المسلسلات الجزائرية الرمضانية.. واقعية فنية أم خيانة للفن بمحاكاة الواقع!

تخوض القنوات التلفزيونية الجزائرية منافسة كبيرة فيما بينها من أجل تحقيق نسب مشاهدة عالية، من خلال الأعمال الدرامية التي تعرضها في موسم رمضان، متسلّحة بأسماء ممثلين معروفين يملكون قاعدة جماهيرية لا بأس بها، غير أن اللافت في المسلسلات الدرامية الاجتماعية المنتجة هذا الموسم، محاولة تصالحها مع محيطها من خلال التعاطي مع قضايا تشغل بال الرأي العام الوطني، كانتشار المخدرات والتهريب والانحراف والتهميش وغيرها من الظواهر الاجتماعية، في وقت كانت هذه المسلسلات مفتوحة في الغالب على مواضيع مستوردة، بعيدة عن هموم المشاهد، وتجري أحداثها في فيلات وشقق فاخرة، بقصص مهرّبة من المسلسلات التركية والمكسيكية في غالب الأحيان.

وفي هذا الصدد، هيمن موضوع تعاطي المخدرات والتهريب ثلاثة مسلسلات على الأقل، بطريقة جاءت متزامنة لما يحدث على أرض الواقع، بعد إعلان السلطات الأمنية إلقاء القبض على عصابة كانت تخطّط لإغراق البلاد بأزيد من مليون و600 ألف قرص مهلوس، فقد تصدر مسلسل «الدامة» القائمة، من حيث جرأة الطرح والمعالجة الفنية المتميزة، حين قدّم المخرج يحيى مزاحم ـ اعتمادا على سيناريو سارة برتيمة ـ رحلة فنية في شوارع باب الوادي بالعاصمة، لملاحقة تجار المخدرات وتهريب القطع الأثرية، ليسجّل المسلسل نسب مشاهدة عالية حتى الآن بحسب بعض الأرقام المعلنة.

ونال المسلسل الذي يعرضه التلفزيون العمومي، استحسان المشاهدين، بالنظر إلى إخراجه الفني الجميل، وإلى النخبة الكبيرة والمتميزة من نجوم الدراما التي اجتمعت فيه، وفي مقدمتهم الممثلة بيونة، التي تسجّل هذا العام عودة قوية إلى الشاشة، وبالمقابل فإن قوة الأداء في المسلسل جاءت أيضا من خلال أطفال الذين أبدعوا في تقمّص الشخصيات، وأظهروا احترافية لا يقدر عليها كبار الممثلين.

وكان مسلسل «أولاد لحلال» قد فتح قبل عامين المجال لتعاطي الأعمال الدرامية مع محيطها الجغرافي، من خلال تصوير مشاهده في حي «الدرب» العتيق بوهران، كما لفت مسلسل «الاختيار الأول» الأنظار أيضا، بالنظر إلى موضوعه الذي يتناول ظاهرة المتاجرة بالمخدرات، وتدور وقائع المسلسل الذي تعرضه قناة «الشروق» في حي باب الوادي أيضا، بشكل يرسّخ المصالحة المعلنة بين الدراما الجزائرية والمدينة التي يتم التصوير فيها.

مشاهد تتنافى مع قيم المجتمع وعقيدته  

أشاد الباحث في علوم الإعلام والاتصال، الدكتور نصرالدين مهداوي “بالاحترافية في الإخراج والجودة والنوعية في معالجة القصة الدرامية ورسم أبعادها السوسيوقيمية والسيسيوثقافية في الأعمال التلفزيونية الرمضانية لهذا الموسم”.

وأشار الدكتور نصرالدين مهداوي في تصريح لـ«الأيام نيوز» إلى سلسلة «الدامة» الذي تدور أحداثها في حي باب الوادي الشعبي بالجزائر العاصمة، في إطار من الرومانسية والحركة، حول لعبة نسائية تسمى «الدامة»، وتقع الأحداث في زمنين متقاربين ومختلفين تجمع بين الأكشن والرومانسية والدراما، لتعكس القصة الواقع المعيش في الأحياء الشعبية ضمن نسيج اجتماعي وبيئة تجمع بين مختلف شرائح المجتمع وتراعي الطبقية.

وحسبه، فإن “المسلسل يرسم قصة واقعية حقيقية تعيشها الأحياء الشعبية في مختلف ولايات الوطن التي تجمع عقليات وذهنيات مختلفة، فرغم الاشتراك في التنوع الثقافي إلا أن القيمة الأخلاقية اضطرت أن تنحني أمام صعوبة الوضع الاقتصادي والمعيشي الذي يتطلب حنكة وذكاء ورزانة لمكابدة الظروف في هذا النفق المظلم، كما يحتاج مواجهة الصعاب والتحديات للوصول إلى مخرج مضيء يبعث السلام والأمان، فقد تم توظيف ألوان شاحبة لها دلالات سيميولوجية تشير إلى كل ما هو كئيب، حزين، مؤلم، أو حروب نفسية في ظل ممارسات الظلم والاحتقار”.

