خلاصة رأي خبراء لـ”الأيام نيوز”: الجزائر دولة نفطية وليست نفطية

منذ البداية كان الضغط محموما، يدفع بشدة إلى ضرورة تبني أحد الخيارين الاستراتيجيين: النظام الاشتراكي أو النظام الرأسمالي، وكانت الحرب الباردة مستعرة بين القطبين، إلى حد أنها كادت تلتهب في جزيرة كوبا عند أقدام جغرافيا الولايات المتحدة الأمريكية، وكان كل محور يسعى خلال تلك المرحلة إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من الدول، وهكذا بات من الطبيعي أن يرفض الثوار في الجزائر ـ الذين حاربوا المنظومة الكولونيالية المتوحشة بكل مكوناتها تبني النهج الرأسمالي وتوابعه الاجتماعية، حفاظًا على علاقات متوازنة مع جميع الدول وخصوصًا الكبرى منها ـ وأن يتبنّوا ـ بالمقابل ـ خطابًا يستند إلى نهج عدم الانحياز، ولكن في الواقع كان الهوى الاشتراكي أقرب إلى الجزائر المستقلة حديثا، خاصة في الشق الإنساني – الاجتماعي، ذلك أن الوضع المزري الذي فرضته الظروف على المجتمع الجزائري غداة الاستقلال، كان يتطلب تأسيس دولة بمؤسسات تلعب دور الطبيب للملمة الجراح ودور الأم لاحتضان الآلام، ودور العائلة لجمع الشتات، ودور الدولة للدعم والمدد والسند.

وفي هذا السياق، جاء خيار مجانية التعليم وإجباريته، ومجانية الاستشفاء وعموميته، ودعم الأسعار وشموليته، كخيارات ذات طابع اجتماعي، لكنها كانت منهكة للخزينة العمومية، خاصة أمام شحّ المصادر التمويلية وندرتها خارج قطاع الغاز والبترول، وبالتالي ظلت النجاعة الاقتصادية للبلد تتأرجح بين الضعف والقوة، بتأرجح أسعار الخام في الأسواق الدولية.

صحيح، إن الجزائر تزخر بثروات طبيعية هائلة، لكنها كانت ـ على نحو ما ـ معطلة، أو بالأحرى غير مستغلّة تماما، بسبب القوانين السيادية للبلد، والتي لا تشجّع الشركات العالمية متعدّدة الجنسيات على دخول السوق الجزائرية، بمقابل ضغطها المتواصل حتى لا تتمكن الجزائر من الحصول على التكنولوجيات الحديثة، وحتى لا تستطيع استغلال ثرواتها بسواعد أبنائها، وهو شكل من أشكال الحصار الاقتصادي والضغط المستمر ـ غير المعلن ـ لحمل الجزائر على الخضوع للأمر المحتوم، وفتح الأبواب أمام الشركات العالمية الكبرى لاستنزاف ثروات البلد كما كان الشأن بالنسبة إلى كثير من الدول السائرة في طريق النمو.

رغم كل ذلك، وبقراءة بسيطة لأرقام الاقتصاد الجزائري، يمكن الوقوف على كثير من الإيجابيات رغم التحديات التي تفرضها متطلبات دولة بحجم قارة، ويبقى العِوَلُ الأكبر يحوم حول القطاع الفلاحي، والذي بدأ يثبت أحقيته بتبوؤ مركز القيادة لقاطرة الإقلاع الاقتصادي، إذ صار يمثل ما يقارب 15 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويشغل أكثر من 10 بالمائة من السكان، وهو القطاع الأكثر قابلية للتطور والنمو، وذلك بالنظر إلى مقدرات البلد الفلاحية، من تنوع التضاريس الجغرافية، إلى فسحة المساحات القابلة للزراعة، وكذا الثروة المائية الجوفية، وهذه كلها معطيات ذات بعد استراتيجي في بناء منظومة اقتصادية صلبة ومستقرة، محورها الزراعة والصناعة التحويلية، والتي يعتبر الكثير من الملاحظين أنها تحوز إمكانات بمقدورها تلبية الحاجات الغذائية لأكثر من 500 مليون نسمة.

