّيم.

ثم إنَّ المرأة الفلسطينية ـ فوق ذلك ـ حاملة الثقافة والتراث وجسر التواصل بين الأجيال، فالعدو الصهيوني الغاصب يغيّر منار الأرض ومعالمها ليمحوها من ذاكرة الفلسطينيين، ولكن هيهات، فإنَّ الأمّ عن طريق القصص والحكايات ترسم صورة واضحة المعالم والقسمات لِما يحاول العدو طمسه ومحوه من الذاكرة الفلسطينية، وهو جهد مشكور ومأجور لا تقدر عليه إلاّ الأمهات الفلسطينيات بفطرة الأمّ وغريزتها وانتمائها للوطن.

وهي أيضًا، المناضلة والمقاومة في كل الجبهات وبكل الأسلحة والأدوات، فهي اليوم تتعلّم وترتقي أعلى الدَّرجات في سلّم العلم، فقد صارت مثقفة واعية وشاعرة تقف جنبًا إلى جنب مع الشعراء الكبار الذين يناضلون بالكلمة، ومعلِّمة ومربِّية وأستاذة جامعيّة وباحثة في العلوم التطبيقيّة وكاتبة قصة ورواية تصوِّر في قصصها ورواياتها حياة الفلسطينيين منذ النّكبة في داخل فلسطين وفي الشتات في دول العالم المختلفة وفي مخيمات اللاجئين في لبنان وسوريا والأردن وغيرها، استعدادًا ليوم العودة إلى فلسطين، وتقوم ببثّ هذه الروح في نفوس أبنائها وفي قلوبهم وأرواحهم، وقد ضربت في ذلك أروع الأمثلة.

وقد تشرَّفتُ بمعرفة كثيرات من الأديبات والكاتبات المثقفات الفلسطينيات والشواعر بحكم كوني شاعرًا وناقدًا أكاديميًّا من جهة على مدى سنوات طوال، وبحكم كوني في العامين الأخيرين رئيسًا للجنة العلاقات العربية بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، حيث استضفنا دولة فلسطين ومستشارها الثقافي الروائي الصديق أ. ناجي الناجي عدّة مرات.

كما استضفنا الأديبة والناشطة الثقافية المناضلة بالكلمة أ. نهى شحادة عودة التي تلعب دورًا كبيرا بقصصها وشعرها ومقالاتها وإسهاماتها في إحياء التراث الفلسطيني والبحث عن الشاعرات الفلسطينيات لعمل معجم يضمُّهن اعترافًا بفضلهن فجزاها الله خيرًا وهي بنت المخيمات الفلسطينية في لبنان ومع ذلك تُلقّب بياسمينة عكا.

كما استضفنا الأديبة القاصة الفلسطينية إيمان الناطور، وغيرها من الأديبات الفلسطينيات المقيمات بالأردن ممّن يحملن الجنسية الأردنية ويعتززن بأصولهن الفلسطينية.

وقد أسهمت في ندوة نقدية ناقشت فيها ديوان الشاعرة الفلسطينية المتخصصة في الأدب والنقد د. آلاء القطراوي الحاصلة على الدكتوراه من الجامعة الإسلامية بغزّة والتي وصلت بشعرها للمشاركة في مسابقة أمير الشعراء.

وممّن أعتزّ بهن الأديبات والشاعرات سفانة شتات وهي شاعرة كبيرة مقيمة بتركيا، وأمل الخواجة وأميرة عبد الله وإيمان مصاروة ود. انشراح حمدان وجمانة زلوم ودلال عمرو والكاتبة ريم ماهر وسلوى البيلسان وسلوى حماد وشادية دحبور ود. مها زيدان ود. نيفيلين وبنتي الغالية د. هنادي بدر ووفاء علوية وهيفاء الحروب وحكمت بسيسو.