إلى جانب ذلك، انتقد مهداوي بعض المشاهد التي تضمّنها المسلسل، والتي لا تمتّ بصلة إلى قيم وثوابت وأسس المجتمع وتتنافى مع عقيدته، والتي تجسّدت في مشاهد الاختلاط بين الجنسين في سوق «دلالة»، وحسبه “فالأوضاع المتردية دفعت بالمرأة إلى الاختلاط لجلب القوت والشيء ذاته تجسّد في مشهد آخر لفتاة في مقتبل العمر تتعلّق بفتى منحرف في جو من الرومانسية، لا يعكس صورة المرأة الجزائرية المحتشمة”، رافضا ذلك “التوظيف لصورة المرأة المسلمة الطاهرة العفيفة في مشاهد سيّئة، تمارس سلوكيات غير أخلاقية كاحتكاكها بهذا الشاب في ترويج المخدرات”.

كما أشار الباحث في علوم الإعلام والاتصال، إلى “ظاهرة المتاجرة بالأطفال التي تعالجها بعض المسلسلات الجزائرية، حيث يصارع الأولياء من أجل حماية أطفالهم الأبرياء من المجتمع المخيف والسعي إلى الهروب من واقع خطير قد يلحق الضرر بالنسيج العائلي، ورغم التحديات ومواجهة الصعاب يقع الأطفال في فخ الاستغلال للمتاجرة بالمخدرات”.

إلى جانب ذلك، عرّج المتحدث على “سيناريو مسلسل 11-11 الذي صوّر الأستاذ الجامعي الجزائري في مشاهد مشينة وبشعة، ما جعله محلّ تشويه، إذ تعود القصة إلى أستاذ جامعي تعلّق بفتاة كانت طالبته قبل خمس سنوات”، وحسبه “فهذه المشاهد لا تعكس صورة الواقع، فالأستاذ الجزائري الحقيقي معروف بطيبة أخلاقه وقيمه وشيمه، ومعروف عنه أنه إطار ومثال لنخبة المجتمع”.

من جانب آخر، أرجع الباحث في علوم الإعلام والاتصال، “تراجع مستوى الكوميديا في الجزائر إلى غياب التكوين والفراغ الذي يشوب الخشبة وفضاءات المسرح واستغلال شخصيات وصناع محتوى عبر مواقع التواصل الاجتماعي مجرّدة من الموهبة والتأهيل، الأمر الذي أدى ـ حسبه ـ إلى تراجع مستوى أداء النص من طرف هؤلاء الممثلين الذين لا يفقهون أبجديات التمثيل ولا يدركون قيمة المحتوى والأثر الذي يخلّفه لدى الجمهور المشاهد”.

“إشكالية الواقعية في الفن”

يعتقد الأكاديمي والنّاقد محمّد الأمين بحري أن “الدراما الجزائرية تكرّر الواقع بأسلوب إسقاطي لا واقعية فيه، بل بتكرارية نمطية تجلب الواقع والشارع إلى المشاهد، بدل أن تجلب المشاهد إلى الفن الدرامي الذي يعيد تشكيل الواقع أمام المشاهد بأدوات وتوابل فنية ورؤية درامية تخاطب واقع الناس”.

وأوضح محمّد الأمين بحري، في منشور له عبر صفحته الشخصية على موقع فيسبوك، أن “الواقعية في الفن ليست تقديم رؤية الواقع للواقع وتكراره أمام المشاهد بحذافيره، أو إسقاطا كليا للفن على الواقع وإلا كان هذا إعداما للفن في مسرح الواقع”، وأشار المتحدث إلى أن “طغيان الواقع على الفن لا يجعل من الفن إلا ببغاءً يردّد ما يحدث في الواقع، ما يجعلنا أمام عمل وثائقي وليس درامياً”.

وحسبه، فإن “ما نشاهده اليوم في كثير من الأعمال الدرامية هو استجلاب للواقع بأدوات واقعية وإسقاط شارعي مصمت القوالب لا تخييل ولا خيط درامي واصل أو فاصل بين الواقع والفن، ما جعل الأعمال المعروضة أقرب إلى الوثائقيات حول الجريمة والانحراف والتهميش والآفات الاجتماعية وتدبير اليوميات الروتينية منها إلى الفن الدارمي وأسلوبه الواقعي الذي يفترض أن نرى فيه الواقع من خلال الفن وليس الإسقاط الواقعي للواقع، الذي يخرجنا من الدراما إلى الوثائقية”.

إلى جانب ذلك، يرى الأكاديمي والناقد الأدبي والسينمائي أن “إعجاب الجمهور بما يقدّم مبرّر تماماً لأنه إعجاب بالرسالة الوثائقية التي تعكس واقعه، وتجاوبه لم يكن دراميا بقدر ما كان انعكاسا لما تحكيه الوثائقية المتمشهدة أمامه عن يومياته، وما يقدّم له من مشاهد على أنها انعكاس ليومياته”، وأوضح المتحدث أن “هذا التقديم الببغائي يجعل الأعمال الفنية تنحرف عن تجنيسها الدرامي، وتخوّن الفن والواقع معاً، لأن الاحتمال الأبرز عند النقل المشوّه هو تشويه الواقع وثائقياً”.

الأيام نيوز - الجزائر

الأيام نيوز - الجزائر

اقرأ أيضا