الكيان الصهيوني.. أو منظمة الإجرام التي تجرّ المهرولين إلى مستنقع الرذيلة والدمار !

ليست دولة ولم تكن أبدا كذلك ولن تكون.. فمنذ البدء كان تأسيسها لتأدية دور مؤسسة قبض وشركة مساومة وعصابة ابتزاز، في شكل تنظيم إرهابي إجرامي لصناعة الحقد وإنتاج الغلّ وتسويق الفتن، وتدوير الغدر وتصدير القتل، واستيراد حثالة البشر لتحقيق وعد النبوة الشيطانية التي تستبدّ برؤوس زناة التاريخ من حاخامات الزيف اليهودي والتحريف التوراتي والبهتان التلمودي والكذب التناخي.

إلا أنّ رأس “البلاوي” كلّها، لا يكمن في هذا الكيان الشاذّ ولا في خرافة وجوده، بقدر ما هو موجود في صفّ هؤلاء المهرولين المتملّقين لبيت الشيطان، من عرب المهانة في خليج البترودولار، باستثناء الكويت، والذين كتبت عنهم الصحافة العالمية من خلال تقارير متواترة ومعمّقة حول علاقاتهم بالكيان القاتل، في عزّ العدوان على غزّة وعربدته وصلفه بحق الأبرياء العزل من أبناء فلسطين، فقد أشارت هذه التقارير إلى العلاقات التجارية التي لم تفتر، خاصة ما كان منها بين الامارات العربية المتحدة والبحرين من جهة، والكيان المحتل على الجهة المقابلة، بل وزادت زخما ونشاطا، بعدما تعرّضت التجارة البحرية الصهيونية إلى المضايقة والتهديد من قبل الجيش اليمني، على مستوى مضيق باب المندب والبحر الأحمر، حيث خصّصت الدول العربية هذه، منفذا برّيا سريعا يربط موانئ المنامة ودبي مرورا بالسعودية والأردن، ووصولا إلى الكيان الصهيوني، في مسعى “أخوي” لفكّ العزلة والحصار عن “تل أبيب”.

في الأيام التي تلت غزوة طوفان الأقصى، في السابع أكتوبر 2023، سارع رجل الأعمال الصهيوني “رون دانيال” إلى مغادرة دبي – التي كان قد اتّخذها مقرا له منذ العام 2021 – إلى “تل أبيب”، وذلك لخوفه من أن يكون جالسا على فوهة بركان قد ينفجر من تحته في أية لحظة، وهو مدير شركة إدارة أرصدة وتكنولوجيا مالية، اسمها “ليكويتدتي غروب”، لكنه عاد بعد شهر فقط، وذلك لتأكّده من أنّ الشعور بالخوف والقلق الذي انتابه، لم يكن في الحقيقة سوى ضربا من وحي الخيال لا أكثر.

يعتبر “رون دانيال” واحدا من مجموعة رجال أعمال صهاينة، يعيشون ويعملون في الإمارات العربية المتحدة، منذ تطبيع العلاقات قبل 4 سنوات، وهي “الثمرة” التي جنتها العلاقات الثنائية عقب عملية التطبيع التي رعتها الولايات المتحدة الأمريكية بين الإمارات والكيان، إلا أنّه لم يتمكن – قبل هذه الفرصة – من الاطمئنان على صلابة العلاقات البينية أمام الغضب والفزع العربي المحتمل على خلفية أيّ عدوان صهيوني على فلسطين.

