بعد شهر من توليها لمقعدها في مجلس الأمن.. الجزائر في قلب المعركة

لم تكد الأيام تعدّ شهرا من أنفاسها، حتى ذاع صيت الجزائر وشاع خبرها في أروقة البيت الزجاجي للأمم المتحدة، وأضحى اسمها على ألسنة سفراء الدول فاتحة لكل خطاب، وفاصلة في كل جملة، ونقطة لكل فقرة وخاتمة لكل حوار.. كمثال يافع يحتذى به على درب الكرامة والشرف، وكمرشد يانع على نهج التمسك بالسيادة والأنفة، في سبيل الدفاع عن القيم الإنسانية والأخلاق البشرية والضمير العالمي، من دون أدنى اعتبار لصوت دعاة الصلف والعدوان، ولا لأهل الغطرسة والبهتان، ولا لسادة الظلم والطغيان.

في ظرف وجيز إذًا، تمكّنت الدبلوماسية الجزائرية من الدخول مباشرة في قلب الحدث، وذلك من خلال خوضها أولى المعارك الشرسة، وجها لوجه ضدّ أعتى القوى المتمرّسة والمتمترسة خلف حقّ النقض والمقعد الدائم.. وهي المعركة المتعلّقة بملف التهجير القسري الذي يريد فرضه الكيان الصهيوني على الشعب الفلسطيني وإخراجه من غزة، في مسعى جديد ليكبّده نكبة ثانية، بعد تلك التي كانت قد صيره إليها العام 1948 والتي لا تزال آثارها المريرة قائمة إلى اليوم. فالولايات المتحدة تعمل على مجاراة الكيان الصهيوني في تعنّته وإصراره على الجريمة وتمرّده على الإرادة الدولية ككل، مستعينة في ذلك بدعم حلفائها الأوروبيين، بالإضافة إلى دعم اليابان وأستراليا وكندا ونيوزيلندا، أو ما يطلق عليها بدول فقدان الكرامة وموت الضمير.

المعركة الثانية وهي الأخطر، تمثّلت في ضرورة إقناع المجموعة الدولية بواجب حمل الكيان الصهيوني على الوقف الفوري لإطلاق النار، ومن ثم محاسبة “زعمائه” – زعماء الإجرام – وتقديمهم للقصاص الدولي، تحت طائل ما يجب وما هو شاهد من مواد قانونية، باسم الشرعية الأممية وتبعا لأحكام الجنائية الدولية، ووفقا لقرارات مجلس الأمن، حتى لا يفلت أحد من العقاب، كما أردف السفير عمار بن جامع.

الولايات المتحدة الأمريكية تعرف جيدا وزن الجزائر في المنطقة، كما أنّها تقدّر دورها المفصلي في حلّ النزاعات وبسط السلام إقليميا ودوليا، وكذا في حزمها الفارق في محاربة الإرهاب والإجرام المنظّم والاتجار بالممنوعات وتبييض الأموال.. ولذلك، فهي لا ترغب في زعزعة الثقة التي تشدّ عرى العلاقات بين البلدين، والتي يطبعها الاحترام المتبادل منذ زمن الأمير “عبد القادر” والرئيس “أبراهام لينكولن”، مرورا بسنوات الثورة التحريرية الكبرى، إلى أيام الحرب الباردة وصراع المعسكرين، والمواقف الحيادية الثابتة للجزائر، والتي لخّصها الرئيس “ريتشارد نيكسون” بقوله؛ “..نحن نعلم بأنّ الشعب الذي حارب سبعة أعوام، ودفع مليون ونصف مليون شهيد لأجل حريته، لا يمكن أن يكون تابعا لأحد..”.

وعليه، ورغم التزامها المقدّس بحماية ودعم الكيان الصهيوني، تفضّل الولايات المتحدة التعاطي مع الجزائر بحذر وبعد نظر، خاصة وأنّ الدبلوماسية الجزائرية قد أثبتت حنكتها في التعامل مع المستجدات الدولية، بسدّ الذرائع المحتملة وغلق الثغرات الممكنة، في تناول القضايا الساخنة والملفات الشائكة، والتي عادة ما تتسرّب منها الشكوك والالتباسات، وتنفّذ منها المساومات والابتزازات.. ذلك أنّها تعتبر من بين الدول القليلة التي ترتكز في مداخلاتها ومرافعاتها على الشرعية الدولية، ولا تتحرّك إلا داخل الأطر القانونية المفصّلة من قبل الهيئات الأممية، من دون مزايدات ولا مفاضلات، وخارج أي نوع من التكتلات أو التحالفات، إقليمية كانت أو دولية.. وذاك الذي فرض احترامها على الخصوم والأعداء، قبل الأشقاء والأصدقاء.

وقد شهد العالم، كيف عالجت الدبلوماسية الجزائرية، أزمات دول الساحل الإفريقي، عقب موجة الانقلابات العسكرية التي هزّت القارة بأسرها، من دولة لأخرى، والتي كادت أن تزجّ بشعوب المنطقة في مستنقعات العنف والموت الأكيد.. حيث رفعت الجزائر ومنذ اليوم الأول شعار الحلّ السلمي السياسي، رافضة رفضا قاطعا أيّ شكل من أشكال التدخل الأجنبي ومن أيّ جهة كانت، رغم تأهب فرنسا وحلفائها في القارة، وتهديدها بالتدخل عسكريا لفرض منطقها داخل الدول المعنية، وهو الطرح الذي ظلّت الجزائر ضدّه، مؤكدة على أنّ الحلول لابد وأن تنبع من قناعات الشعوب الإفريقية نفسها، ولا يمكن أن تكون من خارج الحدود.. وهو الموقف الذي تغلّب بالنهاية، ومنح المنطقة فرصة كبيرة لمعالجة مشاكلها على نار هادئة، مجنبا إياها الوقوع في دوامة الصراع العقيم الذي لا يمكن إلا أن يُوَلِّدَ صراعات أخرى وهكذا.. وقد ساندتها في ذلك الدبلوماسية الأمريكية، بقصد أو بغير قصد، وهي التي بادرت بالدعوة إلى ضبط الأنفس وتهدئة الأمور وعدم الانجرار وراء الحلول العسكرية، لتسهّل بعد ذلك عملية العودة إلى الشرعية الشعبية والعمل بالدساتير.. وبالتالي، جاء موقفها مطابقا تماما لما كانت تدعو إليه الجزائر وترافع من أجله، في المحافل والمواعيد الدولية.

كل ذلك، رغم تمرّد قائد الإنقلاب العسكري في مالي “أسيمي غويتا”، والذي يعيش أسوأ أيامه عزلة وانغلاقا وهو الذي انسحب من اتفاق الجزائر للمصالحة الوطنية في مالي، مفضّلا خيار الموت والحرب والدمار، على مسار السلم والاستقرار، مأخوذا في ذلك بالرصاصات الخادعة لمرتزقة “فاغنر”، وبالدريهمات الغادرة لـ”أبو ظبي”، وبالمشاورات الخادعة لـ”المخزن”، متحدّيا الشرعية الدولية والإرادة الشعبية لمختلف المكوّنات العشائرية والطائفية والجهوية للمجتمع المالي، معتقدا بأنّ الأمر متعلّق بالجزائر وكفى.

إلى موريتانيا، كانت الوجهة الدبلوماسية بتكثيف الاتصالات والزيارات، تمتينا للروابط البينية وتكريسا للخيارات السياسية ذات البعد الإستراتيجي في شقّيه الاجتماعي والاقتصادي.. ثم تونس الوجهة الثانية وتجديد العهد مع العلاقات الأخوية الراسخة وحسن الجوار.. فإيطاليا والرحلة الإفريقية في منتدى جامع كرّس وزن الجزائر الثقيل سياسيا وجغرافيا واقتصاديا، على اعتبارها منفذا إستراتيجيا للتبادل التجاري بين القارتين الأوروبية والإفريقية.. ثم ليبيا حيث حلَّ وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج، أحمد عطاف، في رحلة ماراتونية مبعوثا خاصا لرئيس الجمهورية، حاملاً رسالةً خطية إلى رئيس المجلس الرئاسي لدولة ليبيا “محمد يونس المنفي”، معبّرا له فيها عن دعم الجزائر لكل الخيارات الوطنية السيادية للبلد، تجسيدا وتعزيزا لأواصر الأخوة والتضامن والتعاون البلدين، وكذا الحفاظ على تقاليد التشاور والتنسيق وتكثيفها بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين، واستقرار المنطقة وجوارها الإقليمي.

إلى قمة “برازافيل” وحضور الوزير الأول “نذير العرباوي” ممثلا لرئيس الجمهورية، وتناوله مشروع المصالحة الوطنية الليبية الجامعة، حيث جدّد باسم الجزائر، وتعهّد بأن “لا تدّخر أيّ جهد في إطار المهام المعهودة للجنة الاتحاد الإفريقي رفيعة المستوى المعنية بليبيا”، وذلك، بالتعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية المعنية، من أجل المساهمة في إنجاح هذا المسعى التصالحي الوطني المرجو، والذي “سيتحقّق بعد إنهاء كافة أشكال التواجد العسكري الأجنبي في ليبيا، لاسيما سحب ميليشيات المرتزقة، جميع المرتزقة، مهما تغيّرت مسمياتهم”.

وقبلها كانت القبلة العاصمة الأوغندية “كامبالا”، حيث شاركت الجزائر في أشغال القمة التاسعة عشر لحركة عدم الانحياز، تحت شعار؛ “تعزيز التعاون من أجل رخاء عالمي مشترك”، وقمة مجموعة السبعة والسبعين زائد الصين.. في حركية دبلوماسية كثيفة، أعادت الكثير من البريق لوجه الجزائر على المستوى الدولي.

ملفات شائكة أخرى، تنتظر دورها في نفض الغبار والتصفح من قبل الدبلوماسية الجزائرية، ووضعها بين أيدي المجتمع الدولي ليبتّ فيها، ويأتي على رأسها ملف الصحراء الغربية، وعملية تقرير المصير عن طريق انتخابات حرة، ديمقراطية ونزيهة.. ثم ملف ترشيح فلسطين ودعمها لتشغل مقعدها كعضو كامل الصلاحيات في هيئة الأمم المتحدة، وكدولة مستقلة ذات سيادة داخل حدود ما قبل سبعة وستين تسعمائة وألف، وفق ما أقرّته الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.. ملف احتواء حرب أوكرانيا، والتقارب بين الأقطاب المتصارعة، خدمة للسلم والأمن والاستقرار في العالم.

مصطفى بن مرابط - الجزائر

مصطفى بن مرابط - الجزائر

كاتب في الأيام نيوز

اقرأ أيضا