المُستشرِقةُ الألمانيَّةُ “زيغريد هونكه” في الجزائر.. من الاستلاب إلى استرجاع الإنِّيَّة (الجزء الثاني)

أثارت المُستشرِقةُ الألمانيَّةُ “زيغريد هونكه” قضيَّة الدِّين في المُحافظة على القِيَم الروحيَّة والأخلاقيَّة لضمان الاستقرار المُجتمعي والعلاقات الإنسانية بين النَّاس، وقالت: “إنَّ الإنسان والإنسانية يُوجدان في مُنعرَجٍ خطير من تطوُّرهما”، وتوصّلت إلى أنَّ المُجتمعات الأوروبيَّةَ ماضِيَةٌ إلى “موت الإنسان”، والسُّقوط في مَهاوي القلق الوُجودي، حيث قالت: “لقد وَلِدت العَدَمِيَّةُ والمادِّيَّة في الوقت الذي بدأ فيه الدين يُرخي من قبضته”.

وبصِفتها كانت من “المُوحِّدين الألمان، ونائبةَ رئيسٍ لحركةٍ دينية غير مسيحِيَّة في ألمانيا، فقد رأت “زيغريد هونكه” أنَّ المُجتمع الألماني كان مريضًا ويعاني من افتقاد الفِكرة المثاليَّة التي تُعادل الدين “التَّوحيدي” الذي يحملُ قِيَم الخير والمَحبَّة لكل النَّاس. وأمَّا عن الحلِّ لمعالجة المُجتمع المريض، فقالت: “أرى أنَّ استرجاعَ الدين وفكرة المثالية هي الإمكانية الوحيدة لكي نعالج الأزمةَ التي يتخبَّط فيها مجتمعنا المريض”.

في مُقابل الوضع الأوروبي، كانت “زيغريد هونكه” ترى بأنَّ العالم العربي والإسلامي ما زال بخير طالما هو مُتمسِّكٌ بدينه، غير أنَّها لم تُخفِ توجُّسها بأنَّه مُهدَّدٌ باللاَّدينيَّة، حيث قالت: “فالعالم الإسلامي لا يزال سليمًا وإن كان مُهدَّدًا باللاَّدينية”. والواقع أنَّ العالم الإسلامي توجَّه إلى الفُرقَة الدينيَّة وإساءة فهم الإسلام أو تكييفه وفق المصالح والأهداف الدنيويَّة، مِمَّا حوَّله إلى دينٍ في خدمة الماديَّة، وزلزل المُعادلة بين الرُّوح والجسد لدى الإنسان المُسلم، فتغلَّب الجسدُ على الرُّوح، وصار الإنسان ضحيَّةً للمادة وما نتَج عن هذه الزَّلزلة من تبعِيَّة إلى الغرب وانبهارٍ به إلى درجة الاستلاب الرُّوحي وافتقاد الأصالة التي تُمثِّل العنصر الأوَّلَ في البناء الحضاري الحقيقي.

على القارئ أن يتذكَّر بأنَّه يقرأ مقالاً كُتِبَ في سنة 1972، فإن تكن الفكرة الأساسيَّةُ بقِيَت قائمةً بأنَّ الدينَ هو الشَّرطُ الأوَّل في الحفاظ على الهويَّة، والعنصر الأساسي في تمايُز العرب عن الغرب، واكتساب القوَّة الرُّوحية للبناء الحضاري.. فإنَّ أفكارًا أخرى لم تعد صالحةً، فبدلاً من اللاَّدينيَّة ظهَر التَّطرُّف الديني، وبدلاً من الانبهار بالغرب تجسَّدت التبعيَّةُ إلى هذا الغرب في صُوَر ما نراه من مواقف كثيرٍ من العرب والمُسلمين من الحرب الجهنَّميَّة على “غزَّة”، والتَّآمر على فلسطين وشعبها وقضيَّتها..

نواصلُ مع المقال الذي كتَبَته المُستشرِقةُ الألمانيَّةُ “زيغريد هونكه” خلال زيارتها إلى الجزائر سنة 1972، ونشرته مجلة “الأصالة” الجزائرية تحت عنوان “من الاستلاب إلى استرجاع الإنِّيَّة”..

