ترحيل المُهاجرين.. “يوروستات” لا يُضيئ الجانب المُظلم من الحقيقة

قوارب الموت لا تتوقّف عن مصارعة أمواج البحر الأبيض المتوسّط، في هجرة غير شرعية تُطارد أحلامَ العيش الرّغيد في أوروبا. لكن الوصول إلى الشواطئ الأوروبية لا يكفي لتكتسب تلك الأحلام “مشروعيتها”، فقد تعهّد زعماءٌ أوروبيون بتشديد الإجراءات على المهاجرين. وأفاد مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات” بأن عمليات التّرحيل تزايدت هذا العام بشكل ملحوظ.

نشر مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات”، يوم الاثنين (03 أكتوبر/ تشرين الأول 2022)، بيانات تُفيد بأن أعداد حالات ترحيل المهاجرين غير الشّرعيين “إلى دولة ثالثة، وداخل الاتحاد الأوروبي، تتزايد”. ومن بين المُرحّلين، في الربع الثاني من عام 2022، هناك “320 قاصرًا غير مصحوبين بذويهم، من دول غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي، تمّ أمرُهم بمغادرة أراضي الاتحاد الأوروبي، ولكن 40 منهم عادوا بعد تنفيذ أمر المغادرة”.

نسبة التّرحيل في ارتفاع

كشف “يوروستات” بأن “96550 من المهاجرين ليسوا من مواطني الاتحاد الأوربي، أُمروا بمغادرة إحدى بلدان الاتحاد، في الربع الثاني من العام الجاري، وبلغ إجمالي الذين عادوا إلى أوطانهم، بما في ذلك عمليات الترحيل داخل الاتحاد، 23110 شخصا، أي ما يعادل نسبة 11 بالمائة أكثر مما كان عليه في الأشهر المماثلة من السنة الماضية. ومقارنة بالأشهر من جانفي / يناير إلى مارس 2022، فإن نسبة عدد المُرحّلين بلغت 16 بالمائة، في الربع الثاني من هذا العام”.

فرنسا في المرتبة الأولى

تصدّرت فرنسا قائمة الدول الأوروبية التي أمرت بترحيل المهاجرين غير الشرعيين، حيث قامت بترحيل 33450 شخصا، وهو ما يُقارب أكثر من ثلث مجموع المهاجرين المُرحّلين من دول الإتحاد الأوروبي، خلال الربع الثاني من هذا العام. ثم تأني اليونان التي أمرت بترحيل 8750 مهاجرا، ثم ألمانيا التي رحّلت 8275 مهاجرا. أما في الربع الأول من هذا العام، فقد احتلّت إيطاليا المركز الأول، وتّلتها فرنسا وألمانيا.

المغاربيُّون يُؤمَرون بالرّحيل.. ولا يرحلون

أشار “يوروستات” إلى أن معظم المهاجرين المُرحّلين، في فترة الربع الثاني من هذا العام، ينتمون، بنسبة أعلى، إلى دول المغرب العربي، ثم ألبانيا وباكستان. وأضاف مكتب الإحصاء الأوروبي، بأن المُرحّلين الذين عادوا فعليا إلى أوطانهم، ينتمون إلى ألبانيا وجورجيا وروسيا وتركيا، بينما “اقتصرت عمليات ترحيل معظم المهاجرين المغاربيين إلى دولة ثالثة خارج الإتحاد الأوروبي، أو تعثرت داخل الإتحاد الأوروبي نتيجة اعتراضات قانونية وقضائية”.

الهجرة عبر طريق البلقان

يُذكر بأن وكالة الحدود الأوروبية (فرونتكس)، كشفت إنه “في الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام، تم اكتشاف 86581 حالة دخول غير نظامي من جهة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي مع منطقة غرب البلقان، بزيادة 190 بالمائة عن العام الماضي”.

وقد أوضح رئيس صربيا “ألكسندر فوتشيتش” بأن بلاده – تقع معظم أراضيها في منطقة البلقان- “ستُوائم سياسات التأشيرات مع سياسات الاتحاد الأوروبي، حتى لا يتمكن المهاجرون من استخدام صربيا باعتبارها أول دولة للدخول”. وأضاف بأن هناك “زيادة ملحوظة في عدد الوافدين من سوريا وباكستان وأفغانستان.. لكن صربيا لا تريد استضافة نقاط تلقّي طلبات اللجوء”.

