بعد انقلاب الجنرالات على نتنياهو.. من يحكم “إسرائيل”؟

يدرك جنرالات الاحتلال الصهيوني أنّ الواقع على الأرض يظهر أنّ المقاومة الفلسطينية لن تستسلم، وأنّ حركة حماس ليست مجرّد تنظيم، بل هي فكرة لا يمكن القضاء عليها، لذلك، فإنّ استمرار حرب الإبادة ضد المدنيين الفلسطينيين دون تحقيق الأهداف “الإستراتيجية” التي يسعى إليها رئيس وزراء سلطة الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو يبدو ضربا من الاستخفاف بالعقول وفصلا من فصول الضحك على الذقون.

وفي هذا الشأن، قالت «نيويورك تايمز» – نقلا عن مسؤولين رفيعين – إنّ كبار جنرالات الكيان يريدون بدء وقف إطلاق النار في قطاع غزة حتى لو أدى ذلك إلى إبقاء حركة حماس في السلطة الوقت الحالي، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الجيش ورئيس وزراء سلطة الكيان بنيامين نتنياهو.

ونقلت الصحيفة الأمريكية عن المسؤولين الإسرائيليين تأكيدهم أنّ إبقاء حماس في السلطة حاليا لاستعادة المحتجزين يبدو وكأنه الخيار الأقل سوءا، مشيرة إلى أنّ الجيش الصهيوني يخشى من حرب أبدية تتآكل فيها طاقاته وذخائره تدريجيا.

وأضافت أنّ الجنرالات يعتقدون أنّ الهدنة ستكون أفضل طريقة لاستعادة ما يقرب من 120 إسرائيليا ما زالوا محتجزين أحياء وأمواتا في غزة رغم مرور نحو 9 أشهر على حرب متواصلة على القطاع المحاصر.

كما قالت «نيويورك تايمز» – نقلا عن مسؤولين – إنّ الجنرالات يعتقدون أنّ قواتهم تحتاج إلى وقت للتعافي في حال حرب برية ضد حزب الله اللبناني، وأضاف المسؤولون وفقا للصحيفة “نقل بعض قواتنا للشمال ضروري لتعافي الجيش إذا اندلعت حرب أوسع مع حزب الله”.

وأكد المسؤولون العسكريون الإسرائيليون للصحيفة أنّ عدد جنود الاحتياط الذين يحضرون لأداء الخدمة العسكرية يتراجع، كما نقلت نيويورك تايمز – عن مستشار الأمن الصهيوني السابق – أنّ الجيش يدعم بالكامل صفقة الرهائن ووقف إطلاق النار، وأنّ مسؤولي الجيش يعتقدون بإمكان العودة والاشتباك مع حماس مرة أخرى.

وكانت هيئة البث الإسرائيلية، قالت إنّ المستوى السياسي منح الجيش الضوء الأخضر للانتقال تدريجيا – خلال الشهر الجاري – إلى المرحلة الثالثة والأخيرة من الحرب على غزة، وأضافت الهيئة الإسرائيلية أنّ القرار اتُخذ بسبب ملف صفقة التبادل والتوتر في الجبهة الشمالية لتجنب اتساع الحرب.

وتابعت أنّ المرحلة الثالثة ستشمل بقاء القوات بمحوري نتساريم وفيلادلفيا وأماكن أخرى بالقطاع من أجل مواصلة الضغط على حركة حماس إذا لم يتم التوصل إلى صفقة تبادل، وأوضحت هيئة البث الإسرائيلية أنّ الضوء الأخضر الممنوح للجيش سيتيح مواصلة العملية العسكرية لكن بـ”شكل آخر”، دون توضيح المقصود من هذا التوصيف؛ “شكل آخر”.

لكن المؤكد أنّ جنرالات الكيان لديهم تصوّر مختلف عن التصوّر الذي يتبناه السياسيون المدفوعون إلى مواصلة إبادة غزة تحت شعار “الحرب من أجل الحرب”، ذلك أنّ نتنياهو يتحدث عن الاقتراب من نهاية مرحلة القضاء على القدرات العسكرية لـ”حماس” في حين يطالب وزير المالية الصهيوني بتسلئيل سموتريتش بفرض حكم عسكري في غزة، معتبرا أنّ احتلال القطاع – وفق ظنه – سيمنع عودة حماس وترميم قدراتها العسكرية.

التضارب في الطرح بين العسكريين والأمنيين وقطاع القضاء من جهة، والسياسيين من جهة أخرى، عبّر عنه وزير الأمن القومي الصهيوني إيتمار بن غفير – أمس الثلاثاء – حين قال إنّ رئيس جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) رونين بار، أفرج عن مدير مجمع الشفاء الدكتور محمد أبو سلمية دون العودة إلى الحكومة.

وأضاف بن غفير للإذاعة الإسرائيلية “كحكومة نريد إدارة سياسة معيّنة، بينما رئيس الشاباك والمستشارة القضائية يريدون التصرف بشكل مستقل”، وتابع “في الكيان توجد (دولة داخل دولة)”.

وقال الوزير الإسرائيلي اليميني، إنّ رئيس الشاباك هدّده في قضية الإفراج عن أسرى غزة، لأنه يعارض سياسته بتشديد القمع، مضيفا أنّ معتقل “سديه تيمان” يجب أن يبقى مفتوحا، وألا يغلق لأنه مكتظ بالمعتقلين.

وردا على ذلك، قال مسؤولون في الشاباك للقناة 13 الإسرائيلية إنّ مسؤولية حل مشكلة اكتظاظ السجون تقع على عاتق وزارة الأمن القومي ووزيرها، وأضافوا أنه من الأفضل أن يستثمر بن غفير طاقته في حل أزمة السجون بدلا من إطلاق شعارات كاذبة. وأشار المسؤولون إلى أنه سيتم إلغاء أوامر اعتقالات إضافية، لعدم وجود مكان لاحتجاز المعتقلين.

وفي معرض هجومه على الجيش الإسرائيلي، قال نتنياهو إنّ – في وقت سابق – “إسرائيل دولة لها جيش وليست جيشا له دولة”، موجّها كلامه لوزير دفاعه يوآف غالانت بعد إعلانه معارضة توجيهات نتنياهو بشأن قطاع غزة ما بعد الحرب، قائلا: إنه سيعارض أي حكم عسكري إسرائيلي للقطاع، لأنه سيكون دمويا ومكلّفا وسيستمر أعواما.

تبادل الاتهامات

ويوم الاثنين، ارتفعت حدة التوتر بين القيادات السياسية العسكرية لدى الكيان حيث تبادل الوزراء وقادة الجيش والشاباك وزعيم المعارضة في الكنيست الاتهامات حول مستقبل الحرب على قطاع غزة، وأسباب الإفراج عن مدير مجمع الشفاء الطبي الدكتور محمد أبو سلمية.

وأكد بن غفير أنّ الخلاف بينه وبين جهاز الشاباك ليس حول وجود أماكن احتجاز في السجون من عدمه، بل حول رغبة الشاباك في تحسين ظروف المعتقلين الفلسطينيين أو إطلاق سراحهم. وأضاف “لن أسمح بتحسين ظروف المعتقلين الفلسطينيين بينما لدينا مختطفون جائعون في غزة”، وفق وصفه.

وقالت القناة 14 الإسرائيلية إنّ حالة من الغضب تسود مكتب نتنياهو لأنه علم بالإفراج عن أبو سلمية من الإعلام، كما علم وزير الدفاع يوآف غالانت بالأمر بالطريقة ذاتها، وأضاف مكتب نتنياهو أنّ قرارات الإفراج جاءت بناء على قرار المحكمة العليا بتقليص أعداد المعتقلين في معتقل “سديه تيمان”، وأنّ اختيار الأسماء يتم عبر الجهات الأمنية، مؤكدا أنه أمر بإجراء تحقيق في حادثة الإفراج عن مدير مستشفى الشفاء.

وأفرج الجيش الإسرائيلي يوم الاثنين عن 50 أسيرا غزيا، من بينهم مدير مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، الدكتور محمد أبو سلمية، بعد أكثر من 7 أشهر من احتجازه، وبرفقة أعداد من الكوادر الطبية التي اعتقلها الاحتلال من مستشفيات قطاع غزة.

وأبو سلمية هو طبيب أطفال فلسطيني بارز، تولى منصب المدير الطبي لمستشفى النصر عام 2007، ثم تولى إدارة مستشفى الرنتيسي عام 2015، وبعدها أصبح مديرا لمستشفى الشفاء عام 2019 حتى اعتقاله في 23 نوفمبر 2023، بعد اقتحام قوات الاحتلال قسم الطوارئ في المستشفى.

وقبل ذلك، أفاد أبو سلمية بأنه تلقى في 18 نوفمبر 2023 أمرا من الاحتلال بإخلاء المستشفى بعدما رفض أمرا سابقا مماثلا، إذ تم إجلاء مئات المرضى والنازحين إلى مستشفى آخر جنوبي القطاع، إضافة لنقل العشرات من الأطفال الخدج.

وقبيل اعتقال أبو سلمية، اقتحمت قوات الاحتلال الصهيوني المشفى ودمّرت منشآته وجرفت باحاته، وعزلته تماما عن العالم بفعل انقطاع الكهرباء والإنترنت، وذلك خلال عدوانها المستمر على قطاع غزة، منذ عملية طوفان الأقصى” التي شنتها المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر من العام ذاته على مستوطنات غلاف غزة.

وتحدّث أبو سلمية في مقابلة مع الصحفيين بعد الإفراج عنه عن تفاصيل اعتقاله وظروف السجون والمعتقلات الصهيونية، وما يعانيه الأسرى بداخلها، قائلا: إنّ “الأسرى يمرون بأوضاع مأساوية لم يشهدها الشعب الفلسطيني منذ عام 1948، بمن فيهم الأسرى القدامى والجدد، الجميع يعاني من إهانات جسدية وصعوبات في الطعام والشراب، ويجب أن يكون للمقاومة كلمة حاسمة للإفراج عن الأسرى”.

وأضاف أنّ “الأسرى القدامى يعانون الأمرين، ومنهم من قضى أكثر من 20 عاما داخل السجون، ويجب تبييض السجون من الأسرى”، وأكد أنّ “الاحتلال يعتقل الآن الجميع بمن فيهم الكوادر الطبية، وهناك من استشهد داخل السجون الصهيونية”، مشيرا إلى أنّ “العدو المجرم أثبت مدى إجرامه بتعامله مع الطواقم الطبية”.

وبينما أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأنّ إطلاق سراح مدير مجمع الشفاء مع آخرين اعتقلوا أثناء الحرب في غزة جاء بسبب امتلاء السجون، قال وزير الأمن القومي الصهيوني إيتمار بن غفير إنّ إطلاق سراح مدير مستشفى الشفاء في غزة ومن وصفهم بعشرات المخربين الآخرين هو “إهمال أمني”، وأكد أنه على نتنياهو أن يمنع غالانت ورئيس الشاباك من ممارسة سياسة مستقلة تتعارض مع سياسة الحكومة.

وسبق أن قال المتحدث باسم جيش الاحتلال الصهيوني دانيال هاغاري إن الحديث عن تدمير حماس ذر للرماد، وطالما لم تجد الحكومة بديلا لحماس فالحركة ستبقى، قبل أن يسارع مكتب رئيس وزراء سلطة الكيان الصهيوني للرد على ذلك.

وأضاف هاغاري – في مقابلة مع القناة الـ13 الإسرائيلية – أنّ “الاعتقاد أنه بالإمكان تدمير حركة حماس وإخفاءها هو ذر للرماد في عيون الإسرائيليين”. ولفت إلى أنّ حماس فكرة وحزب، وأنها مغروسة في قلوب الناس، ومن يعتقد أن بإمكاننا إخفاءها فهو مخطئ، وأكمل قائلا “هي فكرة لا يمكن القضاء عليها”.

وحيد سيف الدين - الجزائر

وحيد سيف الدين - الجزائر

اقرأ أيضا