حلم الطفل الإفريقي.. هذه فرصتنا لنقرأ ما تكتبه البراءة

أشار أحد الأدباء إلى فكرة ملفتة مفادها أنه “من الأفضل إشراك الصغار في تقييم واختيار الكتاب الذي يناسب إمكاناتهم وميولاتهم”، وقد جاء هذا الكلام في سياق نقاش ـ في إكسبو الشارقة بدولة الإمارات ـ حول أدب الطفل، وهو الموضوع الذي يعود إلى الواجهة أخيرا ـ في الجزائر ـ لكن من خلال طروحات مختلفة لها علاقة ـ حينا ـ بما يكتبه الطفل لا بما يُكتب له، وحينا آخر بتشجيع الطفل المتضرر نفسيا على ممارسة شتى فنون التعبير على خشبة المسرح، تحت إشراف مختصين يناضلون لحماية الطفولة في بلادهم.

وفي سياق هذا الحدث المتعلق باليوم العالمي للطفل الذي يُحتفل به ـ كما في كل عام ـ يوم 1 يونيو/ حزيران 2022، وسيليه حدث آخر متمثل في اليوم العالمي للطفل الإفريقي (يوم 16 يونيو/ حزيران) ـ أطلق المسرح الوطني الجزائري محي الدين بشطارزي دعوة للمشاركة في مسابقة تخص عالم الكتابة الأدبية، لكن، ليست الكتابة الموجهة للأطفال، بل تلك التي يمارسها الأطفال أنفسهم للتعبير عما يشغل بالهم وما يريدون إخبار العالم به.

وإذا كانت فكرة إشراك الصغار في تقييم أدب الطفل للتعرف على ميولاتهم القرائية، تبدو مهمة للغاية، فإن دعوة الأطفال للكتابة في مجال الأدب لا تقل أهمية في حال كان الهدف الأسمى هو التقرب من عالم الطفل، بعيدا عن تلك النظرة الفوقية والقناعات المكتسبة القائمة على انطباعات شخصية مفادها أن “الكبار يعلمون جيدا ما يريده الصغار قراءته”.

خاصية “الاستبيانات”

لقد صار بالإمكان ضبط كل التوجهات في هذا المجال باستخدام خاصية “الاستبيانات” التي اقترحها الأديب التونسي ميزوني بناني خلال جلسة نقاشية بعنوان «نبض إفريقيا»، عقدت ـ في المدة الأخيرة ـ ضمن فعاليات «مهرجان الشارقة القرائي للطفل»، في إكسبو الشارقة بدولة الإمارات.

واستضافت الجلسة التي نظّمتها «هيئة الشارقة للكتاب»، كلاّ من الكاتبة لوراتو ماري تروك، والكاتب كريستوفر أوكيموا، والكاتب ميزوني بناني الذين قدم ثلاثتهم عصارة تجاربهم في مجال الكتابة للأطفال مع واستعراض نماذج للمعايير والسمات التي يضعونها في الاعتبار عند الكتابة للطفل الإفريقي باحتياجاته وخصوصياته.

نبض إفريقيا

وكان أهم ما قيل في هذه الندوة على لسان التونسي ميزوني بناني الذي طرق الموضوع من زاوية مغايرة، إذ قال إنه: “على الرغم من أنّ القارة الإفريقية تضم 55 بلدا، إلا أنّ الإعلام لا يركز على ثقافاتها ولغاتها، كما أن المشهد يبدو ضبابياً بسبب نقص البحوث والدراسات عن هذه المنطقة الغنية بالثقافات والأساطير والخرافات، ومع ذلك توجد أسماء كبيرة تكتب لأدب الطفل في مختلف الدول الإفريقية، وجميعهم يقدمون مساهمات ثرية”، وأضاف: إنه “من الأفضل إشراك الصغار في تقييم أدب الطفل من خلال الاستبيانات.