ومن بناتنا اللّواتي يدرسن في مصر أماني الطلاع وهيا كيلاني، وهما من شُداة الأدب وتدرسان بكلية الطب جامعة المنوفية، حيث أشرف على النشاط الأدبي للطلاب الوافدين الدارسين بالجامعة.

ومن الباحثات اللواتي أعتزّ بهنّ ابنتي وتلميذتي النجيبة أ. ياسمين الشوا التي تدرس الدكتوراه في قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة طنطا، وهي مقيمة بغزّة وتعمل بالمعاهد الأزهرية، نسأل الله لها السلامة والنجاة والتوفيق فهي من عشاق فلسطين.

والناظر إلى المرابطين في بيت المقدس، يلفت انتباهه بطولة المرأة الفلسطينية وشجاعتها ووقوفها في وجه الجنود الصهاينة الذين يعتدون على حرمة المسجد الأقصى ويدنسونه، وهي شجاعة نادرة قلَّما تتمتّع بها امرأة غير المرأة الفلسطينية التي أعدَّها الله لتحمل هذه المسؤوليات الجسام.

ربَّما نحتاج إلى قلب أمٍّ فلسطينيَّة للكتابة عن المرأة الفلسطينية في البيت، وجبهات القتال، في ميادين النضال، في الإبداع والمحافظة على الثقافة والتراث.. والرّوح الفلسطينية والحياة اليومية الملحمية في الصمود والمقاومة، وتكوين الأجيال المرتبطة بهويّتها وأصالها وجذورها الفلسطينيّة.

وقد نزلت المرأة الفلسطينية إلى ساحة الجهاد وضحت بنفسها في سبيل فلسطين، وعلى سبيل المثال لا الحصر نرى الشهيدتين وفاء إدريس وآيات الأخرس، وقد قلت فيهما من قصيدة قلتها في أبريل 2002م، بعد أن عددت نماذج من النساء المسلمات كالسيدة هاجر وأسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين والخنساء، قلت: (ديوان هموم وأشجان: خواطر ومشاعر) د. بسيم عبد العظيم ط1 ـ 2004م ص 126، 127)

وغيرهن كثير — من سالف الأزمان

واليوم هذي وفاء — حرب على الطغيان

آيات جادت بنفس — تزهو بها في الحسان

لكي ترد يهودا — أعتى من الشيطان

أقصد وفاء إدريس وآيات الأخرس وهما فتاتان فلسطينيتان قامتا بعمليتين استشهاديتين استهدفتا جنود الاحتلال الصهيوني البغيض.

ولا ننسى الإعلامية القديرة شيرين أبو عاقلة التي استهدفها العدو أثناء القيام بواجبها الإعلامي على أرض فلسطين، فلقيت ربّها مدافعة عن وطنها.

هذا بعض ما جال بخاطري عند الحديث عن المرأة الفلسطينية التي تحتفي بها جريدة “الأيام نيوز” الجزائرية مشكورة في نسختيها الورقية والإلكترونية، وهي جديرة بهذا الاحتفاء تكريمًا لها وعرفانًا بفضلها ووفاء ببعض حقها، وسيسجل التاريخ لهذه المرأة بمداد من ذهب على صفحات من نور ما قدّمته وما تقدّمه وما ستقدمه في سبيل تحرير فلسطين من رجس المحتلّ الصهيوني المغتصب للتّراب الفلسطيني والمعتدي على المقدسات الفلسطينية الإسلامية وفي مقدمتها المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة وحائط البراق والحرم الإبراهيمي، وكذلك المقدّسات المسيحية، فلا فرق في فداء الوطن ومقدّساته بين مسلم ومسيحي، إذ تختلط الدماء فلا يفرّق الصهاينة عند العدوان والقصف بين مسيحي ومسلم، ولا بين مسجد وكنيسة.

جزى الله المرأة الفلسطينية المجاهدة الصابرة المرابطة التي تدافع عن الأمة العربية والإسلامية كلّها لا عن فلسطين وحدها، ففلسطين هي قلب الأمة والمسجد الأقصى هو ثالث الحرمين الشريفين وأولى القبلتين وهو ترمومتر حياة الأمة.

إنَّ صمود المرأة الفلسطينية على مدى ستة وسبعين عاما منذ النّكبة حتى اليوم لهو دليل على عروبتها وإبائها وحريتها وكرامتها التي ورثتها عن أسلافها منذ آلاف السنين، كما أنّ ما نشاهده على شاشات التلفاز العالمية على مدار الساعة منذ ستة أشهر، حيث اندلعت حرب طوفان الأقصى في غزّة، وتكالبت قوى الشرّ العالمية ممثّلة في الدول الكبرى وعدوانها السّافر الذي كشف للعام كلّه عن وجهها القبيح وانحيازها الأعمى إلى جانب الصهيونية العالمية ممثّلة في الكيان الصهيوني الذي يضرب عرض الحائط بالقوانين الدولية ولا يقيم وزنا للمنظمات الأمميّة، إنّ هذا الصمود ليرتفع بالمرأة الفلسطينية إلى مصاف الأسطورة في البطولة والفداء والتمسك بالحق والدفاع عن الأرض والتضحية بالزوج والأخ والأبناء واحتسابهم عند الله، ولا شكَّ أن هذه البطولة تثير العدو وتغيظه، ففي الوقت الذي تتحمَّل فيه المرأة الفلسطينية بل والشعب الفلسطيني كله رجالا ونساء، وشيبًا وشبّانًا هذا الدمار الشامل الذي يقوم به الكيان الصهيوني الغاشم، المدعوم بالجنود والعتاد العسكري والمال وكل ما يقيم الحياة في هذا الكيان المُتداعي لولا هذا الضخ للدماء في عروقه، نجد المرأة الصهيونية تولول على الهلكى من جنود الاحتلال ويبكى الجرحى والأسرى، ومن استطاعت منهن مغادرة فلسطين فقد فعلت دون تردّد لأنَّها وافدة على هذه الأرض ولا تشعر بالانتماء إليها، وهي حريصة على حياتها، كما قال الله عز وجل: “وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا  يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ” (البقرة: 96).

وصدق أمير الشعراء أحمد شوقي إذ يقول:

الأم مدرسة إذا أعددتها — أعددت شعبًا طيب الأعراق

أكرِّر شكري لجريدة “الأيام نيوز” الجزائرية وهيئة تحريرها على اهتمامها بهذا الموضوع (المرأة الفلسطينية رمز الصمود والمقاومة.. روح فلسطين) دعمًا لصمود الشعب الفلسطيني، وليس هذا بمستغرب على الجزائر بلد المليون شهيد، وبلد المناضلة الجزائرية القدوة جميلة بوحيرد التي صارت رمزًا على نضال المرأة العربية، ولا شك أن من يعاني الظلم والاحتلال يشعر بآلام غيره، وقد عانت الجزائر من الاحتلال الفرنسي البغض مائة وثلاثين سنة، ولهذا فإنَّ أهلها يدعمون الشعب الفلسطيني ويؤيدون القضية الفلسطينية بكل ما في وسعهم وطاقتهم ماديا ومعنويا.

وفي ختام مقالنا نسأل الله أنْ يجمع كلمة الأمة العربية والإسلامية ويوحد صفها ببركة ختام هذا الشهر الكريم على الله، شهر رمضان المبارك، شهر الانتصارات الإسلامية، منذ فجر الإسلام وحتى العصر الحديث، لكي تقف الأمة في وجه عدوها وتنتزع حقها وتظفر بحريتها المنقوصة في كثير من الدول بالاستغناء عن الغرب واسترداد الحق المغتصب، فالحق لا بد له من قوة تسنده، وما ضاع حق وراءه مطالب، والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل، وما ذلك على الله بعزيز.

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا