بوابتها نحو إفريقيا.. الإمارات في قلب إعصار أزمة “سد النهضة”

لا يزال “سد النهضة الأثيوبي” يثير الكثير من الجدل والخلاف بين دولة المنبع ودولتي المصب، ويمثل عامل استقطاب للنزاعات المؤجلة بين دول الحوض الإحدى عشر، فضلا عن تمثيله مصدر قلق وتهديد لمصير الشعوب المتشاطئة في النهر الخالد.

شكوى مصر ونشاز الطرح الإماراتي

وفي ظل الانتهاكات المستمرة للاتفاقات المبرمة تقدمت القاهرة في بحر الأسبوع الجاري بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي، تضمنت عددا من الشواهد، حيث أعربت الخارجية المصرية في رسالة إلى رئيس مجلس الأمن الدولي عن اعتراضها ورفضها التام لاستمرار إثيوبيا في ملء سد النهضة بشكل أحادي دون اتفاق مع مصر والسودان حول ملء وتشغيل هذا السد، وهو ما يعد مخالفة صريحة لاتفاق إعلان المبادئ المبرم عام 2015 وانتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي واجبة التطبيق، والتي تلزم إثيوبيا، بوصفها دولة المنبع، بعدم الإضرار بحقوق دول المصب “.

ودعت القاهرة مجلس الأمن لتحمل مسئولياته في هذا الشأن”، مطالبةً “التدخل لضمان تنفيذ البيان الرئاسي الصادر عن المجلس والذي يلزم الدول الثلاث بالتفاوض من أجل التوصل لاتفاق حول سد النهضة”.

من جهتها قالت البعثة الدائمة لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي تمثل العضو العربي في مجلس الأمن في دورته الحالية، في بيان “إن الإمارات تؤمن بإمكانية إنهاء المفاوضات بشأن سد النهضة الإثيوبي بشكل ناجح”، وعوض إدانة الانتهاكات الأحادية التي تمارسها أدبس البابا ، في ملف السد، وتعضيد الموقف العربي المسنود بروح ونص الاتفاقيات المبرمة، أشادت البعثة الإماراتية بالموقف الأثيوبي، ودعت الدول الثلاث التوصل إلى اتفاق وحل خلافاتهم من أجل تعظيم المكاسب لهم ولشعوبهم “وهو ما ترجم مصرياً بأنه” حيادي سلبي في قضية تبدو الانتهاكات فيها واضحة وصريحة “لا سيما وان الإمارات هي الدولة التي تمثل العرب في المجلس في دورته الحالية.

ولواقع أن الموقف الأماراتي وإن بدا نشازا في مسيرة العمل الديبلوماسي العربي في مجلس الأمن، فإن ثمة مؤشرات كثيرة ظلت ترشح حدوثه، لا سيما عند قراءة علاقة أبو ظبي مع أدبس البابا ، وتحديدا العلاقة الشخصية بين الشيخ محمد بن زايد ورئيس الوزراء الأثيوبي أبي أحمد.

فمن ناحية تبدو أبو ظبي معنية بخلق علاقة جديدة مع القارة الأفريقية، وبوجه خاص مع أثيوبيا وأريتريا، حيث رعت اتفاق السلام بينهما بعد عقود من القطيعة من جهة، ومن جهة أخرى من الواضح أن أبو ظبي تسعى إلى خلق حلفاء جدد في القارة السمراء، فضلا عن مساهمتها في بناء السد نفسه، وسعيها إلى توسيع استثماراتها في دولة تستضيف مقر الاتحاد الأفريقي.

تجاهل رسمي وانتقادات الخبراء لبيان الإمارات

ورغم تجاهل الجهات الرسمية المصرية، لبيان وموقف الإمارات في مجلس الأمن الدولي، وكذلك أعراض الصحف القومية المصرية عن الرد، فقد حرص عدد من المسؤولين السابقين والخبراء المصريين في ملف السد قد انتقدوا موقف أبو ظبي واعتبروه” موقفا غريبا لا يليق “.

فقد دوّن وزير الري المصري السابق محمد نصر علام، على صفحته الخاصة على” افيسبوك “قائلا:” هذا البيان الغريب الصادر من الإمارات كعضو بمجلس الأمن، لا يليق بمكانة الإمارات العربية وبقلوب المصريين “.

وأوضح علام:” البيان يساوي ما بين مصر والسودان من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى، ويدعي أن الدول الثلاث لها نفس الرغبة في التوصل لاتفاق، على الرغم من  معرفة الإمارات بأن إثيوبيا تعوق أي مسار يؤدي إلى التوصل لاتفاق يلبي احتياجات القانون الدولي “، وأضاف علام الذي يعد أحد أهم المفاوضين السابقين في ملف السد،” لقد ألقت الإمارات بالمسؤولية بدفع المفاوضات على الاتحاد الأفريقي العاجز، بالرغم من إعاقة  أثيوبيا لجميع المحاولات التي حاولتها كل من مصر والسودان أو الاتحاد الأفريقي”.

ودعا علام في ختام تدوينته إن “الإمارات مطلوب منها العودة لمسار التآخي الفاضل سريعاً”.

اتفاق إنقاذ ما يمكن إنقاذه

فرغم وجود عدد من الاتفاقيات التاريخية المنظمة لتقاسم مياه النيل (1902/1929/1953/1959)، فإن الظروف السياسية اللاحقة في دول الحوض، وتضاعف عدد السكان خاصة في أثيوبيا، وضعف الدول المركزية في مصر بعد ثورة يناير 2011، قد سمح لأثيوبيا بالمضي قدماً في بناء السد دون الالتفات للحقوق التاريخية لدولتي المصب، في تطبيق فعلي لسياسة “الأمر الواقع” فيما انشغلت القاهرة بالأزمات السياسية والاقتصادية التي وجدت نفسها فيها عقب أحداث 2011.

رغم قبول أثيوبيا بالاتفاق الثلاثي تحت رعاية الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي، ممثلا في الأمم المتحدة، فإن المواقف الأثيوبية ظلت مترددة ورافضة لتطبيق بعض بنود الاتفاق المبرم، منها التوقيع على اتفاقات فنية مع دولتي المصب لضمان سلامة البناء، والاطلاع على التفاصيل الفنية، فضلا عن مراحل الملء، لضمان عدم تضرر كل من السودان ومصر، على أن تتم عمليات الملء على فترات متباعدة.

ورغم تقدم المفاوضات التي رعاها البنك الدولي، والولايات المتحدة الأمريكية، في هذا الاتجاه، فإن أديس إيابا انسحبت من مفاوضات واشنطن في آخر لحظة، معتبرة عن التفاصيل الفنية بما فيها سلامة البناء ومراحل الملء أمر سيادي لا يخص دولتي المصب، فضلا عن الدول الراعية للمفاوضات.

ملء آحادي… وانتهاكات لاتفاق 2015

لعل الأوضاع السياسية التي طرأت في المشهد الأثيوبي مع تسمية آبي أحمد علي، رئيسا للوزراء، ومزاج التغيير قد ساهم في تسكين بعض الأزمات في بادئ الأمر، عندما تعهد رئيس الوزراء الجديد في زيارته الأولى للقاهرة، بعدم الإضرار بحصص مصر والسودان من مياه النيل، مؤكدا “أن الحكومات السابقة في بلاده قد استغلت ملف السد في التجاذبات السياسية الداخلية، وان القيادة الجديدة لديها رؤية تكاملية مغايرة”، إلا أن هذا التعهد سرعان ما تبخر مع تعاظم الخلافات بين المركز في أدبس البابا والمعارضة في إقليم تيجراي، سيما مع تحول الخلاف إلى حرب ضروس.

حيث تم استخدام ملف السد وتفاصيل الملء إلى الاستغلال السياسي الداخلي، وبدت أدبس البابا غير معنية بالاتفاقات السابقة بما فيها اتفاق عام 2015، ومضت في الملء الثاني والثالث دون أن عبء بالانتقادات الدولية.

محمود أبو بكر - القاهرة

محمود أبو بكر - القاهرة

اقرأ أيضا