خرجت من التاريخ وفقدت الجغرافيا.. “مصر التي في خاطري” في خطر

في واحدة من محطات السقوط التاريخي البائس، التي سَتُدوّنها صفحات نهر النيل العظيم، سيكتب حاضر اليوم لقادم الأجيال، أنه كان للعرب مصر من زمن بن العاص وعين جالوت وجمال عبد الناصر.. وفي نهاية مقترنة بالعار الذي أنهى قاهرة كانت هي المعز وعِزّ العرب حضارة وامتدادا ومعركة عبور، وفي طي لصفحة المحروسة، حيث مصر كانت “هرم” القضايا العربية، فإنّ مأساة الأمة العربية، بواقع مصر السيسي اليوم، لم تعد فقط في “غزتها” المكلومة ولكنها في مِصرها بكل إرثها التاريخي الغابر، الذي كان هو المحطة الثابتة التي تصنع التاريخ في لحظاته الفارقة، حين تنادي الأمة أين العرب؟ ليتمخض النيل، أنها مصر وأنّ بها خير أجناد الأرض، لكنها اليوم غير مصر التي كانت، ولا التي كان يجب أن تكون..

الضابط السابق في الاستخبارات الأمريكية “سكوت ريتر”، وفي نعي لم يستثن منه مصر شعبا وتاريخا ولا حكومة وحاضرا، ينفجر خيبة وكله صدمة من مآل أم الدنيا ومواقفها مما يجري بغزة وما حلّ بأهلها، حيث الهزيمة في رأيه ليست غزة، ولكنها مصر كتب عنها قائلا: “يا إلهي، لقد أثبت المصريون أنهم أمة اللاشيء! أنا آسف على ما حدث لكل المصريين هناك، عار عليكم جميعا! أتجلسون هناك في مصر وتشاهدون إخوة لكم عربا وفلسطينيين يذبحون أمام أعينكم وعلى حدودكم ولا تحرّكون ساكنا! عار عليكم!”..

الحقيقة أنّ خيبة “سكوت ريتر”، المكلوم في أطفال ونساء وشيوخ غزة ورفح، والذي اصطف إلى جانب الحق الفلسطيني دفاعا عن الإنسانية ضد كل ما يرمز للكيان الصهيوني، عرقا وتاريخا وجودا، قُلنا الحقيقة، أنّ الخيبة بعنوانها الكبير، ليست خيبة الضابط الأمريكي وحده، ولكنها خيبة أمة من محيطها إلى خليجها، أولا في حكامها وملوكها وأنظمتها الخانعة، بشكل عام، ثم في “العزيزة” مصر، بشكل خاص وخاص جدا، فمصر كما عرفها التاريخ قلعة للقومية وللعروبة وللعبور التاريخي، كانت عنوانا لعنفوان العرب، وقلعة للذود عن الإسلام حتى في أحلك لحظات السقوط والضعف والهوان.

لكن بين أمسها الذي كان عين جالوت في قبعة “قطز” والظاهر بيربس، كما كان جمال عبد الناصر في ثورة ضباط أحرار أسقطت تاج بريطانيا العظمى، كما أسقطت عين جالوت امبراطورية جنكيز خان وهلاكو، وبين ذلك الأمس الناصع “الجدعنة” والرجولة، وبين حاضر السيسي وما اقترفته لعبة معبره ومعابره في حق غزة بشكل خاص وحق تاريخ ووجود المحروسة مصر بشكل عام، فإنّ قاهرة المعز التي حملت في قلب كل عربي، عنوان “مصر التي في خاطري”، أضحت مصر التي في “خطر”، بعد أن أغرقتها لعبة الديون في حلقة لعبة “العيال كبرت” وعايزين “فول مدمس” يا باشا، مقابل أن تتقمص دور “شاهد ما شفش حاجة” أمام كل قضايا الأمة العربية، على رأسها، لقد كان للقدس مصر ولقد كانت صلاة مصر قبلتها الأقصى..

ماذا جرى بقاهرة المعز بالضبط، وكيف أسقطت لعبة السيسي حضارة الفراعنة من خلال أهراماتهم التي لا زالت شاهدة على العظمة المصرية، وذلك قبل أن تُسقط، كل تاريخ لمكوّن مصر ولوشم وفطرة، أنها الأرض التي حبتها السماء بشهادة نبوة عنوانها: أنّ بمصر خير أجناد الأرض، فترى أين الأجناد؟، بل أين المصريون؟، والأخطر من ذلك، أين مصر ليس من غزة وفلسطين والأمة العربية، ولكن أين مصر من مصر ذاتها؟

فلسطين كقضية صلاة وكفاح، تكفّل بها أهلها، من خلال طوفان أقصى صنع لها “أكتوبر” خاص بها، كان الرسالة للعرب كافة ومصر خاصة، أنّ آل القدس أولى بقضيتهم، وأنّ غزة كفت الأمة جهادها وثورتها وصمودها، كما كفت مصر أكتوبرها، فماذا عن مصر يا سيسي ويا شعب مصر؟

مؤسف جدا، أن تدخل قاهرة المعز التاريخ من خلال أكتوبر عظيم وعبر نيل كان هو “عين جالوت”، لتدور الدائرة ثم يتم إخراج مصر من مصر نفسها ومن شعبها، وذلك قبل إخراجها من أمتها، من خلال رغيف “عيش” أو طبق “ملوخية” و”كوارع”، حيث السيسي وفي زمن كل شيء قابل للبيع وللمقايضة ولمنطق وقاعدة “بين البائع والشاري يفتح الله” رمى بحضارة قرون بين طبق “كوشري”، بعد أن رهن شعب “الجدعنة” بين أحضان الأفامي، لتصبح مصر التي كان التاريخ كله، بعربه وعجمه، مدان لها بالعظمة، هي نفسها المدانة، لبنك آفامي، اشترى منها سيادتها ووجودها ومواقفها، ليعزلها، ليس فقط عن أمتها ومحيطها العربي، ولكن عن شعبها طبيعة وفطرة ووجودا..

السؤال الذي يفرضه الحال فيما “حلّ” بمصر العبور، أهي غزة، التي لا زالت صامدة تقاوم بأقل الوسائل وحشية الكيان الصهيوني الذي لا زال عاجزا عن تغيير طبيعتها، رغم كل جرائم الزمان التي أقترفها، أم أنها مصر التي سقطت دون قتال، فأضحت عنوانا لضفة “خانعة” لبني صهيون، من خلال نظام سيسي، نزع عن مصر حتى حقها في كرامة وشرف الموت واقفة، فلا هي قاومت محافظة على تاريخها العظيم، ولا هي نالت أجرة وثمن ركونها وركوعها من خلال مقايضة نظام السيسي لسيادتها برغيف “عيش، حيث حتى ذلك الرغيف، الذي باعت به نفسها، لم يعد موجودا، وكل ما حصلت عليه قاهرة المعز، أنها خرجت من التاريخ وفقدت الجغرافيا ولسان حالها يقول، كما هو معروف في أفلامها السينمائية: أنا خرجت من المولد بلا حمص..

وزير خارجية الكيان الصهيوني، المدعو “يسرائيل كاتس” وفي خرجة لنزع كل الأقنعة عن جمهورية الشاويش “عتريس” بطبعة السيسي، وفي توريط علني للجانب المصري بشكل مفضوح، كشف صراحة، أنّ مفتاح حلّ الأزمة في غزة بأيدي أصدقائنا المصريين، كما ذكر أنه  طلب مع نظيره البريطاني والألماني، إقناع القاهرة بإعادة فتح معبر رفح، للسماح بتدفق المساعدات، وهو التصريح أو الاعتراف الذي أثار الخارجية المصرية، لترد عليه في نفي سياسي، هو أقرب إلى العتاب بين “أولاد” العم منه إلى تكذيب على ما صرّح به وزير خارجية الكيان، نافية الأمر باحتشام.

والمهم، في واقع مصر كانت هي “القبلة” عروبة وعبورا، أنّ أكبر معركة فازت بها سلطة الكيان الصهيوني، منذ ثمانية أشهر من مذبحة غزة، أنها بدلا من أن تنتصر على غزة، رسخت في العالم العربي، أنها انتصرت في مصر، وأنّ نظام السيسي، أخرج مصر من تاريخها، كما ألغى كل جغرافية لها، لتصبح مجرد وجبة “ملوخية” في صحن نتنياهو وحكومته، حيثما شاءت “إسرائيل”، كانت المشيئة سيسي..

مجمل القول وخاتمته، وبعيدا عن مواقف نظام السيسي واختياره لضفة ووظيفة رئيس “المعبر” بدلا من رئيس مصر، ترى أين الشعب المصري؟ وهل أمة، هي خير أجناد الأرض، تتهاوى قيمتها ومكانتها وتنتهي لهكذا حضيض وقاع؟ وأين مياه النيل وجدعنة الصعيد وأبناء السويس؟ والحقيقة المعلّقة إلى “حين”، أنّ مصر فعلا، خرجت ولم تعد، وأنّ من كنا نحفظ عنها وتغني لها الأمة من محيط شعوبها إلى خليجهم “مصر التي في خاطريّ”، قد انتهت إلى حقيقة وفجيعة مختزلها “مصر التي في خطر”، فلك الله يا مصرنا فلقد سقطت، فسقط بعدك ودونك كل العرب!

أسامة وحيد - الجزائر

أسامة وحيد - الجزائر

اقرأ أيضا