وضمن هذا المسعى ـ ولو من الوجه الآخر ـ تفتح المسابقة الأدبية التي أطلقها المسرح الوطني الجزائري ـ في إطار نشاطاته خلال «شهر الطفولة» ـ الفرصة للأطفال المتراوحة أعمارهم بين 10 و16 عاما، للتعبير عن مواهبهم الإبداعية باستخدام اللغة، على أن تكافئ المسابقة صاحب أفضل نص أدب، لا يتجاوز 15 سطرا ويُعبر عن “حلم الطفل الإفريقي”، وتتم المشاركة من خلال إرسال الاقتراحات، مصحوبة باللقب والاسم وتاريخ الميلاد ورقم الهاتف لكل طفل مترشح، قبل تاريخ 6 يونيو/ حزيران، إلى العنوان الإلكتروني: hdidwenemasrahtifl2021@gmail.com وأوضح المنظمون أن الإعلان عن نتائج المسابقة، سيتم خلال حفل ينظم في المسرح الوطني الجزائري يوم 14 يونيو/ حزيران، أي قبل يومين من الاحتفالات بيوم الطفل الأفريقي، وسيحصل الفائزون في هذه المسابقة على “هدايا تربوية قيمة”.

«مملكة الحشرات»

ويمكن القول بأن المسرح الوطني الجزائري «محيي الدين بشطارزي» أصبح الفضاء الأكثر نشاطا لصالح الطفولة، إذ يعتزم ـ يوم الأربعاء 1 يونيو/ حزيران في إطار اليوم العالمي للطفل ـ إعادة عرض مسرحية «مملكة الحشرات» الموجهة للأطفال والتي تبرز أهمية قيم التضامن والصدق بين الناس.

مملكة الحشرات

وكان هذا العمل المميز ـ الذي أنتجه المسرح الجهوي مدينة العلمة ـ قد تم عرضه قبل أيام قليلة أمام نحو 250 طفلا كانوا مرفوقين بأوليائهم ومعلماتهم، حيث تابعوا أحداث مسرحية «مملكة الحشرات» التي أخرجها سهيل بوخضرة وكتب نصها سهيل شبلي، كما تمكنوا بالمناسبة من اكتشاف هذا المكان الساحر.

وتسرد المسرحية ـ في 55 دقيقة ـ قصة ملكة النحل ـ التي أدت دورها ريان حمايدي ـ حيث تظهر وهي تستنجد بأصدقائها الحلزون (رابح عمران) والفراشة (وسام شهرزاد كاملة) والصرصور (جهاد لوديني) والعنكبوت (محمد راسم قاسيمي)، بسبب هجوم الدبابير على مملكتها، فيما تصر الدبورة التي أدت دورها أمال دلهوم والدبورين المساعدين زياد بوروبة ومحمد براهيمي، على مواصلة عملهم الخبيث، رافضين كلية العدول عن مشروعهم، وستجد معاناة الملكة نهايتها في اقتراح الصرصور الذي أوصى بالبقاء متضامنين وتحبيذ الصدق، موضحا ببساطة أن الملكة لها الحق في العيش في سلام والأمن مع خليتها.

وسمحت السينوغرافيا التي أعدها سهيل بوخضرة بإعادة تشكيل العالم الخيالي للشخصيات التي تطورت في ديكور تم التركيز فيه على تنوع الألوان المميزة لعالم البراءة، هذا وتمكن الكوميديون الثمانية، من خلال ملابسهم المشابهة لمختلف الحشرات، والتي صممتها إيمان بلحاج مصطفى بموهبة وبراعة، من زيادة كثافة النص المكتوب باللغة العربية الأكاديمية في شكل بلاغة تربوية تناسب ذهن الجمهور الحاضر، كما صفق الأطفال الذين تفاعلوا طويلا مع المواقف المختلفة للعرض بسرور وبهجة وتفاعل مع أداء الممثلين.

وكان الفنان الجزائري “سهيل بوخضرة”، العصامي والشغوف بفن الركح في بلاده، قد بدأ المسرح في عام 2003 كممثل هاو، شارك في عديد العروض الموجهة للأطفال التي تنتجها الجمعيات والتعاونيات المسرحية، وفي عام 2012، وسع سجل مهاراته ليصبح ممثلا مسرحيا محترفا، حتى عام 2017 حين تخصص في مسرح الدمى قبل العودة إلى مسرح الأطفال، ويحاول تقديم عروض ناجحة، على غرار «في كل بيت» (2017) حول الطفل والتقاليد الشعبية، و«مدينة النانو» (2019) حول الطفل والتقدم التكنولوجي.

«حلم» مشروع مسرحي

وفي سياق المبادرات المنتصرة لعالم الطفولة، أعلن ـ في وقت سابق ـ الممثل المسرحي حسين مختار عن إطلاق مشروع التنمية المسرحية “حلم” بمحافظة معسكر (غرب) تنفذه جمعية محلية بالشراكة مع المسرح الجهوي هناك، وفكرة هذا المشروع تقوم على هدف علاجي بواسطة المسرح لفائدة الأطفال الذين يعيشون اضطرابات نفسية أو مشاكل في الدراسة.

حلم مشروع مسرحي

وكشف حسين مختار أن الفكرة جاءته بعد اطلاعه على تجارب متشابهة سابقة كانت له في تونس ولبنان، وأن مشروع “حلم” تم تجسيده في حي بابا علي ببلدية معسكر، وشمل 5 مدارس ابتدائية، في جانفي 2022، بمرحلة التكوين في المسرح، دامت 45 يوما تخرج منها خمس متربصين.

وأشرف على التكوين 18 مؤطرا في مختلف المهن المسرحية، وقد أثمر 10 نصوص مسرحية موجهة للطفل، أشرف عليها الأستاذ إسماعيل سوفيط، هي من وحي حكايات ومعاناة هؤلاء الأطفال، سيتم تتويجها في المرحلة المقبلة بمهرجان مدرسي خاص بالمسرح في الفترة الممتدة من 12 إلى 16 يونيو/ حزيران المقبل، ويوم الاختتام سيصادف يوم الطفل الإفريقي.

وأكد أن مراحل المشروع رافقها أيضا خمسة أطباء نفسيين لمتابعة حالة الأطفال الذين لهم صعوبات في الدراسة أو مشاكل مع المعلمين أو مع أصدقائهم في المدرسة، لإيجاد حلول لهم عبر المسرح، مشيرا أن هذا النوع من المبادرات التوعوية يجب أن تصل إلى الأولياء، لأنهم المسؤولون على أولادهم بالدرجة الأولى، وتتم العملية بأخذ عين الاعتبار حالتهم الاجتماعية والحي الشعبي وظروفه.

من جهته، أكد الشاعر عبد الله الهامل مدير مسرح معسكر الجهوي «بشير زحاف»، أن الهدف من المشروع هو نقل المسرح إلى الشارع والحي الشعبي والمدرسة، وعليه تسليط الضوء على هوامش المجتمع، وعلاج بعض السلوكيات التي يعاني منها الطفل، منبها أن هذا المشروع يجب أن يقدم للرأي العام الوطني.

وبعيدا عن الجزائر العاصمة ومعسكر، تنظم المكتبة الرئيسية للمطالعة العمومية «د.ابو القاسم سعد الله» بمحافظة تندوف عدة مسابقات للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و15 سنة، ومن بينها «المذيع الصغير» حيث يتنافس الأطفال في إعداد تقارير ـ من ثلاث دقائق ـ عن المكتبة الرئيسية في مدينتهم، بالإضافة إلى مسابقة «الراوي الصغير» المتمثل في تجربة اختيار قصة وإلقائها مع الأخذ بعين الاعتبار سلامة اللغة وطريقة الأداء والتحكم في الصوت.

علي مغازي - الجزائر

علي مغازي - الجزائر

كاتب صحفي في موقع الأيام نيوز

اقرأ أيضا