لذلك يذهب بعض المختصين إلى وضع الجزائر ضمن قائمة الدول الزراعية – الصناعية بدل البترولية،  لا لشيء سوى لأنها تتوفر على قدرات فلاحية هائلة، تتجاوز كثيرا احتياطاتها البترولية في الوقت الراهن، إذا ما قورنت بالدول البترولية فعلا، مثل دول الخليج العربي، هذه الأخيرة التي تهيمن على أكثر من خمس احتياجات أسواق النفط العالمية بإنتاج قدره 18 مليون برميل يوميا، كما تشكّل احتياطاتها من النفط مجتمعة ـ السعودية، البحرين، قطر، سلطنة عمان، الإمارات والكويت ـ حوالي 510 مليار برميل، بنسبة 32.7 بالمائة من مجمل الاحتياطي العالمي المؤكد والبالغ 1.55 تريليون برميل.

وتعتبر السعودية صاحبة ثاني أكبر احتياطي مؤكد للنفط الخام بحسب بيانات وزارة الطاقة في المملكة، بأكثر من 270 مليار برميل، تشكّل نسبته قرابة 17.3 بالمائة من الاحتياطي العالمي، كما تُعتبر السعودية ثالث أكبر منتج للنفط الخام في العالم، بمعدل يومي قدره 10.2 ملايين برميل، بحسب بيانات “أوبك”، وأكبر مصدّر للخام عالميا بمتوسط 6.9 ملايين برميل يوميا، وتشكّل نسبة النفط السعودي قرابة 10.7 بالمائة من إجمالي الطلب اليومي على الخام عالميا، وترتفع إلى 13 بالمائة من إجمالي الطلب اليومي، عند الإنتاج وفق طاقتها القصوى.

وعلى الرغم من اعتبارها أكبر منتج للغاز الطبيعي في إفريقيا، لم تتجاوز الجزائر، 101 مليار متر مكعب، مقابل 177 مليار متر مكعب بالنسبة إلى قطر، كما كان إنتاج الجزائر من البترول قد انتهى إلى حدود 900 ألف برميل يوميا، بينما تجاوز إنتاج قطر سقف 1.800 ألف برميل يوميا، وهذا كله موجّه لإنماء بلد مساحته لا تتجاوز مساحة أصغر ولاية في الجزائر، وتعداد سكانه لا يتعدى عدد سكان بلدية الحراش، وهذا عامل آخر لا يمكن إغفاله في أية مقاربة ممكنة بين الوضع الاقتصادي في الجزائر ونظيره في دول الخليج العربي.

في الوقت الراهن، تسعى الدول الخليجية إلى تنفيذ خطط مرجعية لتطوير البنى التحتية والفضاءات الحياتية أكثر، ففي قطر أطلق مشروع “رؤية قطر الوطنية 2030″، وأما الكويت فأطلقت خطة “كويت جديدة 2034″، ثم “وثيقة نحن الإمارات 2031″ و”رؤية البحرين الاقتصاديّة 2030” و”مشروع عمان 2040″، بالإضافة إلى “رؤية السعودية 2030″، وهذه مخططات متوسطة وطويلة المدى لتغيير وجه الخليج العربي.

نحو إنهاء “عقدة” الريع النفطي

الجزائر، ورغم اختلال موازين الأرقام مقارنة بما هو محقّق في دول الخليج العربي، إلا أنها بدأت تخطو خطواتها الأولى في الاتجاه الصحيح من أجل التحرّر ـ جذريا ـ من التبعية المطلقة للمحروقات، فقد تمكنت من تصدير مواد مصنعة مثل الأسمدة المعدنية والكيميائية الأزوتية، الحديد والصلب، مواد كيميائية غير عضوية، مواد غذائية مصنّعة أو مكرّرة، مصنوعات معدنية، بالإضافة إلى منتوجات فلاحية دورية وموسمية تجاوزت في مجملها سقف 12 مليار دولار، وتعدّ هذه الأرقام مكسبًا مهمّا للبلد في ظل الانكماش الحاصل للميزانية العامة، وتآكل احتياطي العملة الأجنبية، بفعل تراجع وتذبذب أسعار النفط منذ سنوات.

وتعمل الحكومة على التخلص من “عقدة” الريع النفطي التي لازمتها منذ الاستقلال، وذلك ببلوغ نحو 20 مليار دولار ـ صادرات خارج المحروقات ـ كهدف رئيس وفق ما شدّد عليه الرئيس عبد المجيد تبون وأدرجه ضمن أولويات برنامج الإنعاش الاقتصادي، في مسعى للاستفادة من مزايا الانفتاح على السوق الإفريقية والدخول إلى المنطقة الإفريقية الحرة “كيغالي”، بالإضافة إلى انفتاح السياسة الاستثمارية على قطاعات منتجة خارج المحروقات، مثل الفلاحة التي تنتظرها تحديات كبرى وآفاق واعدة، وكذا قطاع السياحة الذي لا يزال خاما، إذ لم يجد السبل والوسائل الكفيلة باستغلاله كما يمكن ويجب، وهذه هي الرهانات الكبرى التي لا بدّ وأن تفوز بها الحكومة في المرحلة القادمة، وذلك من أجل اللحاق بركب الاقتصاديات الصاعدة.

وهذا ليس بالرهان السهل ولا بالتحدي اليسير، وإنما هي معركة أخرى منهكة للجهد والمال، تتطلب الكثير من الصبر والحنكة والاجتهاد، بداية بتطوير البنى التحتية المنجزة سابقا، وبعث مشروعات جديدة لتحديث الحركية الاقتصادية وتسهيلها، على طول مساحة التراب الوطني التي تقارب مساحة جزيرة العرب كلها بما فيها، بلاد اليمن وتخوم الشام والعراق، تضم 58 ولاية ـ مدن كبرى ـ و553 دائرة ـ مدن متوسطة ـ و1.541 بلدية ـ مدن صغيرة ـ علاوة على التجمعات الريفية والقرى والمداشر المتناثرة، بتعداد سكاني وطني يقارب الـ50 مليون نسمة، والتي تحتاج كلها إلى تنمية شاملة متوازنة ومستدامة، من موانئ ومطارات، إلى خطوط السكك الحديدية، الطرق السيارة والطرق الوطنية والولائية والبلدية، إلى وسائل النقل الحضري بالمدن الكبرى؛ ترامواي، ميترو الأنفاق، تيليفيريك..

هذا دون إغفال ثقل الميزانية المخصصة لتوفير الأمن على طول الحدود البحرية والبرية المترامية للبلد: 1.200 كلم على ساحل المتوسط، مع حساب الأخطار العدوانية المحدقة من قبل أعداء مجهولي الهوية والنسب، إضافة إلى محاربة الهجرات السرية والاتجار بالأسلحة والمخدرات، وتليها 965 كلم مع الجارة الشقيقة تونس وهي الحدود الأقل كلفة رغم نشاط الجماعات الإرهابية والمهربين، تليها أيضا 982 كلم مع الشقيقة ليبيا حيث غياب الدولة هناك، قد أثر بشكل كبير على الأمن والاستقرار الحدودي، والذي أصبحت أعباؤه كلها على عاتق الجزائر.

وتليها 956 كلم مع النيجر وحروب الرمال ضد الجماعات الإرهابية الناشطة في الساحل، وما هجوم تيغنتورين إلا أحد الأدلة الراسخة على الخطر الأحمر في هذه الجهة، وتليها 1.376 كلم مع مالي، حيث عشعش الإرهاب وباض وفرخ في أقاليم الشمال المحاذية لبرج باجي مختار، وتليها 463 كلم مع موريتانيا حيث كل الاحتمالات العدوانية واردة بما فيها استعمال الطيران المسيّر، تليها كذلك 42 كلم مع الجمهورية العربية الصحراوية المحتلة، وتليها 1.559 كلم مع المغرب، وهي حدود حرب غير معلنة رسميا على اعتبار أن الجارة الغربية تحتضن لديها ورم الكيان الصهيوني وتعمل على تنميته، ناهيك أن ـ هذه الجارة سيئة المعشر ـ  تقاتل كل يوم ـ ليس من أجل إنقاذ نفسها من الغرق الذي وقعت فيه ـ بل  من أجل أن تغرق الجزائر ـ ما أمكنها ذلك ـ بسموم المخدرات والمؤثرات العقلية، وفي كل الأحوال، فإن أكثر من 7.500 كلم تحتاج إلى اليقظة والانتباه، وإلى الميزانيات الكبيرة لصون حرمة الوطن والمحافظة على أمنه واستقراره. 

لا مجال للمقارنة..

الجزائر أكبر من أن تكون مجرّد دولة نفطية

حقّقت الجزائر في مجال المحروقات ـ ما بين جانفي ونهاية ماي 2023 ـ رقم أعمال ـ عند التصدير ـ بلغ 21 مليار دولار، كما حقّقت خلال الفترة ذاتها 8 اكتشافات جديدة للمحروقات ـ منها 7 اكتشافات بجهود أبنائها ومؤسساتها ـ فيما أبرمت عقود استكشاف وإنتاج عديدة وبرتوكولات اتفاق مع شركات عالمية، بما يعني أن الجزائر ـ وفق هذا المستوى من السرعة في تحقيق المكاسب ـ تسابق الزمن لتكون رقما في معادلة النفط العالمية، لكن، هل يمكن أن يصل هذا الطموح الجزائري إلى حدّ توقّع أن تتمّ مقارنة إنتاجها من الذهب الأسود ـ مستقبلا أو حاليا ـ مع دول الخليج العربي باعتبارها دولا منتجة للنفط أيضًا؟

بلغت إيرادات الجزائر من مبيعات النفط والغاز، خلال الأشهر الـ5 الأولى من العام الجاري (2023)، 21 مليار دولار، بزيادة 2%، خلال المدّة ذاتها من (2022)، ومن المتوقّع ارتفاع إنتاج شركة سوناطراك إلى نحو 200 مليون طن مكافئ بترول في العام الجاري، تصدّر منها أكثر من 92 مليون طن مكافئ، وفق تصريحات سابقة للرئيس المدير العام لمجمع «سوناطراك» توفيق حكار ـ الذي أُنهيت مهامه أمس الاثنين ـ وكان قد أكد على أن إنتاج الشركة في ارتفاع منذ 3 أعوام، إذ بلغت نسبة النمو خلال العام الماضي 4%، “ونتوقع ارتفاع الإنتاج هذا العام بنحو 3%”، كما توقع حكار أن تبقى أسعار النفط مرتفعة في العام الجاري، ما يضع الشركة في أريحية مالية لاستكمال مختلف المشاريع.

وفي هذا الإطار يرى مهتمون بالشأن الاقتصادي أن المستجدات الاستثنائية التي طرأت على الساحة الدولية، بكل تداعياتها على سوق الطاقة يُمكن للجهات الوصية في بلادنا أن تستغلها في اتجاه إيجابي سيساهم ـ بشكلٍ فعلي ـ في ترقية الاقتصاد الوطني بعيدًا عن منطق الريع، ما سيسمح بالرفع من المستوى المعيشي للمواطن وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة.

غير أن الحديث عن إيرادات النفط وربطها بالتنمية الاقتصادية، يقودنا إلى المقارنة بين الجزائر ودول الخليج باعتبارها دولا منتجة للنفط، إذ تُقدّر ثروة هذه الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي أهمها (السعودية، الكويت، الإمارات، قطر) بنحو 2 تريليون دولار، وتسهم هذه الدول بخُمس إمدادات النفط العالمية، وتمثل إيرادات النفط من 70 إلى 90 في المئة من الدخل العام في دول الخليج العربية، فهل تصح هذه المقارنة؟

ما الذي يجعل المقارنة صعبة؟

أحمد طرطار (خبير في الطاقة والاقتصاد)

يرى الخبير في الطاقة والاقتصاد ـ الدكتور أحمد طرطار ـ أن المقارنة بين الجزائر ودول الخليج ـ من حيث حجومات الإنتاج المختلفة ومدى تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستهدفة وكذا المستوى المعيشي للأفراد بين مجموع هذه الدول باعتبارها منتجة للنفط بشكل مباشر وتحتل مكانة مرموقة بين الدول الأعضاء في منظمة أوبك ـ تبدو مقارنة صعبة للغاية، وهذه الصعوبة تأتي على خلفية جملة من المعطيات التي تظهر على أرض الواقع.

وأوضح الدكتور طرطار في تصريح لـ«الأيام نيوز»: “أن دول الخليج ومنذ البداية كانت تشهد نوعا من الاستقرار، حين أخذت على عاتقها تبني النهج الرأسمالي، الأمر الذي أتاح لها فرصة الاستفادة من الاستثمارات الكبرى والموارد المالية التي تجسّدت لديها جراء طفرة بترولية سادت حينها وتحديدًا بالتزامن مع حرب أكتوبر 1973، وما أعقبها من تداعيات على سوق الطاقة العالمية، حين ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية، وقفز سعر البترول من حوالي نصف دولار للبرميل إلى 141 دولار آنذاك، وهو ما وظفته هذه الدول لصالحها واستفادت منه استفادةً قصوى، إذ عملت على تطوير مواردها وتنميتها، وتمكنت من تحقيق إقلاع اقتصادي رهيب جسّدت من خلاله تنمية مستدامة في كل مجالات ومناحي الحياة المختلفة، كما استفادت هذه الدول من تجربة التسويق وجلب الخبرات من الخارج وما إلى ذلك”.

وأردف قائلا: “كل هذه المعطيات لم تكن مُتاحة في الجزائر، التي انتهجت ـ مطلع ستينيات إلى سبعينيات القرن الماضي ـ نهجَا اشتراكيًا، أي أن الأمور كانت مختلفة جذريا بالمقارنة مع دول الخليج، وفي الحين ذاته وظّفت الجزائر مواردها آنذاك في استثمارات مختلفة، ونتحدث هنا عما سُمي حينها بالثورات الثلاث التي كانت في العهد الاشتراكي، والمتمثلة في: الثورة الصناعية، الثورة الزراعية والثورة الثقافية، فقد تمكنت بلادنا ـ وفق هذا المنحى ـ من تحقيق استثمارات ضخمة في المجال الصناعي، لكن التجربة في المجال الفلاحي لم تُعطِ ثمارها بل بالعكس أخّرت الجزائر كثيرًا نتيجة عدم استيعاب المواطن لفكرة البناء الاشتراكي من جهة وتفشّي ظاهرة البيروقراطية من جهة أخرى، بالإضافة إلى عدة إشكالات عرقلت مسألة التطبيق، الأمر الذي أدى إلى تأخر القطاع الفلاحي وبالموازاة مع ذلك تأخرت معه الكثير من القطاعات الأخرى بما فيها قطاع البنوك”.

في السياق ذاته، أشار الخبير في الطاقة، إلى أن الأزمة التي عصفت بالجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي ـ حتى مطلع الألفية الأولى ـ كانت أزمةً ماحقة أتت على الأخضر واليابس ودمّرت الكثير من البنى التحتية نتيجة الحرب التي خاضتها الجزائر ضد الجماعات الإرهابية التي مارست كل أشكال التخريب والتدمير المبرمج، وبالتالي شكّلت هذه المرحلة منعرجًا سلبيا، بالنظر إلى انعكاساتها الكارثية على البنى التحتية على غرار المدارس، المستشفيات، والطرقات، دون نسيان تأثيرها على المناطق الغابية، الأمر الذي فاقم من ظاهرة نزوح السكان من الأرياف نحو المدن، وكل ذلك شكّل عائقًا كبيرًا أمام تحقيق التنمية المستدامة الاجتماعية والاقتصادية وأخّر الجزائر في تلك العشرية حوالي خمسين سنة إلى الوراء في مجال تبني وتتويج مفهوم التنمية المستدامة، والملفت خلال هذه الحقبة أن بعض دول الخليج كانت وقتها تساهم ـ ولو بشكل غير مباشر ـ في تعقيد الوضع الجزائري.

وتابع طرطار: “ضمنيًا وبالعودة إلى المعطيات التي أشرنا إليها فلا يُمكن أن تصح المقارنة، ثم إن عملية الإقلاع التي تعرفها الجزائر في الوقت الراهن، من خلال البرامج التي كانت في العهد السابق على غرار مخطط الإنعاش، مخطط دعم النمو ومخطط 2009-2014، ومخطط 2015-2019، ساهمت إلى حدّ ما في دعم البنى التحتية لكنها لم تصل إلى مرحلة الكمال بحكم الرقعة الشاسعة التي تتربع عليها بلادنا، ضف إلى ذلك تأثيرات الحرب على الإرهاب والأزمة التي كانت قائمة آنذاك ومثّلت أبرز أسباب نفور الاستثمارات الأجنبية بسبب غياب الطمأنينة بالنسبة إلى المستثمر الأجنبي على اعتبار أنه صاحب رأس مال ولا يحبذ المناطق التي فيها إشكالات مرتبطة بالجوانب السياسية أو حتى الاجتماعية، والتي كانت تعاني منها بلادنا في وقت سابق”.

وفي ختام حديثه لـ«الأيام نيوز»، أبرز الخبير في الطاقة الدكتور أحمد طرطار، أن الجزائر خلال السنوات القليلة الأخيرة، تمكنت من تحقيق معدلات نمو معتبرة وصلت إلى تتويج بعض الأطر القاعدية سواء كانت طرقات، مطارات، سكك حديدية أو سدود وغيرها من المشاريع التنموية، وهي الآن في طور توسيع هذه التجربة والمضي قُدما نحو تحقيق تنمية اقتصادية اجتماعية مستدامة لاسيما من خلال ما تضمنه دستور 2020، الذي يدفع إلى تبني مفاهيم تنموية مختلفة ساهمت في انطلاق تجسيد فعلي لمخطط الإقلاع الاقتصادي وتحقيق تنويع اقتصادي مسّ كل القطاعات والميادين، وبالتالي، يمكن القول، إن هناك تفاؤلا كبيرا بتمكن بلادنا من الوصول إلى مرتبة عليا من البناء الاقتصادي والاجتماعي وتحقيق تنمية اقتصادية حقيقية ومستوى معيشي أفضل، خاصة من خلال البرنامج الذي جسّده رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون فيما يتعلق بحل مشاكل مناطق الظل.

ويمكن القول ـ يضيف المتحدّث ـ “أن الجزائر تسير بخطوات ثابتة في طريق واعدة من شأنها أن تصل من خلالها إلى تحقيق معدلات نمو مرتفعة، ومنه تحقيق تنمية اقتصادية اجتماعية مستدامة في المستقبل، وهكذا يكون بإمكانها منافسة دول بترولية أخرى كانت قد استفادت من استقرارها السياسي ومن تعاطيها مع الغرب والحصول على التكنولوجيا والدعم وغيرها من الامتيازات وهو الأمر الذي وسّع هذا الفارق بين دول الخليج والجزائر التي تحرص أن يكون تعاملها مع الغرب إيجابيا، وليس بشكل مندفع، على حساب القيم والهوية الوطنية”.

معايير محدّدة تجعلُ المقارنة “موضوعية”

محفوظ كاوبي (خبير ومستشار اقتصادي)

يرى الخبير والمستشار الاقتصادي الدكتور محفوظ كاوبي، أن المقارنة بين الجزائر ودول الخليج فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية والمستوى المعيشي للأفراد بهذه البلدان باعتبارها دُولاً منتجة ومصدرة للنفط لا بدّ أن يتم وفق معايير محدّدة، تأخذ بعين الاعتبار الناتج القومي الخام كمعيار أساسي يُبين مستوى اندماج أي اقتصاد ومستوى خلق القيمة فيه، أما غير ذلك، فإن التنمية الاقتصادية تعتمد على معايير أخرى، على غرار درجة مساهمة القطاعات الإنتاجية المهمة سواء كانت صناعة أو فلاحة والتي تُشكّل أساسًا مهمًا في الناتج القومي الخام لأي دولة، كما أن هذه المساهمات لها ـ وإلى حد بعيد ـ دور كبير في ضمان الأمن القومي لأي بلد سواء من ناحية الإمدادات بالصناعات الأساسية أو الصناعات التحويلية أو الصناعات الصيدلانية، بالإضافة إلى مساهمات القطاع الفلاحي في الناتج القومي الخام، وهو ما يبيّن مدى ومستوى ودرجة ضمان الأمن الغذائي لأي دولة في العالم.

وأوضح الدكتور كاوبي في تصريح لـ«الأيام نيوز»، أن المقارنة ـ وحتى تكون موضوعية ـ يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المعايير ذات الصبغة الاقتصادية، إضافةً إلى معايير أخرى مرتبطة بالتنمية الاجتماعية كمستوى التعليم، التغطية الصحية، مدى تمكين الساكنة من الحصول على المياه الصالحة للشرب وغيرها من المعايير التي تعتمدها المنظمات الاقتصادية والاجتماعية العالمية في إجراء تصنيفات أو مقارنات مماثلة.

المعيار رقم واحد: “خلق الثروة”

في السياق ذاته، أبرز المستشار الاقتصادي، أن الجزائر دولة منتجة ومصدرة للنفط كما هو الحال بالنسبة إلى دول الخليج، ولكن، ما ينبغي الإشارة إليه هو أن النمو الاقتصادي يعتمد بشكل أساسي على خلق الثروة وتحويلها وليس فقط على امتلاك الثروة الباطنية التي تزخر بها هذه الدول أو تلك، وهكذا فإن الثروة ـ بمفهومها الحقيقي الواسع – ليس فقط ثروة مالية يمكن تحصيلها عبر تصدير المحروقات لتتحوّل إلى قدرة شرائية يتمّ من خلالها سد حاجيات بلد معين، فالأمر الأساسي وفق المعايير الاقتصادية الحقيقية هو كيفية تحويل هذه الثروة إلى رأس مال، من خلال إرساء صناعات تحويلية لهذه الثروات الطبيعية في مجال البتروكيمياء أو الأسمدة أو غيرها من المجالات التي يُمكن أن تكون قاطرة للتنمية الاقتصادية الأصيلة.

كل هذا الكلام يعني، باختصار أن الرهان يكون على تحويل الثروة الطبيعية إلى رأس مال وليس فقط إلى قدرة شرائية وهو المعيار الأساسي الذي يؤخذ بعين الاعتبار، خلال الترتيب أو التصنيف، لكن، لا يؤخذ بصفة مطلقة من الناحية الاقتصادية بل بالرجوع إلى مستوى التنمية الذي ينعكس على مستوى الرفاهية لدى الأفراد، بمعنى أنها عملية تأتي بالمقارنة مع عدد سكان أي بلد ودرجة التنمية المستفادة منها في مختلف القطاعات التي تعتبر بمثابة المعايير الأكثر دلالة على درجة النمو الاقتصادي.

وفي هذا الشأن، قال كاوبي: “لا يمكن أن تكون المقارنة صحيحة إلا إذا كان هناك تصحيح للمعايير وتحديد أيضا لمحتوى هذه المعايير التي يجب أن تعكس التنمية الاقتصادية المبنية على عملية تحويل القدرات الطبيعية، عبر استثمارات مهمة لا تقتصر على تصدير هذه المواد في شكلها الخام بل تحوّلها إلى صناعات استخراجية وتحويلية سواء في المجال البيتروكيميائي أو في مجال المعادن، مع العمل على إعادة استثمار هذه الأموال في قطاعات اقتصادية واجتماعية أخرى وتنمية دائمة تضمن ـ من خلالها وبصفة نهائية ـ الانعتاق من عائدات هذه الثروات الباطنية”.

ولفت الخبير الاقتصادي، إلى أنه عند القيام بتصنيفات أو بمقاربة اقتصادية يجب أن نميّز بين المعايير المبنية على منطق الريع والتي تكتفي بإعطاء الأولوية لمستوى الثروات الباطنية أو حجم الصادرات الخام، بينما الثروة الحقيقية ـ على المستوى الاقتصادي ـ هي عملية إدماج وخلق ثروة من خلال تعظيم كل فوائد عوامل الإنتاج، إضافةً إلى الجهد البشري الذي يعتبر في كل التصنيفات الاقتصادية المعيار الأساسي، بالإضافة إلى طرق التنظيم وسياسات الحوكمة، وهما شرطان يمثلان معا، عاملاً هامًا من عوامل الإنتاج والرقي الاقتصادي.

هذا، وأشار المستشار والخبير الاقتصادي الدكتور محفوظ كاوبي، إلى أنه ـ وفي كل مقارنة من هذا النوع ـ يجب تحديد المفاهيم وإعطاء الأولوية ـ ليس للأرقام على المستوى المطلق ـ ولكن من خلال ربط الأرقام بعملية خلق الثروة وتنظيم الاقتصاد وإعطاء الأولوية للمقومات الاقتصادية المهمة والتي هي مرتبطة ـ أساسا ـ بقطاعات إنتاجية لا بد أن تكون في هذه الدول سواء في المجال الفلاحي أو الاقتصادي أو في المجال الطاقوي وغير ذلك.

وعليه فإن المقارنة لا يمكن أن تكون إلا من خلال تحديد المفاهيم وإعطاء محتوى حقيقي للمعايير التي يتم من خلالها مقارنة الجزائر سواء مع دول الخليج أو مع دول أخرى، مع العلم أن الدول الأوروبية التي لا تزخر بثروات باطنية كبيرة، تمتلك ـ بالمقابل ـ قدرات هائلة فيما يخصّ عملية الاندماج ثم التحويل وكذا عملية تنظيم الاقتصاد، وهي بالتالي، تحتل مراتب متقدمة في التصنيفات العالمية التي تجعل منها قوى اقتصادية بفضل عملها وليس فقط بمنطق الريع والثروات الموجودة بأراضي هذه الدول، وهذا بالضبط، ما تدركه الجزائر، وتسعى إلى تبنيه.

