حلف الناتو.. الدبلوماسية الناعمة في خدمة الهيمنة

تنظر النخبة السياسية والإعلامية في الجزائر إلى المقاربة التي بلورتها منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بشأن الجزائر وفق ما جاء في مجلة “بويزنس إينسايدر” على أنها شكل من أشكال النيوكولونيالية، التي لا زال تسيطر على مخيال القوى الغربية الساعية إلى الهيمنة على العالم.

وترى هذه المنظمة التي تقدم نفسها على أنها دفاعية، إلى الجزائر وإلى غيرها من الدول التي ترفض وتواجه الهيمنة على أنها عقبة في وجه مشاريعها التوسعية في شرق وجنوب أوروبا، وقد جاءت الأزمة الخطيرة بين الجزائر وإسبانيا، لتغذي هذا التوجه المفعم بالفكر الاستعماري القديم والمغلف ببعض القيم الزائفة.

ومهما حاولت هذه المنظمة إظهار سعيها إلى تكريس السلم عبر برنامجها الدفاعي، تبقى برأي المراقبين، هي الوريث غير الشرعي للاستعمار التقليدي، الذي لا يزال مرادفا للجرائم ضد الإنسانية والقتل والتشريد ونهب ثروات الشعوب المقهورة، والسعي إلى توظيفها بما يخدم أجنداتها.

ومن هذا المنطلق،تُبرز دراسة الحلف الأطلسي،التي تعتبر الجزائر مهددا للأمن ضمن حدوده الجنوبية (حوض البحر الأبيض المتوسط)،شكلا من أشكال الاستعمار الجديد، يستهدف فرض ضغط معنوي على السلطات الجزائرية، على أمل تغيير مواقفها أو على الأقل تعديلها بما لا يساهم في عرقلة خطط ومشاريع القوى الباحثة عن الهيمنة على المنطقة.

ويأتي الكشف عن هذه الدراسة في الوقت الذي يرى الكثير من المختصين أن الحلف الأطلسي فقد الكثير من مصداقيته في الأزمة التي تعيشها منطقة شرق أوروبا، بعجزه عن توفير الحماية لأوكرانيا بعد أن ورّطها في حرب مدمرة مع قوة عظمى، عبر دفعها لاستفزاز روسيا بتوسيع الحلف الأطلسي شرقا.

وبين الجزائر ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) وديان من الدماء، سالت منذ البدايات الأولى للثورة التحريرية وامتدت حتى الرصاصات الأخيرة عشية الاستقلال، وتعد جريمة ساقية سيدي يوسف التي اختلط فيها الدم الجزائري بالتونسي، شاهدا على جرائم هذه المنظمة العابرة للحدود.

وقد كانت الجزائر مسرحا لنشاطات الحلف الأطلسي منذ إنشائه في العام  1949، على اعتبار أنها كانت ملحقة قسريا بفرنسا الاستعمارية، ولذلك عندما اندلعت  الثورة  التحريرية قرر الحلف الأطلسي الانخراط في الحرب على الجزائريين إلى جانب جيش الاحتلال الفرنسي، وذلك انطلاقا من المادة السادسة من ميثاقه التي تقول إن كل هجوم مسلح ضد طرف أو عدة أطراف من الحلف، يعتبر بمثابة اعتداء مسلح ضد هذا الحلف في أوروبا أو أمريكا الشمالية أو ضد “المقاطعات الفرنسية” في الجزائر..

ولذلك كان الحلف الأطلسي يقدم المساندة العسكرية والمالية والدبلوماسية لفرنسا في حربها على الجزائريين.

ويذكر التاريخ أن الرئيس الفرنسي منداس فرانس قام  بزيارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر 1954، وطلب ترخيصا لاستعمال أسلحة الحلف الأطلسي في حربها ضد الثورة التحريرية، وهو ما حصل، وهذا ما يجعل الجزائريين يحتفظون بذاكرة سيئة جدا عن هذه المنظمة، التي تلطخت يداها بدمائهم.

كما قدم الحلف دعما عسكريا لفرنسا تمثل في حصولها على عتاد حربي أمريكي، تمثل في طائرات حربية جد متطورة في ذلك الوقت، علاوة على مدافع متطورة ومصفحات وفيالق من الجنود مختصين في المدفعية والسلاح الميكانيكي السريع، والعتاد الصحي وعدد كبير من المدربين الأمريكيين.

ومن كل ما سبق، يتضح أن ما نسب للحلف الأطلسي بشأن الجزائر، يعتبر تطورا في تعاطي هذه المنظمة، التي يبدو أنها لا تزال غير قادرة على مراجعة أفكارها وقيمها بما يحفظ السلم العالمي. وكما يقول المثل العربي السائر “لا يستغرب الشيء من مأتاه”.

غسان ابراهيم

غسان ابراهيم

محرر في موقع الأيام نيوز

اقرأ أيضا