من هم المعنيُّون بالتّرحيل؟

يتبيّن بأن الهجرة غير الشرعية إلى دول الاتحاد الأوروبي، لا تقتصر على مواطني إفريقيا وآسيا، بل هناك هجرة أوروبية داخلية، لا سيما من شرق أوروبا إلى غربها. ويُذكر أن بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات” اكتفى بالإشارة إلى أن أسباب الترحيل هي، بشكل أساسي، الدخول غير المشروع إلى أراضي الاتحاد الأوروبي، ولم تُشر إلى الأعداد الحقيقية للمهاجرين غير الشرعيين الذين تمّ احتوائهم وتسوية وضعياتهم القانونية، وهم في الغالب من الفئات العلمية والمهنية وأصحاب الكفاءات الذين أنفقت عليهم أوطانهم أموالا طائلة، ووجدت فيهم دول الاتحاد الأوروبي “ثروة بشرية” جاهزة للاستثمار، دون أن تُنفق مالا ووقتا.

بريطانيا تَصيد الأطبّاء

في هذا السياق، كشف وزير الصحة البريطاني السابق “جيرمي هانت”، في كتاب أصدرَه، بأن “الهيئة الصحية يمكن أن تنهار بدون العاملين الطبيين من الخارج، ويجب أن نستقبلهم بأذرع مفتوحة، لكن الاعتماد على الهجرة من الدول الأكثر فقرا، للتعيين في الهيئة الصحية كاستراتيجية طويلة الأمد، مسألة مُريبة أخلاقيا، حيث أن بلاد هؤلاء الأطباء في أمسّ الحاجة إليهم”، وأضاف بأن بلاده “تصيد عددا كبيرا من الأطباء الأجانب.. مُعظمهم يأتون من بلاد فقيرة”.

بريطانيا.. التعهُّد لا يعني الالتزام

تُشير التقديرات بأن “الهند تواجه نقصا في الأطباء يبلغ 600 ألف طبيب، بينما ينقص باكستان 200 ألف طبيب، وهما من أكثر الدول التي يأتي منها الأطباء إلى بريطانيا”، وفي عام 2021 جاء إلى بريطانيا 1250 طبيبا من مصر، 1645 من الهند، و1629 من باكستان، و1197 من نيجيريا، و522 من السودان.

للتوضيح أكثر، فإن دولة كينيا التي يبلغ عدد سكانها 20 مليون نسمة ويعيشون في فقر مدقع، ولا يزيد متوسط دخل الفرد فيها على 1.25 دولار في اليوم، “تتكبد خسارة قدرها 518 ألف دولار لقاء كل طبيب و339 ألف دولار عن كل مُمرض يهاجر إلى المملكة المتحدة”.

يُذكر بأن بريطانيا من الدول الأعضاء في المنظمة العالمية التي وقّعت على مُدونة سلوك تتعهد فيه بعدم النشاط دوليا لاجتذاب الأطباء من الدول الفقيرة المُصنّفة في “القائمة الحمراء”.

الاتحاد الأوروبي يكشف بعض الحقيقة

الأمثلة كثيرة عن اجتذاب وإغواء الكفاءات من الدّول “الفقيرة” لتُهاجر إلى بلدان الاتحاد الأوروبي، سواءٌ بطرق شرعية، أو في سياق الهجرة غير المشروعة، وكثيرةٌ أيضا هي قصص الأطباء والمهندسين والمهنيين وغيرهم من الكفاءات الذين اختاروا قوارب الموت وانتهت أحلامهم في قاع البحر أو في بطون الحيتان.. ولكن الاتحاد الأوروبي يكشف عمّا “يرهقه” ويشكّل عبئا عليه، وأما ما يحصّله من فوائد فلا يكاد يشير إليه، حتى وإن ارتبط الأمر بمعاهدات دولية تمنع استنزاف الثروات البشرية للدول الفقيرة، كما فعلت بريطانيا مع الأطباء والمُمرّضين.

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا