تفجيرات «نورد ستريم».. احتمالية براءة روسيا وأمريكا واردة وكل الشكّ موجّه إلى كيانات لها مصالح

على خلاف تفجيرات المنشآت النفطية والطاقوية التي حدثت خلال السنوات الماضية وعُرف الفاعل، يبقى لحد كتابة هذه الأسطر منفّذ تفجير خط أنابيب نرود ستريم ـ التي تم إنشاؤها لنقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى ألمانيا وأوروبا الغربية عبر بحر البلطيق ـ محل تساؤل لدى الرأي العام الذي دفعته التطورات الحاصلة في العالم منذ بداية الأزمة الروسية الأوكرانية في الـ24 فبراير الماضي إلى توجيه التهم لعدة دول وكيانات.

وكان أبرز من طالته أصابع الاتهام الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، فما الذي أخر معرفة المتسبب في التفجيرات الحاصلة شهر سبتمبر الماضي؟ لماذا قد تكون روسيا والولايات المتحدة الأمريكية بريئتين؟ وهل هناك جهات أخرى لديها مصلحة في عدم وصول الغاز الروسي إلى أوروبا قبل الشتاء؟

تطوّر التقنيات وقلّة تكلفتها تُصعب معرفة الفاعل

حين يتعلق الأمر باستهداف المنشآت النفطية في حالات الحروب والصراعات عادة ما يُعرف الطرف المتورط والهدف من التفجير، ولكن معرفة المتسبب في تفجيرات نرود سرتيم يقول الدكتور أنس الحجي الخبير في الطاقة ومستشار التحرير بمنصة «طاقة» (المختصة في أخبار الطاقة، مقرها العاصمة واشنطن): “إن سبب صعوبة تحديد الفاعل في هذه الحادثة ترجع إلى التقدم التكنولوجي الكبير في السنوات الأخيرة، التي شهدت اختراع أسلحة كالمسيرات الجوية والبحرية وكاميرات التصوير ذات التقنيات العالية، والتي بفضلها يستطيع اليوم أي شخص أو جهة تمتلك التقنيات إحداث الدمار في أي مكان وبأرخص التكاليف”.

إضافة إلى التطورات التكنولوجية الهائلة، قدم الدكتور أنس حجي خلال مساحة لمنصة الطاقة على موقع تويتر مخصصة للصحافة ـ حضرتها «الأيام نيوز» ـ تحليلا لصورة التفجير طرح من خلاله فرضية أن المتسبب في التفجير قد يكون حكومة وليس جماعة أيا كان توجهها، حيث أن تفجيرات المنشآت الطاقوية التي تنفذها الجماعات عادة ما تكون صورها مليئة بالنار والدخان ولكنها أثرها على الإمدادات محدود لأن هدفها السعي للتسويق الإعلامي، ولكن تفجيرات نورد ستريم التي كانت في المياه أثرها كبير على الإمدادات، وصورها خلت من الهول الذي تعودنا عليه في تفجيرات المنشآت النفطية، يضيف المتحدث الذي رجح فرضية تورط حكومات.

لماذا قد يكون بوتين بريء؟

استبعد الدكتور أنس الحجي الخبير في الطاقة فرضية تورط روسيا في تخريب الأنابيب وقدم عدة أسباب، أولها أن روسيا كانت قد أوقفت إمدادات الغاز عبر خط نورد ستريم1، قبل الحادثة بمدة طويلة، والغاز متوقف بالأساس فلماذا قد تريد توقيفه مرة أخرى بتفجير الأنابيب؟ يتساءل المتحدث.

السبب الثاني لضعف احتمالية تورد روسيا وعلى رأسها الرئيس فلاديمير بوتين في تفجير الأنابيب التي بنتها لتزويد أوروبا بالغاز عبر بحر البلطيق حسب الدكتور حجي، هو أن الوصول إلى مكان التفجيرات يتطلب استخدام سفن وغواصات يمكن ببساطة أن تكشفها مخابرات الدول الأخرى، وهذا يعد مخاطرة عالية من شأنها إحداث أزمة سياسية كبيرة حسب رأيه.

أما السبب الثالث فيتعلق بارتفاع تكاليف إصلاح الأنابيب وصعوبة أن تقوم روسيا بذلك في ظل معاناتها من تبعات العقوبات الاقتصادية الكبيرة التي فُرضت عليها من قبل الغرب منذ بداية الأزمة في أوكرانيا، وإضافة إلى الصعوبة المالية، طرح المتحدث إشكال مكان التفجيرات الواقع في المياه الإقليمية لدولة أخرى، ما قد يعرض هذه الدولة أيضا للعقوبات في حال تعاونها مع روسيا المعاقبة لإصلاح الأعطاب.

وعن القول بأن الجانب الروسي وضع متفجرات داخل الأنابيب يمكن التحكم بها عن بعد، رفض الخبير الطاقوي هذه الفكرة واعتبرها خاطئة فنيا وتقنيا، لأن نجاحها يعتمد حسب رأيه على تدفق الغاز، وهذا الأخير بالأساس متوقف.

لماذا قد تكون إدارة بايدن خارج دائرة الاتهام؟

في رد على سؤال «الأيام نيوز» حول احتمالية تورط الولايات المتحدة الأمريكية في تفجيرات أنابيب نرود ستريم، قال الخبير في الطاقة إن موسم الأعاصير في خليج المكسيك وتخوف إدارة باين من تسببها في انقطاع إمداد أوروبا بالغاز يٌضعف فرضية تورطها، فحتى لو كانت ترغب بذلك ـ يقول ـ فلن تفعل قبل مرور موسم الأعاصير الذي لو حدث في التوقيت الذي حدث فيه في السنوات الماضية لاستحال على الأوروبيين ملأ مخزونهم ولارتفعت أسعار الغاز والنفط معا بشكل أكبر مما هي عليه اليوم.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية فعلت المستحيل من أجل تزويد أوروبا بالغاز، وتحويل المسال منه الذي كان موجها للدول الآسيوية إلى حلفائها الأوربيين، كما سمحت لفنزويلا وإيران رغم العقوبات التي تفرضها وعدائها للدولتين البلدين بتأمين استمرار إمدادات النفط إلى القارة الأوروبية، فإن تخريب الأنابيب يتنافى مع السياسة الأمريكية التي لا تريد لمخرون أوروبا أن ينفذ قبل الشتاء القادم حسب الدكتور أنس حجي.

من له مصلحة غير أمريكا وروسيا؟

من بين الأطراف التي تفعل المستحيل لإقناع الولايات المتحدة الأمريكية بإنهاء النزاع في شرق المتوسط، وحل كل الخلافات الحدودية لضمان تمديد أنبوب غاز إلى أوروبا هي الكيان الإسرائيلي، وبالتالي فهو الآخر لدية مصلحة في تفجير الأنابيب واحتمال تورطه وارد، يقول الخبير في الطاقة الدكتور أنس الحجي.

وعن القول بتورط معارضين للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وترجيح وقوفهم وراء التفجيرات لتأجيج الأوضاع، قال الدكتور حجي إن هناك: “إمكانية لتورطهم لأن التقنيات التكنولوجية البالغة التطور والتي أصبح من خلالها يمكن التحكم في المسيرات عن طريق الحاسوب أو الهاتف النقال، تسمح لأي شخص يمتلكها أي أنبوب في أي مكان في العالم”.

في ظل الضبابية التي لا تزال تكتنف كشف المتسبب في تفجير خط نرود ستريم، قال الخبير أنس حجي: “من المؤكد أن الفاعل قد فتح الباب على مصراعيه لاحتمالات عديدة وشجع على إحداث تفجيرات في منشآت طاقوية في أماكن أخرى من العالم”.

سميرة بلعكري - واشنطن

سميرة بلعكري - واشنطن

اقرأ أيضا