الدِّين.. حجَرُ الزَّاوية في الحضارة الإسلامية

هذه التربة التي يتعيَّنُ على الجزائر أن تَنبُتَ فيها لكي تستعيد شخصيتها هي الإسلام، ثانِيًا. هو الدِّين الذي ينظِّم أكثرَ من أيِّ دينٍ آخر سلوكَ شعبٍ في جميع الميادين. إنَّ هذا الدين أو هذا القانون له اليد الطُّولَى في كل ما يتعلق بالأخلاق وبالحياة الاجتماعية، وبالقانون الخاص بالتعليم وبالثقافة.

إنَّ هذا الدين يوجد في قلب الوجود نفسه، فالإسلام من حيث أنَّه دينٌ، فهو حجَرُ الزَّاوية في الحضارة الإسلامية. فهو الذي سيُمكِّنُ من نهضةِ العالم العربي. وهذه الاعتبارات صادرةٌ عن التَّجربةِ التي قمتُ بها في أوروبا، هذه القارة التي يتَّخذ فيها الانمحاءُ التدريجي للدِّين أبعادًا مُخيفةً حقًّا.

“موتُ الإنسان” في أوروبا

وعملية الاستئصال الديني هذه بدأت في أوروبا قبل قرنين من الزمان، وهي اليوم قد بلغت سَورتها (حِدَّتها). وكان “نیتشه” قد تنبَّأ بهذا التطور وبنتائجه الحتمية. فقد كان يتحدَّثُ عن “موت الله”، وهو يعنى بذلك أنَّ الإنسان لم يعد يؤمن بالمفهوم المسيحي عن الله وعن الدين المسيحي.

وقد تنبَّأ بمِثل هذا الأفول الذي لم يُسجَّل أبدًا في ملفات التاريخ، وبالانقلابات الخطيرة التي تُماثِل بالتَّدقيق ما نعرفه اليوم في الشرق والغرب على السَّواء. لقد وَلِدت العَدَمِيَّةُ والمادِّيَّة في الوقت الذي بدأ فيه الدين يُرخي من قبضته، وفي الوقت الذي بدأ الإنسان يفقد فيه المثالِيَّةَ.

وُجودٌ بلا دينٍ.. وُجودٌ تائِهٌ في العدَمِيَّة

إنَّ الوجودَ دون فكرةِ المثالية يفقد كل بعدٍ أصيلٍ، وهو سطحيٌّ، فارغٌ ومُخِيفٌ. فالإنسان الذي يفصل نفسه عن جذوره الدينية لن يرى بعد ذلك سببًا مُقنِعًا لوجوده، ويظل يعاني من الإحساس بالفراغ وبالقلق الوجودي، وينتابه اليأس. وفضلاً عن ذلك، فأنَّه يتنصَّل من مسؤوليات هذا العالم والبشر، ويبحث عن طريقٍ جديدٍ في اللاَّمبالاة وفي العنف وفي عالم من الأحاسيس واللذائذ المادية. أما الأجيال الفتِيَّة فإنَّها تَسير نحو تدهورٍ تامٍّ عن طريق المُخدِّرات والإرهاب والإغراق في الجنس والقسوة والمرض والاضطراب العصبي. إنَّ الإنسان والإنسانية يُوجدان في مُنعرَجٍ خطير من تطوُّرهما.

لماذا تَدهوَرت الإنسانيةِ؟

ومن حيث أنَّني نائبةُ رئيسٍ لحركةٍ دينية غير مسيحِيَّة في ألمانيا أي المُوحِّدين الألمان، فإنَّني أرى أنَّ استرجاعَ الدين وفكرة المثالية هي الإمكانية الوحيدة لكي نعالج الأزمةَ التي يتخبَّط فيها مجتمعنا المريض في أيَّامنا هذه، ولكي نجنِّب حضارتَنا من تدهور الإنسانيةِ. إنَّه لا يمكن بدون الدين، الذي يشكِّل جزءًا من الوجود الإنساني، معالجة العالم من الآلام التي يعانيها. ونحن إذا لم نتجه من جديد نحو الدين، فإنَّ البؤس الإنساني سوف يتفاقم… وستكون هناك شَطَحات فارغةٌ لا جدوى منها، وسيحدثُ انحلالٌ وتدهورٌ، وتبقى جهودنا كلها لا طائل من ورائها.

العالمُ الإسلاميُّ مُهدَّدٌ باللاَّدِينِيَّة

إنَّ الناسَ في حاجةٍ إلى دينٍ يرشدهم إلى الطريق الذي يتعيَّنُ عليهم أن يَنتهِجوه في العالم لا خارج العالم. إنَّهم حاجة إلى دين يعلِّمهم كيف يضطلعون بمسؤولياتهم تجاه العالم والمسؤولية.

وإنَّني أودُّ ها هنا أن يستفيد العالم الإسلامي من هذه التجربة المَريرة التي يمُرُّ بها العالم الغربي، والعِبَر التي تُستَخلص منها. فالعالم الإسلامي لا يزال سليمًا وإن كان مُهدَّدًا باللاَّدينية، وإنَّ فقدان المبادئ الدينية قد يؤدي إلى قلب مجموع الحضارة العربية رأسًا على عقب.

لقد لاحظتُ بارتياحٍ أنَّ العالم العربي يتَّجهن، أكثر فأكثر، نحو الدين، ويعمل على سدِّ الثَّغرات وتقوِيَة الأسُس الدينية للإسلام دون أن يقَع مع ذلك في فورة التعصب والعقائدية وغيرها. وقد بدأت تظهر قوى جديدة حيوِيَّة في الإسلام كفيلةٌ بأن تتحكَّم في تطور المجتمع العربي في الوقت الحالي، وفي ضمان نهضته.

الاشتراكية “الإسلامية”.. قَبل ماركس ولينين

وقد هزَّ أعطافي أن أسجِّل أنَّ الجزائر تبذل بدورها جهودًا متعدِّدة في سبيل أن تعيد إلى الإسلام حيويَّتَه كلِّها. لقد بادَر الشعب الجزائري، بعد نيل استقلاله مباشرة، إلى إعادة بناء مساجده وزواياه في اندفاع تلقائي. وفي استطاعتنا أن نلاحظ هذا البَعث للقِيَم المتوارثة فيما نشاهد من تنشيطٍ للقيم الأخلاقية والثقافية والاجتماعية، وفي تعزيز روح الأسرة والتَّآصر، وفي الغِيرة الوطنية والتعاون، وفي القدرة على تجاوز النفس والعمل للصالح العام، حتى إذا اقتضى كل ذلك جهودًا والتزامات يومِيَّة، فضلاً عن التَّضحية بالمصلحة الخاصة. وهذه القِيَم انبعثت وسَط نار الرَّشاشات خلال حربٍ قاسيةٍ دامت سبع سنوات، واكتوت بنار الحرب. وهي تمثل اليوم “الاشتراكية” العربية المَحضة. وهذه “الاشتراكية” أو الصورة التقدُّمية للإسلام – مثلما قال إدريس شابو – “طبَّقتها وعاشتها الأجيالُ الجزائرية السابقة قبل أن توجَد نظريات وإيديولوجيات ماركس ولينين وماوو عن الاشتراكية”.

وهذا الإسلام النقيُّ من الشَّوائب والآراء غير الإسلامية ومن الخُرافة.. التي تعتقد ببُطلان العالم ولا واقعِيَّته وتعتزل الحياة. إنَّ هذا الإسلام المتفتِّح على العالم وعلى الواقع لا يَسير في معارضته التطوُّرَ العقلي، لأنَّ “المسلم، مِثلما يؤكد ذلك الأستاذ محمد عزیز الحبابي، ملتزمٌ أمام الله، إذا هو التزَم لصالح البشر. فالإيمان: شهادةٌ، وعملٌ، وأيّ التزام كامل من قِبَل الإنسان الذي يُعتَبر مسؤولاً بأعلى درجة عن أفعاله، وبصفةٍ شخصيةٍ”.

إنَّ العودة نحو الذات وإلى الشخصية الأصلية تتطلَّبُ دراسةً استطلاعية للماضي. وبالفعل، فمعرفة طبيعة الأصول الذاتية ومعانيها تعني إقرارَ حالةَ شعبٍ يريد أن يضطلع بدور الإبداع في التاريخ وفي الحضارة. وبالطبع، فكل طريقٍ نحو الحرية يبدأ بالتعرُّف على الماضي الخاص.

الاستعمارُ يُزيِّفُ التَّاريخَ الثقافي الإسلامي

لقد أُدخِل في رَوع الأجيال من الجزائريين.. أنَّ التاريخَ والثقافة بَرزَا يومَ أن وطئِت أقدامُ المعمِّرين الفرنسيين التراب الجزائري. ولكنهم كانوا يجهلون آنذاك أنَّ ثقافتهم شَعشع نورُها طِوال قرونٍ عديدةٍ في الوقت الذي كانت فيه الثقافة الفرنسية تبحث عن طريقها، وكانوا يجهلون، مثلما أكَّد ذلك أحمد طالب الإبراهيمي أنَّه ” وجَد الغزالي قبل ديكارت، وابن رشد قبل موليير ومونتسكيو، وابن خلدون قبل فيكو، وابن طفيل قبل ديفو، وابن سيناء قبل برنارد، والمعرى قبل دانتي، وعمر ابن أبي ربيعة قبل لامارتين”. ففي الوقت الذي كان الفرنسيون يُخفون عن العرب ثقافةَ أجدادِهم الزَّاهرة ومساهمتها العظيمة في تطور البلاد الغربية، كانوا يصُبُّون في عقول التلاميذ الجزائريين هذا التزييف الفادح للتاريخ الذي يزعم بأنَّ هزيمة العرب في “بواتيي” سنة 732 كانت انتصارًا لبلاد الغرب على البربرية.

نَفضُ الغبار عن التاريخ لاستعادة الوعي الإسلامي

وإنَّه من الأهمية بمكانٍ نفضُ الغبار عن التاريخ من أجل استعادة الوعي الإسلامي العربي، والكشف من جديد على الصِّفات الحَسَنة التي ينطوي عليها العالم العربي. يجب أن يُربَّى من جديدٍ الوعيُ بالماضي الذي بقَى مشلولاً لمدة طويلة. ويجب إحياء ماضي العالم العربي بكل عظَمَته حتى يتشرَّبَه الشعبُ إلى أقصى حدٍّ. أجل، إنَّه من الضروري حقًّا تحليلُ أسباب تطوُّر الحضارة العربية ومجدِها وتدهورها لاستخلاصِ درسٍ من كل ذلك.

ذلك لأنَّ العربَ وجدوا أنفسهم في الماضي أمام مرحلة البداية، في الوقت الذي كانت فيه حضارات سامية سائدة حرَمَتهم – الصينيين والهنود – الأشياءَ التي بدت لهم أساسِيَّةً ونافعةً. ولكنهم لم يقلِّدوا أبدًا التقليد الأعمى، بل على العكس من ذلك غربلوا جميع الأفكار بعقليتهم النَّاقدة.

إنَّ الاستنساخَ الصِّرف لثقافة ما، ليس سوى نسخة رديئة لن تُؤدِّي إلاَّ إلى مظهرٍ حضاريٍّ عَقیمٍ جامدٍ سرعان ما يذبل.

الحضارةُ العربية جِسرٌ بين الحضارات!

إنَّ معظم المؤرخين الأوروبيين يأخذون عن الحضارة العربية أنَّها عقيمةٌ، وأنَّ دورها اقتصر فقط على نقل الحضارات القديمة دون مُساهمةٍ خلاَّقة منها. ولقد دحضتُ أنا هذه المزاعم، لأنَّها لا تعكس الحقيقة. إنَّه لا يجب علينا أن نكون مستشرقين فقط

حتى نقوى وأن نعيد إلى العرب حقوقهم. بل علينا أن نعرف نفسِيَّة الشعوب العربية وثقافاتها. وإنَّ الادِّعاء بأنَّ العالمَ العربي ينقصه الإبداع، إنَّما هو راجعٌ إلى فقدان المعلومات النفسانِيَّة للخصائص الهيكلية الموجودة في مختلف الثقافات العالمية، وذلك بغضِّ النَّظر عن النظرة المسيحية الاعتباطية.

وفضلاً عن ذلك، فردود الفعل هذه ناتجةٌ عن التَّقدير المُفرِط للقِيَم المادية التي ينقلها شعبٌ إلى آخر، وأعني بذلك أيضًا الموادَّ النَّفعِيَّة أو منجزات الهندسية المعمارية والمقطوعات الشعرية والتَّقاييد العلمية على حدٍّ سواء. ثم إنَّ هناك نُقصًا في التَّمييز بين مختلف الاتجاهات في طريق التفكير اليوناني والهندي والعربي. وباختصار، فإنَّ الملاحظة ها هنا تجري دون وجود الموضوع.

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا