بعيدا عن الحكام.. الشعوب الغربية تفكّ الحصار وتنتفض

على الرغم من حدّة الاحتجاجات والتظاهرات في الشوارع وتحرّكات الجماهير، فإنّ العواصم الغربية لم تحاول تغيير توجّهات أنظمتها السياسية إزاء الأوضاع الإنسانية المأساوية في غزة وفلسطين. بل، استمرت في الالتزام بسياستها الموالية للكيان الصهيوني، دون أدنى شعور بالتضامن مع ضحايا العدوان في غزة، ما يشكّل استهتارًا مدانًا واستخدامًا مهينًا للموقف الشعبي الدولي المعارض والرافض لجرائم حرب الإبادة التي يرتكبها “جيش” الاحتلال الصهيوني في القطاع.

وبناءً على ذلك، تظلّ المواجهات المدنية الجماعية المندّدة بالتطورات الميدانية في قطاع غزة، عديمة الجدوى وخالية من التأثير الملحوظ، نظرًا إلى تعنت الأنظمة الحاكمة والمتصهينة، التي ترفض أيّ دور فعّال للمعارضة الشعبية خارج إطار الواجهة الديمقراطية. إلا أنّ ما زاد هذا السيناريو البائس والمذلّ والمفزع، مستوى التدهور الأخلاقي العميق، الذي انخرط فيه بعض المفكّرين وعلماء الغرب لصالح النخب الحاكمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ما يمثل انتهاكًا فاضحًا لقيم الحضارة وطعنة مؤلمة في ضمير الإنسانية.

في حين، كان العالم قد استفاق على عودة الروح لقلوب الكثير من الشعوب المغيبة، وعلى رأسها الكثير من المثقفين النافذين، بما فيهم بعض اليهود غير المتصهينين؛ “..أشعر بالغضب لرؤية أولئك الذين يمثّلون أحفاد شعب تعرّض للاضطهاد لعدة قرون لأسباب دينية أو عنصرية، والذين هم اليوم صناع القرار في سلطة “إسرائيل”، لا يقومون فقط باستعمار شعب وطرده جزئيًا من أرضه، بل يريدون كذلك طرده إلى الأبد..” يقول أحد الرافضين اليهود للوضع القائم.

فيما نحى الكاتب الصحفي “توماس فريدمان”، منحى الخذلان لمحترميه من القراء العرب، بأن شبّه وبلغة عدوانية عنصرية مهينة، حركة حماس وحزب الله، “باليرقات التي تنخر في المجتمعات التي تعيش فيها، بما يعنيه ذلك من وجوب سحقها”..، مفصحا عن حقده القاتل الدفين، والذي يتّسق تماماً مع دوره كمحرّض معتوه لخدمة المشروع الصهيوني، وكأداة مقرفة لتحقيق الأهداف الإمبريالية الأمريكية. ويجيبه أحد الكتاب اليهود؛ “صمت الولايات المتحدة حامية (إسرائيل) عار، وصمت الدول العربية عار، وصمت الدول الأوروبية التي تدّعي أنّها حامية الثقافة الإنسانية وحقوق الإنسان، عار.. صمتهم جميعا عن الجرائم الصهيونية، من باب أنّ المقاومة الفلسطينية هي المسؤولة عما حدث، هو تزييف للواقع وتحريف التاريخ”، مستطردا في نفس السياق؛ “إنّ أقلّ ما يواجه اليهود الذين تجرأوا ووجّهوا انتقادات للحكومة الصهيونية وممارساتها ضدّ الفلسطينيين، هي تُهَمٌ بالتنصل من اليهودية، وبكره اليهودية، وبمعاداة السامية.. رغم أنهم يهود بالأصل، كما أنهم كانوا قد أيّدوا فكرة قيام “دولة إسرائيل” منذ البدء، إلا أنهم لا يتفقون مع السياسات الدموية المنتهجة من قبل الحكومات الإسرائيلية الصهيونية المتعاقبة”.

اليهود المناهضون للسياسات الصهيونية العنصرية، يستدلون في نضالهم بأحد أعمدة الصحافة اليهودية في نيويورك، الكاتب “ويليام زوكرمان”، الذي كان صحفيا ناشطا، يكتب مقالات تؤيّد وتناصر اليهود حيث ما كانوا، وكانت كتاباته تحظى بالترحيب والتأييد على صفحات كبريات الصحف اليهودية العالمية آنذاك.. إلى أن تمّ تأسيس الكيان الصهيوني، ليتحوّل الودّ الذي كان قائما بين الكاتب المرموق واليهود، إلى عداء مستميت بعدما عارض الرجل فكرة وعملية تهجير الفلسطينيين من أرضهم، كما ظلّ يناضل من أجل حقّ الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم، وقد كتب مرّة في سياق توضيح الصورة لليهود من بني جلدته: “إنّ الأرض التي تسمّى اليوم (إسرائيل)، يعود أصلها لمن تسمونهم الآن لاجئين عرب، وبدرجة لا تقل عن أيّ يهودي كان هنا قبل عام 1948م”.

وعلى هذا الأساس، ينقسم الصف اليهودي – الصهيوني إلى فريقين، أحدهما يرى بأنّ التهديد الوجودي الذي مثّله هجوم المقاومة الفلسطينية، في السابع من أكتوبر 2023، يمنح الكيان الصهيوني كلّ الحقّ في اتخاذ أيّ إجراءات ضرورية للقضاء على حماس وعلى المقاومة برمّتها، مهما كانت النتائج والتداعيات، بينما يرى الفريق الآخر بأنه، وبصرف النظر عن حجم المأساة التي تسبّب بها هجوم المقاومة، فإنّ تدمير “غزّة” بهذا الشكل الأبوكاليبتيكي وقتل ما يقارب 30.000 ألف إنسان، وتشريد مئات الآلاف، يعدّ أمرا منافيا للضمير الإنساني ولأسس التقاليد الأخلاقية اليهودية، كما يقولون .

إنّه الانقسام الذي دفع بكثير من النقاشات داخل الكيان، وحتى خارجه، إلى تناول أفكار وطروحات كانت مغيبة، أو بالأحرى كان من المحرّم الخوض فيها، من قبيل؛ من هو اليهودي حقيقة.. ما معنى معاداة السامية فعلا.. هل الحكام الإسرائيليون – الصهاينة فعلا يهودا..؟ وأسئلة أخرى صنّفها الملاحظون أخطر ما يواجه قادة وحكومة الكيان الصهيوني، وذلك لما تمنحه من جرأة لـ”المعتدلين” داخل الكيان وإن كانوا أقلة، لتخيير مواطنيهم بين الاصطفاف خلف مجرمي الحرب، وهو الخيار المؤدي حتما إلى انهيار الكيان وتفكّكه، وإما نفض اليد من المجرمين وتخليص كيانهم من تهمة القتل والدماء، والاعتراف لأهل الحق والأرض والتاريخ بحقوقهم، والتي ليست أقل من قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس.

منذ البدء، وكردّ على اندلاع غزوة طوفان الأقصى، وما خلّفته من انكسار وهزّة في كيان هيكل الاحتلال، سارع الـ”نَّتِنْ-يَاهُو” إلى تطمين الصهاينة بأن حربه – الهمجية البربرية – على غزة تهدف بالأساس إلى استعادة الرهائن سالمين، وتدمير “حماس” والمقاومة وقتل قادتها.. الغريب في الأمر أنّ الجميع، أقول جميع المجرمين طبعا، ساروا في ركابه مثل الحمقى والأغبياء، من دون أن يدركوا بأنّ تحقيق الهدفين معا يعدّ أمرا مستحيلا؛ فإما حياة الرهائن بالتفاوض والمساومة والتهدئة، وإما سحق حماس والمقاومة وجنودهما، ومن ثم إعدام الرهائن مع سبق الإصرار والترصد.. والمسألة هنا، لا تحتاج إلى ذكاء خارق ولا إلى تفوّق إستراتيجي فائق كي تُفْهَمَ بأصولها.

إلى الغرب مرة أخرى، حيث بعضهم ومن غير اليهود، ظهروا بوجوه أكثر صهيونية من الصهاينة أنفسهم، وهؤلاء هم السلالة المجرمة والعرق الدموي داخل المجتمع الغربي، حتى وإن بلغوا من التحصيل العلمي رأسه؛ “إنّ حرب (إسرائيل) على غزة مبرَّرة مبدئيا، ولا يجوز وصفها بأنّها تشبه المحرقة أو الإبادة.. ومع أنّه على (إسرائيل) مراعاة الملاءمة والتوازن في القوة والردع، فإنّه لا يجوز القبول على الإطلاق بصعود العداء للسامية، وأن يتلقّى اليهود بألمانيا تهديدات جديدة، فعبارة “Never Again” تعني لن يحدث مرة أخرى مطلقا – في إشارة إلى المحرقة -، فالحجّة ليست الدفاع عن النفس ضدّ تنظيم إرهابي وحسب، بل والعداء للساميّة وللدين اليهودي الذي يحرّك الهجوم، وينبغي استنكاره واستنكار بعض الحملات العنصرية على اليهود بألمانيا، بإنكار العداء للسامية، والساميّون هم اليهود حصراً.

ولذلك علينا الإصرار على البقاء إلى جانب “إسرائيل” وحقّها في البقاء وفي الدفاع عن نفسها..”، هذا ليس خطابا صهيونيا للتحريض على الكراهية والعنصرية، وإنما هو مقتطف من بيان كان “ضمير ألمانيا الحديثة” – كما يلقّب – “يورغن هابرماس” قد وقّعه رفقة “نيكولا ديتلهوف” أستاذة العلوم السياسية، و”رينر فوريست” الفيلسوف الألماني الآخر، والأستاذ “كلاوس غونتر”، من دون حياء ولا ضمير، في سقوط قاتل للمثقّف المتصنّع وللعالم المقنع.

وكأنّ الكيان الصهيوني الغادر، جاء ليشعل جذوة الثأر والانتقام في أعماق هؤلاء المجرمين بالدّم والسليقة، وإن كانوا ينافقون ويظهرون غير ما يبطنون، ويبعث في أعماقهم الحنين إلى زمن المحارق والحروب والقتل والخراب، ويشفي غليلهم في أبناء أمة لا تزال تحرجهم بحضورها وغيابها، وتهدّدهم بأخلاقها وقيمها، وترعبهم بدينها ومعتقداتها، فهي قلب الإنسانية وأصلها، وهم الحواشي والاستثناء.

فلا شك أنّ الأربعة الموقّعين على بيان العار، وهم كبار فلاسفة ألمانيا والعالم، يدركون جيدا وزن الأمة العربية الإسلامية في الحفاظ على توازن العالم واستمرار الحياة، رغم ما تعانيه في الوقت الراهن، من تخلّف وتأخر وتهميش، ولذلك هم يستغلون أدنى فرصة للنيل من العرب والمسلمين، في تأكيد ضمني على أنّ الكيان الصهيوني لا يمثّل نفسه ولا اليهود فقط، وإنما هو جيب استعماري غربي في المنطقة، وأنّ فلسطين هي الضحية الأولى والمباشرة، وأما بقية دول الطوق والجوار فلكل دورها إلى أن يتحقّق حلم “إسرائيل الكبرى”، أو الورم السرطاني الخبيث الذي إن لم يُسْتأصل اليوم، فإنّه مع كل يوم يزداد حجما وألما ويكبر، وسيكبر تهديده، ليس للوطن العربي فحسب، وإنما تهديد للمنطقة في استقرارها، وللعالم بأسره في أمنه وسلامه.

مصطفى بن مرابط - الجزائر

مصطفى بن مرابط - الجزائر

كاتب في الأيام نيوز

اقرأ أيضا