الموسيقار الكبير محمد الأمين في ذمّة الله.. السّودان يودّع فنان الحبّ والحريّة

غيّب الموت أيقونة الأغنية السودانية، الفنان والموسيقار الكبير محمد الأمين، والذي يعتبر أحد أبرز المغنيين الذين عرفتهم الساحة الفنية في السودان خلال العقود الستة الماضية، كما أن إسهاماته في مجال تجديد أغاني التراث لا حصر لها.

توفي الراحل بمدينة فيرجينيا الأمريكية عن عمر ناهز الـ80 سنة، ونعى آلاف السودانيون الفنان الراحل، مشيرين إلى أنه كان الأكثر حضورا وإبداعا وتنوعا خلال العقود الأخيرة إذ غنّى للحب والحرية ـ طيلة ستين عام ـ وأسهم في تشكيل الوجدان السوداني عبر العشرات من الأغنيات الخالدة، وتحسر الكثير من المغردين على رحيل محمد الأمين بعيدا عن الوطن، الذي غنى له كثيرا.

وكان أول ظهور جماهيري لمحمد الأمين في نهاية ستينيات القرن الماضي عبر أغنية “أنا وحبيبي”، التي ظلت لأعوام طويلة تتصدر الأغنيات الأكثر تفضيلا لدى عشاق الموسيقى السودانية.

في الفنّ.. باشكاتب ونُص

الفنان محمد الأمين والملقب بالباشكاتب، واسمه بالكامل محمد الأمين حمد النيل، ولد في 20 فبراير 1943 بمدينة ود مدني بولاية الجزيرة. وقد جذبه إلى عالم الموسيقى والغناء منذ نعومة أظافره خاله الأستاذ بله يوسف الازيرق، فأجاد العزف على آلة المزمار ثم آلة العود التي تمكن منها وهو لم يتعد الـ12عاما.

التحق محمد الأمين، في عام 1960م، بمدرسة موسيقى شرطة النيل الأزرق التي كان على رأسها الموسيقار محمد آدم المنصوري، كما أسعفته اللحظة بوجود عدد كبير من أميز العازفين حينها في ود مدني مثل الموسيقار حسين بطرى، وقد برع محمد الأمين حينها في أداء أغنيات لفنانين سبقوه إلى سدة الغناء، مثل عبد الكريم الكابلي ومحمد وردي، ما أجلى عن قدراته الصوتية الكبيرة وأكسبه شعبية وجماهيرية في ود مدني.

واصل محمد الأمين في إبداعه وارتباطه بوطنه وتفاعله معه بإحساس المبدع الأصيل، فظهرت له بعد ذلك أناشيد وطنية متعددة ومرتبطة بمناسبات ونضالات قومية، ما قاد لاعتقاله هو وزميله الفنان محمد وردي في العام 1971م، ومن هذه الأناشيد (المبادئ) فضل الله محمد، (السودان الوطن الواحد) محجوب شريف، (المتاريس)، أداء مبارك حسن خليفة، (تحية أكتوبر) محجوب شريف، (مساجينك) محجوب شريف، (لقاء العاملين) و(ابل الرحيل) عبد الباسط سبدرات.

روح الالتزام.. روحُه

أكثر ما يميّز الراحل محمد الأمين جديته والتزامه الصارم بتقديم ما هو غير معهود، فهو منذ أن تغنى بـ (وعد النوار) أصبحت تجربته الغنائية بمثابة فتح في مسار الأغنية السودانية، وشكلت تلك الأغنية علامة فارقة، حين أصبحت رمزا للتجديد باعتبار أن الألحان فيما مضى دائرية وتقليدية ويغلب عليها طابع ألحان الحقيبة، ولكن وعد النوار تميزت (بموتيفة) جديدة ولازمات مختلفة غيرت من النمط السائد في الماضي.

قبل أن يتغنى محمد الأمين بأغنية (خمسة سنين) في العام 1984، كان قد استلم نص أغنية (حلم الأماسي) في العام 1978، عندما كان الدكتور عمر محمود خالد (طالب امتياز). وبعد تخرجه من كلية الطب جامعة الخرطوم، وفي ذلك الوقت البعيد قبل 35 عاما كان النص بحوزة محمد الأمين ولكن لم يخرجه إلى الناس إلا في مطلع العام 1997، وتحديدا في اليوم السابع من شهر جانفي، حين تغنى محمد الأمين لأول مرة بأغنية (حلم الأماسي) بعد عشرين عاما بالتمام والكمال.

قدم محمد الأمين الأغنية بمسرح نادي الضباط في ليلة شتائية اعتلى خلالها الدكتور عمر محمد خالد المسرح، وصدح بالقصيدة، ثم تغنى محمد الأمين بعد ذلك، والأغنية بالفعل كانت جديدة في لحنها وإيقاعها.

زاد الشّجون.. نافذة إلى اللحن الكلاسيكي

شارك محمد الأمين في العديد من المهرجانات الغنائية داخل وخارج السودان، وقدم العديد من الحفلات في البلدان العربية والأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، أهمها المهرجان الثقافي الأول بالجزائر، ومهرجان الشباب العالمي في موسكو، والمهرجان الفني الموسيقي في هولندا، كما حصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة النيلين في عام 2010، ومنحته رئاسة الجمهورية وسام الجدارة في ذكرى الاستقلال في عام 2014.

واعتبر الكثير من النقاد أغنية “زاد الشجون” التي ألفها الصحافي الراحل فضل الله محمد بمثابة علامة فارقة في إبراز قدرات محمد الأمين في اللحن الكلاسيكي العاطفي، وتشير بعض الروايات إلى دور هذه الأغنية في تحديث الموسيقى السودانية بشكل كامل حين جمد محمد الأمين الأغنية أربع سنوات قبل أن ترى النور على يد الدفعة الأولى من خريجي معهد الموسيقى.

وأسهم محمد الأمين أيضا في تجديد أغاني التراث السودانية التي أكسبته شعبية كبيرة. وأكثر ما ميز محمد الأمين هو قدراته العالية في التلحين والتأليف الموسيقي والتي انعكست في أكثر من 50 عملا فنيا.

وفور انتشار نبأ وفاة محمد الأمين، صباح أمس الإثنين، تدفق الآلاف من السكان والنازحين من حرب الخرطوم إلى منزل أسرته في أحد الأحياء القديمة بمدينة مدني في وسط السودان والتي تحولت إلى عزاء مفتوح.

الراحل محمد الأمين كان مؤمنا بتميّز الموسيقى السودانية نغميا من خلال السلم الخماسي، وقال في هذا الشأن “هناك مزج بين الإيقاع والسلم، فإذا كان الإيقاع هو الزمن أيّ الريتم، فإن السلم يتعلق بالنّغم، وبما أنه كذلك، فالموسيقى السودانية تتميز بفضل التنوع في المجتمع السوداني الإفريقي العربي الذي أنتج خليطا بين هذا وذاك”.

“هذا المزج له تأثير قوي من الجانب العربي في كل مجالاتنا الحياتية” ـ حسب نظرة الراحل محمد الأمين ـ ولهذا فإن “موسيقانا تعكس هذا التأثير، حتى وإن كانت الروح الأفريقية التي تبدو طاغية بعض الشيء، على مستوى السلم الخماسي”.

كشف محمد الأمين، خلال لقاء تلفزيوني، عن تفاصيل تجربته مع الغناء الوطني، ومسيرة نضاله ضد الأنظمة الديكتاتورية، خصوصا أنه تم اعتقاله بسجن كوبر خلال حكومة الرئيس السوداني السابق جعفر النميري، وتحدث عن المضايقات التي تعرض لها من قبل النظام بسبب أغنياته الثورية، وتحدّث عن الفرق بين الثورات الثلاث التي عاصرها.

حميد سعدون

حميد سعدون

اقرأ أيضا