الملف العالق منذ أزيد من 4 عقود.. خبراء: مكاتب الصرف ستنهي سيطرة «السكوار» على سوق الدوفيز

يعود ملف تفعيل مكاتب الصرف واحتواء سوق «السكوار» مجددا إلى الواجهة، عقب إعلان بنك الجزائر مصادقته على مشروع نظام يتعلق بشروط الترخيص وإنشاء واعتماد وعمل مكاتب صرف، في خطوة من شأنها تنظيم صرف العملات في الجزائر وفق أُطر قانونية، والقضاء على السوق الموازية، التي ما تزال ـ وإلى اليوم ـ المستفيدة الرئيسة من سوق تداول العملات، رغم سعي الحكومية إلى القضاء عليها، لكن دون تحقيق النتيجة المطلوبة.

في هذا الإطار، يعتقد الأكاديمي والخبير الاقتصادي، الدكتور عبد الرحمان مساهل، أن “فتح مكاتب للصرف خطوة مفيدة وضرورية ستساهم في تسهيل الحصول على العملة وجعلها تمرّ عبر القنوات الرسمية ما يسمح بتسهيل مراقبتها”.

وبالمقابل يرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي، بأن “التسرع في إطلاق مكاتب للصرف دون إصلاحات حقيقية للاقتصاد، والرقابة الشديدة عليها وتعقيد عملها، قد يفشل هذا المشروع جملة وتفصيلا”، وحسبه فإن “تحرير سعر الصرف ضروري لعمل مثل هذه المكاتب، أما أن يتم التدخل الإداري في عملها فسوف لن تتقدم أي مبادرة في هذا المجال”.

وأوضح الدكتور عبد الرحمان مساهل، في تصريح لـ«الأيام نيوز»، بأن “فتح المجال لمكاتب الصرف وتحرير أسعار العملة يتطلب تحرير الاقتصاد وتحرير المبادرات الاقتصادية وتعزيز المنافسة ودعم القطاع الخاص وتحرير القطاع البنكي وتعزيز المنافسة فيه”.

وفي هذا الصدد، دعا المتحدث السلطات المختصة إلى “تعزيز ونشر الثقافة البنكية والمالية والمصرفية لدى كل شرائح المجتمع، وخاصة في مجال الادخار، وذلك بتسهيل الإجراءات والقضاء على البيروقراطية في المؤسسات البنكية والمصرفية”، مشيرا إلى أن “فتح حساب بنكي بسيط يتطلب إجراءات ورقية وإدارية تجعل المواطن يحجم عن فتح الحساب ويفضل ترك أمواله في القطاع غير الرسمي”.

وبخصوص إمكانية “فتح هذه المكاتب في المستقبل القريب”، يرى الدكتور عبد الرحمان مساهل أن ذلك غير ممكن إلا بتمهيد وتبسيط السبل والطريق وتقديم تسهيلات وتحسين حرية الاقتصاد، وتبسيط وتسهيل دفتر الشروط الخاصة بتأسيس وعمل وحرية عمل هذه المكاتب، وهذا يتطلب -حسبه- عمل كبير وجهد ووقت، وليس بالأمر السهل، كما أنه ليس بالأمر السهل نجاح هذه المكاتب منذ البداية، خاصة وأن المواطن ألف الحصول على العملة من السوق الموازية بسرعة كبيرة ودون جهد أو إجراءات”.

ويعتقد الدكتور عبد الرحمان مساهل أن “القضاء على السوق الموازية غير ممكن عمليا، لأن الأسواق الموازية موجودة في كل مكان وزمان”، غير أنه أشار إلى “إمكانية التقليل من آثارها السلبية، ومحاولة إدخال المتعاملين فيها ـ بسلاسة وبطئ وبحذر ـ إلى الأطر والسوق الرسمي، وذلك بتبسيط وتسهيل الإجراءات الخاصة بشروط فتح هذه المكاتب وإقناع المتعاملين بضرورة العمل في الأطر الرسمية القانونية، عبر تشريعات واضحة، شفافة وإجراءات مبسطة وضمانات قانونية وليس بشعارات ووعود وكلمات”.

وفي ختام حديثه مع «الأيام نيوز»، أكد مساهل على “ضرورة معالجة المسألة من زاوية براغماتية واقتصادية بحتة، مع إيجاد حلول للمشاكل الاقتصادية بتدابير اقتصادية، وليست بتعليمات إدارية”.

تمويل مكاتب الصرف

من جهته، وصف الخبير المالي الدكتور نبيل جمعة، مصادقة المجلس النقدي والبنكي، على مشروع نظام يتعلق بشروط الترخيص وإنشاء واعتماد وعمل مكاتب الصرف “بالخطوة الإيجابية للساحة المالية الجزائرية” .

وأوضح نبيل جمعة أن “المشكل المطروح يتعلق بطرق تمويل هذه المكاتب المزمع اعتمادها وأن حل هذا الإشكال سيكون عبر تعليمة أو نظام أو قانون يتوقع أن يقدمه البنك المركزي ليوضح بكل شفافية طرق تمويلها”، وأشار المتحدث إلى “وجود 46 مكتب صرف يمتلك الاعتماد من قبل لجنة النقد والصرف الموجودة ببنك الجزائر في انتظار السماح للمكاتب الجديدة بمباشرة مهامها”.

مراجعة قيمة المنحة السياحية

ومن جانبه، يرى الخبير الاقتصادي، فارس هباش، أن “فتح واعتماد هذه المكاتب سوف يقتصر في المرحلة الأولى على تحويل بعض المهام الروتينية للبنوك التجارية والمتمثلة في المنحة السياحية ومنحة الدراسة والعلاج إلى هذه المكاتب وبالتالي فإن هذه المكاتب ستسهل هذه الإجراءات”.

وبالمقابل، أفاد فارس هباش في تصريح لـ«الأيام نيوز»، أن “هذه المكاتب لن تكون لها القدرة على مواجهة السوق السوداء واستقطاب النقد الأجنبي إلا إذا أعطيت لها صلاحيات أوسع، من خلال مراجعة حقيقية لقانون النقد والقرض ومراجعة سعر الصرف الحقيقي”.

وحسبه فإن “وجود فارق كبير في سعر الصرف يحد من فعالية هذه المكاتب ويقزم دورها”، مشيرا إلى أن “هذه المكاتب ـ في الأصل ـ تجمع النقد الأجنبي من السياح الأجانب والمغتربين لتعيد بيعه إلى طالبيه، غير أن هذه الآلية لن تتحقق في ظل وجود السوق السوداء نتيجة فارق سعر الصرف”.

ومن أجل تنشيط عمل هذه المكاتب، دعا المتحدث إلى “مراجعة قيمة المنحة السياحية التي لا تتعدى 100 أورو حاليا”، مشيرا إلى أنها “قيمة جد زهيدة تجعل الكثير يعزف حتى عن طلبها كما أنها لا تعطي مصاريف حتى يوم واحد في بلد أوروبي ـ على سبيل المثال ـ ومن ثم فبقاء هذه المنحة في هذا المستوى سيحد من أهمية ومردودية وجدوى هذه المكاتب على المدى القصير في انتظار إعطائها أدوار أكبر في المدى المتوسط والطويل”.

تسهيل عمليات الصرف

وفي هذا الصدد، أعلن بنك الجزائر مصادقة المجلس النقدي والبنكي برئاسة محافظ بنك الجزائر، صلاح الدين طالب، عن مشروع نظام يتعلق بشروط الترخيص وإنشاء واعتماد وعمل مكاتب الصرف في الجزائر، مشيرا إلى أن “هذا يأتي بهدف توفير الظروف الملائمة التي من شأنها تعزيز إنشاء شبكة وطنية واسعة من هذه المكاتب، بالإضافة إلى تسهيل عمليات الصرف لفائدة الجمهور الواسع”.

وأوضحت المؤسسة المالية ذاتها، أن “مجال نشاطات هذه المكاتب سيشمل العديد من العمليات، خصوصا المتعلقة بالحق أو منحة الصرف لفائدة المقيمين، من أجل الأسفار السياحية أو المهنية بالخارج، عطفا على تكاليف إجراء الدراسات والتربصات”.

وبين المصدر ذاته، أن “هذه المرحلة الجوهرية لإنشاء شبكة منظمة ومضبوطة لمؤسسات توفر خدمات الصرف المؤمن، ستُتبع بمراجعة للقواعد المنظمة لعمليات الصرف هذه، تماشيا مع التطور الاقتصادي والاجتماعي لبلادنا”، مشيرا إلى أن هذا النظام “يعد الأول من بين سلسلة من النصوص التطبيقية للقانون النقدي والبنكي رقم 23-09 المؤرخ في 21 جوان 2023 وسيُتبع بتنظيمات أخرى التي ستصدر تباعا”.

90 مليار دولار في السوق الموازية

جدير بالإشارة إلى أن الحكومات المتعاقبة كانت قد حاولت استقطاب واحتواء الكتلة النقدية المتداولة في السوق السوداء غير أن محاولاها باءت بالفشل، وسبق للوزير الأول، أيمن بن عبد الرحمان، أن كشف عن “اعتماد 46 مكتب صرف ومنح 76 تفويضا بالصرف لعدد من المؤسسات الفندقية، والتي لم تثبت نجاعتها، حيث أنه من بين 46 مكتب صرف معتمدا، تخلى 43 منها عن الرخصة، وأما المكاتب الثلاثة المتبقية لم تحقق أي رقم أعمال، لانعدام النشاط”، وأوضح بن عبد الرحمان بأن “فتح مكاتب صرف العملة الصعبة مؤطر حاليا بتدابير تنظيمية لبنك الجزائر”.

وأجمع نواب المجلس الشعبي الوطني خلال مناقشة بيان السياسة العامة للحكومة، السنة الماضية، على ضرورة المسارعة في فتح مكاتب صرف معتمدة والقضاء على السوق الموازية للعملة الصعبة في العاصمة وباقي الولايات، حيث وجهت جل المداخلات نداء إلى الوزير الأول أيمن بن عبد الرحمن تطالبه فيها باتخاذ خطوة تاريخية في هذا الملف العالق منذ أزيد من 40 عاما، تاريخ ظهور «السكوار».

وطالب النواب “بضرورة اتخاذ إجراءات سريعة لاستقطاب الكتلة النقدية المكدسة في السوق الموازية، معتبرين أن الوقت قد حان لاستغلال البحبوحة المالية المحققة مؤخرا، نتيجة تعافي أسعار برميل النفط لتحقيق قفزة اقتصادية وتنموية، بعيدا عن تكرار سيناريو السنوات الماضية حينما كانت أموال الدولة تنهب نتيجة الفساد”.

وفي هذا الصدد قال رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون إنه “لا أحد ينكر وجود أموال ضخمة متداولة في السوق الموازية، في ظل غياب أرقام رسمية أو إحصائيات دقيقة”، وقدر الرئيس حجم الاقتصاد الموازي في الجزائر “بـ10 آلاف مليار دينار جزائري أي ما يعادل 90 مليار دولار”.

منير بن دادي

منير بن دادي

اقرأ أيضا