توريدات الغاز وحرب أوكرانيا.. المكاسبُ في الجزائر والحِممُ في المغرب!

ينبئ قرار عدم موافقة ألمانيا ومعها الولايات المتحدة الأمريكية، على السيل الشمالي رقم اثنان (نورث ستريم 2)، وهو أنبوب الغاز الذي يربط الأراضي الروسية بالألمانية عبر بحر البلطيق، بحصول تطورات جيوسياسية على صعيد التموقعات في الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، وذلك انطلاقا من العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، و يظهر أنّ الجزائر ستكون في رواق جيّد للحصول على مكاسب جيوسياسيّة كبيرة، تخصّها وتخصّ أيضا كبرى الملفّات في المنطقة وعلى رأسها قضيّة الصحراء الغربيّة.

ومن بين القراءات التي قدمت في هذا السياق، أن النّظام المغربي سيكون من أكبر المتضررين من هذا التطور الذي فرضته الحرب الروسية الأوكرانية، وذلك انطلاقا من أن هذا المعطى سيعيد ترتيب الأوراق وسيدفع إلى إعادة النظر في علاقات كل من الجزائر والرباط مع دول الضفة الشمالية للبحر المتوسط.

ويعتقد الأوروبيون أن قرار المستشار الألماني أولف شولتز الذي علّق بموجبه التصديق على خط أنبوب الغاز نورث ستريم 2 ،بعد أن اعترفت روسيا رسميًا بجمهوريّتين اثنتين في شرق أوكرانيا، سوف لن يكون له أي تأثير فوري على إمدادات الغاز إلى الاتحاد الأوروبي، وإن كان يرجح أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغاز إلى مستويات قياسيّة قد تصل إلى 2000 أورو للطن المتري.

وتسيطر الجزائر في الوقت الحالي على نحو 10 بالمائة من الغاز الذي يستهلكه الاتحاد الأوروبي عبر خطي أنابيب، الأول هو ميدغاز الذي يربط الجزائر بإسبانيا مباشرة من دون المرور على التراب المغربي، وينقل نحو 10 مليارات متر مكعب من الغاز، والثاني هو أنبوب غاز “ترانس ماد” الذي يربط الجزائر بإيطاليا عبر التراب التونسي، علما أن الخط الثالث أنبوب الغاز المغاربي الأوروبي، تم إيقاف العمل به بداية من شهر نوفمبر المنصرم وهو الذي كان يربط الجزائر بإسبانيا عبر التراب المغربي.

وذهب محلّلون في أوروبّا إلى القول بأن الدول الأوروبية ستنظر مستقبلا إلى الجزائر على أنه شريك لا مناص من التعامل معه في مجال الغاز وفق المعطيات الجديدة، وهذا ما سيعزز من النفوذ الجزائري على حساب المغرب، ولا سيما فيما تعلق بالقضية الصحراوية، التي تسببت كثيرا في تأزيم علاقات نظام المخزن المغربي مع بعض بلدان الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتهم ألمانيا وإسبانيا.

وتجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين الرباط وكل من برلين ومدريد، تشهد اضطرابا منذ العام المنصرم، وبالضبط بعد الموقف الذي عبرت عنه العاصمتين الأوروبيتين، اللتين رفضتا بشدة قرار الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، الذي اعترف في تغريدة له، بالسيادة المزعومة لنظام المخزن المغربي على الأراضي الصحراوية المحتلة، ما تسبب في استدعاء الرباط لسفيرها في البلدين الأوروبيين.

 ويرى المحللون الاستراتيجيون أن التطورات الحاصلة على المستوى الأوروبي، ستمنح الجزائر ميزة استراتيجية من شأنها أن تغير اللعبة على صعيد قضية الصحراء الغربية، التي لا يزال حضورها محدودا في القارة العجوز مقارنة بما هو حاصل على مستوى الاتحاد الأفريقي.

 ملامح هذا التحوّل بدأت تظهر للعيان من خلال حيثيات القمة الإفريقية الأوربية التي احتضنتها مدينة بروكسل مطلع الشهر الجاري، والتي تميزت بحضور لافت لرئيس الجمهورية العربية الديمقراطية الصحراوية، ابراهيم غالي، رغم هيجان النظام المغربي ومحاولته منع ممثلي جبهة البوليساريو التي تقود حربا لتحرير أرضها من المشاركة في القمّة.

وهي مستجدّات ستفرض على قادة الإتحاد الأوروبيّ حتما، إحداث مراجعات عميقة في الموقف الأوروبي عموما من قضية الصحراء الغربيّة باعتبارها قضية تصفية استعمار.

انعطاف أوروبيّ

وتشير معطيات سابقة إلى أنّ تفكيرا يجري عبر عدد من الدول الأوروبيّة الوازنة كإيطاليا وفرنسا وألمانيا، للنّظر في الإعتراف رسميّا بالجمهوريّة العربية الديمقراطية الصحراويّة، لعدالة القضيّة من جانب، وللتطوّرات المتسارعة في أوكرانيا و تأثيراتها الجذرية على سوق الغاز في العالم، و الذي تلعب فيه الجزائر دورا كبيرا، باعتبارها أحد أهمّ أقطاب صناعة وانتاج وتسويق الغاز المسال في العالم.

وكان الرّئيس الجزائري عبد المجيد تبّون قد أكّد مرارا على أنّ بلاده ستعود بقوّة إلى المحافل الدوليّة، عبر استغلالها لكافّة الأوراق الضاغطة التي تمتلكها.

وتبيّن هذا التوجّه الجزائري في العلاقات مع النّظام المخزني الذي تعرّض لأكبر عملية تأديب في تاريخه، رغم محاولته الإستقواء بنظام الإحتلال الصّهيونيّ لترسيخ احتلاله للأراضي الصحراويّة، وتبنّي سياسة توسّعيّة فاشلة.

ومن المنتظر أنّ تلقي أزمة أوكرانيا بظلالها أيضا على الموقف المغربي المتضعضع أصلا، من قضيّة الصّحراء الغربيّة، إذ يناور منذ سنوات من أجل تطبيق وهْمِ الحكم الذّاتي.

 كما أنّ قرار الجزائر قطع إمدادات غازها إلى اسبانيا عبر التراب المغربي ، سيشكّل ضربة قاصمة للعنجهيّة المغربيّة، و يتّضح أنّ كبار قادة النظام المغربي و على رأسهم المستشار الصّهيونيّ أندري آزولاي، الذي يوصف بالحاكم الفعليّ للمغرب، يتّضح أنّهم أخطؤوا كثيرا في حقّ الجزائر، ولم يحسبوا جيّدا ثمن تحدّيهم و طعنهم لجار كان كريما وقوبل بلؤم وغدر.

غسان ابراهيم

غسان ابراهيم

محرر في موقع الأيام نيوز

اقرأ أيضا