بايدن ونتنياهو.. نهاية حفلة تنكرية.. هل خرجت الأمم المتحدة من طوق “الصهيونية”؟

في وصف دقيق لحالة و”حانة” الحرية، حين تكون أقداحُ سُكارَى تقارع بعضها البعض في حفلة رقص وعربدة وضحك على أذقان الشعوب، اختزل الكاتب الأمريكي الساخر “مارك توين”، مفهوم الديمقراطية الأمريكية بشكل خاص وماهيتها الغربية بشكل عام في عبارة: “لقد منّ الله علينا بثلاث نعم في هذا البلد، حرية التعبير وحرية التفكير والمقدرة على عدم تطبيق أيً منهما”، والعبارة السابقة الذكر، بقدر ما تحمل من سخرية سوداء، بقدر صدقها الذي تجلى في مفارقة، أنّ أمريكا ومن خلفها أوروبا، واللذين كثيرا ما استباحا أوطانا وشعوبا وسيادات دولية، باسم نشر “دين” الحرية والديمقراطية الوهميين، ما هما في نهاية الأمر، أي أمريكا وأوروبا، إلا كذبة سخيفة المعنى والمبنى، تم تسويقها من على ظهر شعوب المعمورة، لتفضح “العالم”، مساحة للحرية كانت ولا زالت “غزة” الصمود والثبات والمقاومة..

كل العالم وإلى أن يثبت العكس، مُحتل وقيد الرهن، إلا مساحة من إنسان هو غزة، حيث الحرية الوحيدة التي عرفها البشر، هو ما يعيشه عالم اليوم، من يوميات مؤامرة معولمة، عنوانها الوحيد، أنّ اللعبة الصهيو-أمريكية، خطّطت لمحاصرة كيلومترات معدودة تسمّى غزة، فإذا بغزة، لا تحاصر العالم فقط ولكنها تحصره في زاوية الحقيقة، لترسخ في إنسانه، أنّ هذا هو الوجه الآخر والأخير، لمسرحية الحرية من جهة ولوهم “الدمقرطة” وأحجية الإنسانية من جهة أخرى، وبعبارة أدق، قالت غزة البسيطة لبشر الأرض، أن أفيقوا من أوهام حريتكم، فكلكم تحت سلطة القيود، إلا صورة “طفل” يلوح بأطرافه المقطوعة بين ركام غزة ووسط أنقاض رفح، مرسخا في الدنيا، أنه من ها هنا مرت وستمر حرية الإنسان، بكل ما تعنيه الأطراف الممزّقة من تحدٍ وتمرد وتحطيم لآلهة العصر المسماة الصهيونية ووجهها البائس المسمّى “إسرائيل” تخسر والعالم ينهار، فيما غزة تفوز في أرضها وفي رقعة وبيوت الآخرين من أمريكا إلى أوروبا وصولا إلى كل “عقل” إنساني، تحرّر من كذبة أنّ أمريكا بلد للحرية، كما أنّ أوروبا هي منبع الحضارة والتحضر..

صور ومشاهد الخروج من الطوق والتحرّر من قيود “الرّق” الحريرية التي كانت تحجب على العالم عقله قبل أنفاسه باسم أوهام الحرية، لم تتجسّد فقط، أي تلك الصور، في ثورة الجامعات الأمريكية والغربية المستمرة، حيث النخبة تستعيد أثرها وتأثيرها، كما أنها لم تكن حكرا على الاستقالات المتوالية من أعلى المناصب السيادية بالدول الغربية، من طرف جحافل موظفين، كانوا جزءا من لعبة الخديعة الكبرى، ولكنها في ثورة رسمية، طالت حتى هيئات أممية، على رأسها محكمة العدل الدولية والأمم المتحدة، حيث تلك الهيئات التي استثمرت فيها الصهيونية العالمية على مرّ قرن من “التأسيس” لتكون الحبل الذي يخنق أنفاس الدول والشعوب المستضعفة، التفّ حول عنق صاحبه، وتتعالى أصوات من داخل نفس الهيئات معلنة التمرد على سياسة “الاحتواء” ومخططات أكل الشوك أو لحوم البشر بفمها.

ولعل أهم محطة تحوّل فارقة، يعيشها العالم، هي تلك الحرب العلنية التي تعيشها أروقة الأمم المتحدة بمختلف الهيئات التابعة لها من مجلس أمن ومحكمة عدل دولية، للتخلص من سيطرة اللوبيات الأمريكية والصهيونية، والتي انتهت بتمزيق ممثل الكيان الصهيوني بالأمم المتحدة “الميثاق” الأممي، احتجاجا على خسارة “كيانه” ومن خلفه لوبيات التأثير والتحكم في زمام هيئة كانت مجرد واجهة للعبة الغرب ودول “الفيتو” لفرض المصالح الغربية والأمريكية.

والمهم، فيما رسا عليه الحال من مزاد ثورة انسانية، أنّ “غزة” ورغم بشاعة ووحشية ما حدث لها، إلا أنه يكفيها نصرا، أنها تمكنت بعد ثمانية أشهر من طوفان أقصاها، أن تزيح الغشاوة من على نظر العالم، لتعطي المفهوم الحقيقي، لحرية إنسان عالمي، اكتشف أنها وحدها غزة من تعني الحرية أما بقيتها من عالم اليوم، فإنها “حرية” الوهم، التي جرعها الإعلام والساسة ومراكز التحكم والتأطير والقولبة لشعوب العالم..

حين نرى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، “كريم خان”، وهو يعلنها صراحة، ليس فقط في وجه “إسرائيل” ولكن في وجه أمريكا، بأنّ زمن الخوف والخضوع انتهى، وأنّ هيئته التي تلقت وتتلقى يوميا عشرات الضغوطات والتهديدات لن تتراجع عن متابعة “إسرائيل”، حين نرى ذلك، نفهم أي انقلاب حدث داخل “الذات” الإنسانية، فالقضية تجاوزت لعبة الاحتواء القديمة، وأمريكا الحرية بمعية جنينها المشوّه المدعو “إسرائيل”، لم تعد معركتها في حدود غزة أو رفح، ولكنها داخل هيئات صنعتها لنفسها كما سلّطتها على الضعفاء لعشرات السنوات، لتفاجئ في آخر المطاف، بأن ارتد “سلاحها” عليها، وخاصة مع تصريح المدعي العام للجنائية الدولية بقوله: “فيما يتعلق بالتهديدات الموجّهة ضدي شخصيا وضد المكتب بالتنحي والتوقف، لن نتأثر! سنطبّق القانون بنزاهة واستقلالية”، ليواصل قائلا ومتحديا الغطرسة مهما “تأمركت” قوّتها: “نعلم أنّ هناك جبابرة في هذه القاعة، ذوو نفوذ وسلطة. الحكم الفيصل هو القضاء والله والتاريخ!”، وطبعا، من يقرأ هذا التصريح وذاك التحدي، سيفهم أنّ الخوف غيّر ضفّته، وأنّ “غزة” كانت القطرة التي أفاضت كل كأس، كما كانت القشة التي قصمت ظهر “الثور” الأمريكي ومن خلفه عجل السامري ونطفته التي بغت في الأرض تألها..

خلاصة القول ومنتهاه، التحوّل الذي يشهده العالم بعد قرن من احتكار الحرية وتخدير الشعوب وممارسة الديمقراطية الموجهة على مقاس مصالح الدول الكبرى، ذلك التحوّل، بكل مظاهر التمرد البشري على لعبة الأمر الواقع، ينبأ كما يكشف، أنّ أمريكا ومن خلالها الغرب، لم يبق لهم إلا طي الصفحة التي كانت من تلاعب بالبشرية، والبحث عن صيغة أخرى ووجه آخر لنظام دولي جديد يَجُب ما سبقه من ممارسات، حيث لا خيار أمام موجة التمرد المجتمعي لشعوب الغرب والتمرد المؤسساتي للهيئات الأممية، على ما كان من “احتواء” وتغليط وتخدير، إلا تأقلم دول “الفيتو” مع الصحوة العالمية، فغزة، التي كانت حربها مساحة مغلقة، نقلت “حريتها” إلى حيث العالم كله، وما كان بالأمس مخادعة كبرى لشعوب العالم، أضحى اليوم، صحوة بشر والعنوان غزة تبلّغكم الحرية كما تبلغكم السلام يا بني البشر..

آخر الكلام وخاتمة القول، تصريح يحمل دلالة كبيرة، على أنّ لعبة التخويف المعولمة لم تعد تجدي نفعا، جاء على لسان النائب الفرنسي “إيمريك كارونال”، الذي نشر على حسابه في منصة إكس، صورا لتخريب واجهة مكتبه، بسبب دعمه للقضية الفلسطينية، ليعلّق على محاولة إرهابه بقوله: “يتكرّر مرة أخرى لاستنكاري جرائم الجيش الإسرائيلي في غزة، كما أني أتعرض وعائلتي للتهديد”، ورسالة النائب الفرنسي، أنّ الرعب اليوم، لم يعد في مطاردة الكيان الصهيوني لأحرار العالم، ولكنه في انتقال الخوف إلى ضفة “إسرائيل” ذاتها، بعد أن خرج العالم بشعوبه ونخبته من لعبة الطوق والبرمجة والتخويف الممارسة على مدار عشرات السنين إلى التعليب والبرمجة الذهنية، وفعلا، لقد تغيّرت معادلة الرعب، ولم يعد لقصة العالم من عنوان، سوى أنّ غزة فازت وأنّ نتنياهو وبايدن ومن خلفهما طائفة “القتل” المعولمة، خسرت معركة تخويف العالم كما خسرت معركة “محو” غزة من الوجود..

أسامة وحيد - الجزائر

أسامة وحيد - الجزائر

اقرأ أيضا