حول تجربتي في الكتابة للطفل

يصعبُ على كاتب الأطفال أن يُقيِّم تجربته الإبداعية، ذلك أن عليه أن يعرضها على مرآة ناقدة تُحدِّد مَكامِن الضعف والقوة فيها كي يتمكّن من تقديم الأفضل وهو يسعى لسقاية غرس البراءة بماء أدب يُنبِتُ ثمرًا هو مستقبل الأمة وكيانها، فما أطفال اليوم إلاّ رجال الغد، ولهذا كان الحرص على تقديم أدب نافع لهذه الشريحة الحساسة يستوجب تبصُّرًا ورَوِيَّة ووعْيًا بخطورة المُهمّة التي يُقْدِم عليها كاتب الأطفال، لأنه يكتب على ورقة بيضاء ستتشّرب كل ما يخطُّه عليها وتؤثر في بناء شخصيته التي سيعيش بها مدى الحياة.

وانطلاقا من ذلك، فقد رأيتُ بأن الجمع بين التّعليم والتّشويق في أدب الطفل هو أكثر من ضرورة ملحة تُمَكِّنُنا من إعادة الأطفال إلى احتضان الكتاب فنصير أمة اقرأ التي تقرأ، كما تمنحنا فرصة سحْب صغارنا برِفْق من عوالم افتراضية صنَعت منهم هياكل بشرية أُفْرِغت من أرواحها، بسبب إدمانهم لألعاب إلكترونية يغلب عليها العنفُ وتصْطبغ بلباس غريب عن معتقداتنا وعاداتنا وتقاليدنا.

ولهذا فقد سعيْتُ إلى تقديم أدب بديل يُضاهي الأدب الغربي في حكاياته التي تجمع بين الإثارة والدهشة المثيرة للغرابة والانبهار لدى الأطفال من خلال تأليف روايات خيالية وقصص مغامرات مشحونة بقيم إنسانية عُليا كالتسامح وحبِّ الخير للآخرين وغيرها، كما في رواية “في بحيرة الأعاجيب” بجزأيها، وسلاسل “سامي ورامي” و” ريمة تكشف علم الفلك” و”سارة تعلّمك الكثير”.. كلّها تعُجُّ بالحركة والأحداث المدهشة، والهدف الذي أرجو بلوغه من خلال ما أقدمه لعالم البراءة، هو الوصول إلى إنتاج أدب يتوافق وأعرافنا وأخلاقنا كونها تشكِّل درع حماية لبراعمنا الصغيرة من خلال مبدأ “استمتع وتعلّم”، والتعلم هنا يعني إثراء قاموس الطفل اللغوي والارتقاء بذائقته الجمالية فتنشأ لديه مناعة تُمكِّنُه من التّفريق بين ما هو جميل وما هو قبيح، كما يعني التعلُّم أيضًا اكتساب معارف حول محيطه الذي يحيا فيه وكل ما له علاقة بحياته اليومية.

ويشكِّلُ التاريخ أهمية كبرى في إرساء أسس قويمة لشخصية طفل مُتوازن يعتز بتاريخه ويسعى لاستكمال بناء وطنه من خلال ربْطه بماضيه المشرف عن طريق قصص لأطفال شاركوا في ثورتنا المجيدة كما في سلسلة” أبطال صغار”، وتعرض سلسلة “أسود الجزائر” سِيَر عدد من الشهداء والأبطال الذين يُشكّلون قُدوة لبراعمنا ينشأون على ضوئها ويسعون لتقليدها، كما وسعيت لبذْر بذور الحكمة في نفوسهم بتحويل تراثنا الشفوي إلى قصص جميلة تنْضح بحكمة الآباء والأجداد من خلال سلسلة “قصص من التراث”. ويعايش أطفال الروضة في سلسلة “مغامرات نونو”، أحداثا شيقة رفقة عدد من الحيوانات الجميلة، كما يمرح الأطفال وهم يغنون مع الفراشات والعصافير في كتاب “هيا لنغنّ”.

وتبقى الكتابة للطفل من أصعب المهمّات التي يجب أن يُحسب لها ألف حساب، لخطورة تأثيرها على أجيال الغد لأنهم أمانة وما علينا سوى حفظ هذه الأمانة.

الكاتبة الجزائرية جميلة ميهوبي

الكاتبة الجزائرية جميلة ميهوبي

اقرأ أيضا