تجربتي.. الديبلوماسية والبَيَات الإبداعي

ربّما البداية تستدعي تساؤلا مشروعًا: لماذا تتباطأ وَتِيرة الإنتاج الإبداعي عنــد بعض الكتاب إلى الدرجة التي صار ينظر إليها كأزمة، وكأنها حالة مرضية ينبغي إخضاعها لتحليل يسْبر مسبباتها وتداعياتها وتبعاتها؟ ثم علينا أن نطرح سؤالا أخر: متى نلتفتُ إلى ذلك البطءِ في الإنتاج الإبداعي، أيتم احتسابه بالكَمِّ في الفترة الزمنية بين إنتاج إبداعي وآخر، فتكون قفلة الكاتب وعزوفه عن الإبداع قفلةً مؤقتة، أم هنالك حالة قصوى لإنتاج إبداعي وحيد أو أخير، تعقبه قفلة نهائية؟

قد تعود “قفلة الكتابة” إلى عوامل خارجية، كحجب نشر الإنتاج الإبداعي لأســــباب شتى منها السياسي أو الاقتصادي وما شابه وتتحمل أوزار القفلة أطراف خارجية، أو تعود لعوامل أخرى ذاتية، كأن تكون “القفلة الكتابية” بقرار شخصي من طرف المبدع، وله في هذه الحالة أن يتحمل وزر “القفلة الكتابية” وحده.

ولأعَزِّز ما ذكرت فقد كانت لي تجربة شخصية لعبتْ فيها عوامل خارجية، وأيضا عوامل شخصية، أدوارًا في تلك القفلة الكتابية. لقد كنت أقرضُ الشعر لسنوات طوال، وأيضا انخرطت في كتابة القصة القصيرة والرواية لسنوات. ولقد كنتُ على وعي بمُتطلبات مهنتي الدبلوماسية وقد قضيتُ فيها جلّ سنوات عمري. في سنوات النصف الثاني من القرن العشرين، لم يكن من اليسير على الدبلوماسي أن ينشر إنتاجه الإبداعي بسبب يعود لحساسية المهنة ومتطلباتها. أشير في هذا الصدد إلى تجربة الشاعر الكبير الراحل نزار قباني، فقد نشر بعض شعره في سنوات الخمسينيات، لكنه استشعر صعوبة التّحلّل من قيود المهنة الدبلوماسية التي امتهنها. في أوائل الستينيات من القرن العشرين، اضطر إلى مفارقة مهنته ليحلّق في فضاءات الشعر طليقا لا تكبل إبداعَه قيودٌ.

أمَّا عن تجربتي الشخصية، فقد تمكّنتُ من نشر مجموعتي الشعرية الأولى “امرأة البحـــر أنت” عام 2007، بعد نحو ثماني أعوام من إنجازها إبداعيًا.   كما نشرت روايتي الأولـــى “نقطة التلاشي” في عام 2008، وكنت قد أكملت كتابتها أوائل ثمانينيات القرن العشرين.

ثمّة عوامل خارجية، وأخرى ذاتية تضافرت لتأخير خروج إبداعي إلى ناس، ولا أدِين تجربتي المهنية.. فقد مررتُ بحالة أشبه بحالة “البَيَات الإبداعي”، ولم تكن حالة “قفلة كتابية” حجبتْ إبداعي عن القراء والمتابعين. لقد كان في انقطاعي عن الإنتاج الإبداعي، سواء في الشعر أم الرواية، لسنوات، فائدة أثْرَت تجربتي الحياتية وبالتالي تجربتي الإبداعية.

لقد كان تجوالي الدبلوماسي في أنحاء متباينة من المعمورة، بين إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وقارة آسيا، ما شكّل صورة فسيفسائية أعطت إنتاجي الإبداعي ألْوانَه المميزة، وإن جاءت منّي بعد دخولي في سنوات كهولتي، لكني أعتبر كتاباتي جاءت بعد “بياتٍ إبداعي” مثمر ومفيد. لا أدين مهنتي، وإن حبَستْ إبداعي لسنوات طوال، إذْ منحتني “تَعتُّقًا” مثلما يُعتّقون النبيذ ليكون له قيمة وتميّز.

الأديب السوداني جمال محمد إبراهيم

الأديب السوداني جمال محمد إبراهيم

اقرأ أيضا