“رون دانيال” صرّح بعدما وقف على أنّ “دبي” أكثر أمانا من “تل أبيب”، بقوله: “نجا السلام، والمصلحة نجت، والصداقة نجت، مع أنّ العلاقة كانت حرجة في البداية بيننا وبين الأصدقاء الإماراتيين.. إلا أنّه وبسرعة، بدا الأمر وكأنّ لا علاقة للإمارات بما يحدث في غزّة وفلسطين، وهو الانطباع الذي طمأننا بشكل عميق..”. إنّها الطمأنينة التي نقلت الصهاينة الموجودين في الإمارات من باحثين عن الأمن لأنفسهم، إلى باحثين عن أصدقاء ومساندين لكيانهم الإرهابي في حملته الدموية ضدّ الفلسطينيين، في منطقة ملغومة ومعادية.. كل ذلك، رغم أنّ الإمارات كانت قد شجبت في البداية الدمار الذي أحدثه القصف الصهيوني لغزة، والذي أثار غضب الغالبية الشعبية لشرفاء الإمارات، وكذا شريحة واسعة من المقيمين في البلد من المسلمين وغيرهم، إلا أنّ موجة الغضب هذه سرعان ما تمّ احتواؤها وامتصاص شرارتها، بداية بمنع المظاهرات والاحتجاجات إلا بالقدر الذي تسمح به السلطات، في الزمان والمكان، لدرجة أن تم منع رفع العلم الفلسطيني وإظهار التضامن مع الشعب الفلسطيني في الفضاءات العامة وبشكل علني.

من زاوية أخرى، سارع قادة الإمارات إلى الإعلان عن التزامهم الكامل بكل الاتفاقيات التي تربطهم بالكيان الصهيوني، والمعروفة باسم “اتفاقيات أبراهام”، ولتطمين الطرف الآخر قاموا بدعوة رئيس الكيان إلى زيارة الإمارات في عزّ القصف والدمار، مبرّرين ذلك بزعمهم أنّ الإمارات قد اتّخذت قرارات إستراتيجية، وأنّ القرارات الإستراتيجية لا تُجنى ثمراتها إلا في آجال طويلة المدى، مؤكدين بذلك على أنّ طموحات الإمارات في المجال الاقتصادي خاصة، قد أعمت بصيرتها الأخلاقية وجعلتها تبيع كل شيء في سبيل أن تكون قبلة سياحية ومالية واستثمارية ووو.. مبجلة لدى أصحاب رؤوس المال حيث ما كانوا، معتبرة في الوقت ذاته، قرارها بتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني أمرا حيويا لمصالحها “الوطنية”، على عكس ما يمكن وصفه بعلاقات “السلام البارد” الذي يربط الكيان بمصر وبالأردن، منطلقة في ذلك من باب أنّها الدولة العربية المطبّعة الثالثة، والتي لم تخض أية حرب ضد الكيان، وبالتالي لا تحمل من العداوة والبغضاء للصهاينة شيئا مما يحمله بقية العرب.

الصهاينة وعلى رأي أحد رواد الأعمال والاستثمار “إيلي وورتمان” أحد مؤسسي شركة “بيكو فينشر بارتنرز” والتي تتخذ من القدس المحتلة مقرا لها، يتبنون فكرة مفادها أنهم سيدخلون الإمارات ضمن إطار اتفاقيات “أبراهام”، فينفذون إلى “مراقد” الأموال والخزائن العائلية، فيجمعون الكثير من الأموال، ثم يعودون من حيث أتوا محمّلين بالكنوز تاركين البلد لأهله.

للإشارة، كانت الصفقة الأولى الأكثر أهمية متمثّلة في شركة تابعة لحكومة أبوظبي، شركة “جي 42” وهي مختصة بالذكاء الاصطناعي، يرأسها الشيخ “طحنون بن زايد آل نهيان” مستشار الأمن القومي الإماراتي، والتي سارعت إلى فتح مكتب لها في الكيان الصهيوني.

كما استثمر صندوق المبادلات التابع لحكومة أبوظبي كذلك، أكثر من مليار دولار في حقل غاز صهيوني، وضخّ عشرات الملايين من الدولارات في رؤوس أموال تابعة لشركات صهيونية ناشئة. إلا أنهم لم يتمكنوا من ضمان السير الحسن والطبيعي للعلاقات البينية، بعد دخول الحرب شهرها الخامس، وما أنتجته من فشل ذريع للصهاينة في تحقيق أي هدف من الأهداف التي وعد بها الـ”نتن-ياهو” أصدقاءه الإماراتيين، خاصة ما تعلّق منها بسحق حركة المقاومة “حماس” وإنهاء وجودها المحرج على مشهد الصراع العربي الصهيوني.

رئيس المنتدى الصهيوني – الإماراتي “يو إي إي – إل تيك زون”، يقول في تصريح جانبي؛ “منذ السابع أكتوبر 2023، لم تعد الاتفاقيات “الأبراهامية” تعيش شهر العسل، لكنها لا تزال مستقبلنا، ذلك أنّ الإسرائيليين – الصهاينة – ما زالوا يشعرون بالترحيب في الدولة الخليجية، ويعتبرونها واحدة من أكثر الأماكن أمانا لهم في العالم أجمع..”.

إلا أنّ الحقيقة، كما يراها الكثير من المنصفين، يشكّل التحالف القائم بين الكيان الصهيوني والإمارات العربية، تحالفا بين الطاعون والكوليرا، فإذا كان الكيان الذي هو مجرّد ثعلب ماكر جبان، يرى في نفسه بعبعا يرعب كل من في المنطقة، فإنّ الإمارات العربية ليست سوى إسفنجة تريد أن تمتص المحيط، وذلك من خلال أذرعها المتمدّدة في المنطقة العربية والإفريقية؛ من اليمن والصومال فدولة السودان، إلى سوريا ولبنان فدولة ليبيا، إلى المغرب وموريتانيا فدولة مالي.. تدفع بكل سخاء لهزّ استقرار المنطقة كلّها، خاصة ما تعلّق منها بالدول السيادية التي لم تتمكن من اختراقها؛ الجزائر وتونس.. وبالتالي يوجد هناك مخطّط مشترك بين الكيانين؛ الصهيوني و”العربي”، للهيمنة على المشهد برمته.

المتابعون للشأن الإماراتي، يرون بأنّ سياسة الدولة الخليجية اتجاه الجزائر ينحو منحى خطيرا قد يصل مستوى قطع كامل للعلاقات بين البلدين، فلا أحد يمكنه توقّع ما يمكن أن تقوم به الجزائر، فهي لا تحبذ التشهير بخصومها حتى تتّخذ القرار الفصل، خاصة وأنّها تمسك بكل الأوراق الرابحة لتقرير ما يجب فعله في الوقت المناسب. كل ذلك على خلفية الدور التآمري والعدواني لــ”أبو ظبي” في المنطقة، ورفعها لواء التطبيع مع الكيان الصهيوني والدعوة إلى نشره عربيا وإسلاميا.

الرئيس “تبون”، وإلى الساعة لا يزال ينتهج منحى حذرا وتحذيريا في التعاطي مع الملف الإماراتي، فرغم ايحاءاته الضمنية للتجاوزات التي تقوم بها دولة الإمارات، خاصة في شرق ليبيا مع حليفها “حفتر” وتوجيهه إلى معارضة كل ما تطرحه الجزائر.. إلى المغرب الأقصى والسياسة العدوانية المنتهجة من قبل المخزن ضد الجزائر.. إلى مالي وقرار انسحاب الحاكم العسكري الانقلابي من اتفاق الجزائر.. إلى السودان حيث يقود العملية السلمية الجزائري “رمطان لعمامرة” وما يلاقي من حرب شعواء يقودها أزلام الإمارات ضدّ مساعيه الحميدة.. من دون الإشارة إلى المناورات التي تقوم بها داخل الجامعة العربية لضرب مصداقية الجزائر ومواقفها الشريفة.. إلا أنها وفي كل الحالات، لا تعدو أن تكون مجرّد ذبابة في ذيل أسد، قد تزعج بطنينها، لكنها لا تضرّ إلا نفسها.

مصطفى بن مرابط - الجزائر

مصطفى بن مرابط - الجزائر

كاتب في الأيام نيوز

اقرأ أيضا