مقارنة موضوعية.. لكن بشروطّ

فارس هباش (خبير اقتصادي ودولي)

قال الخبير الاقتصادي والدولي البروفيسور فارس هباش: “إن المقارنة لن تكون سليمة وموضوعية إلا إذا كان هناك تماثل لشروط معينة ترتكز ـ حسب رأيي الخاص ـ على أربعة محاور رئيسية: المحور الأول يتعلق بالمساحة الإجمالية، والمحور الثاني يرتبط بعدد السكان أما المحور الثالث فيشمل الثروات أو المقومات الطاقوية التي تزخر بها الجزائر مقارنةً بدول الخليج، وأخيرًا المحور الرابع الذي يعتمد على التنوع في الثروات، وفي هذا الصدد، أوضح البروفيسور هباش في مساهمته التي خص بها «الأيام نيوز»، أنه ومن خلال اعتماد هذه المحاور يتضح جليا أن هناك تفاوتا بين الاقتصاد الجزائري ومعظم اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي، إذ يمكن تقسيم هذه الدول إلى ثلاث فئات رئيسة:

  • “الفئة الأولى”: تضم السعودية وربما هي الفئة الأكثر تقاربًا مع الجزائر من حيث المساحة ومن حيث عدد السكان كذلك، إذ تفوق مساحة السعودية 2.1 مليون كلم مربع، وهي قريبة جدا من مساحة الجزائر التي تقدر بـ2.38 مليون كلم مربع، في حين أن عدد السكان في السعودية يناهز الـ35 مليون نسمة وهو كذلك يقارب عدد سكان الجزائر الذي يناهز الـ45 مليون نسمة.

وعليه فإن هذين المؤشرين متقاربان جدا بين البلدين، ولكن بخصوص المحور الثالث المتعلق بالثروة الطاقوية فإننا نلاحظ أن هناك تفاوتا كبيرًا بين الثروة الطاقوية بالنسبة إلى الاقتصادين: السعودي والجزائري، على اعتبار أن إنتاج السعودية من النفط يفوق الـ10.5 مليون برميل يوميا في حين أن إنتاج الجزائر من النفط يقارب المليون برميل يوميا، وهذا الأمر يؤثر بشكل مباشر على الناتج المحلي الخام هنا وهناك، إذ يقارب أو يفوق في السعودية الألف مليار دولار في حين أن الناتج المحلي الخام في الجزائر وصل إلى 233 مليار دولار، وبالتالي نرى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الخام متفاوت جدا بين الاقتصادين الجزائري والسعودي بالنظر إلى ما تملكه السعودية من حجم وقيمة عالية في الثروة الطاقوية مقارنةً بالجزائر.

هذا التفاوت له تفسير واضح جدا، إذ يمكن مقارنة الاقتصاد الجزائري بالاقتصاد السعودي من ناحية التنوع في مصادر التنمية الاقتصادية، فالسعودية في السنوات الأخيرة تبنّت مقاربة اقتصادية ارتكزت على رؤية السعودية 2030، ما جعل اقتصادها يتجه نحو المزيد من التنوع من خلال الانفتاح على عدة مجالات بما فيها الصناعة، الزراعة، اقتصاد المعرفة والتكنولوجيات الحديثة، وبالتالي فإن الاقتصاد السعودي يُعتبر من الاقتصاديات التي يمكن ـ على الأرجح ـ أن تكون لها آفاق مستقبلية واعدة نتيجة امتلاك لثروة طاقوية هائلة جدا مضاف إليها التنوع الاقتصادي، وهكذا فإن الناتج المحلي الخام للسعودية مرشح للارتفاع بشكل كبير جدا في قادم السنوات”.

  • “الفئة الثانية”: تضم كل من قطر، الكويت والإمارات، التي يُقدر متوسط إنتاجها من النفط بحوالي 2.5 مليون برميل يوميا وهو بالتقريب ضعف الإنتاج الذي تحوزه الجزائر يوميا، في حين أن عدد سكان هذه الدول لا مجال لمقارنته مع عدد سكان الجزائر، فمثلا عدد سكان الكويت يصل إلى نحو 4.5 مليون نسمة، في حين عدد سكان الإمارات هو 9.6 مليون نسمة باحتساب عدد كبير جدا من العمالة قد يفوق ربما 7.5 مليون نسمة، الأمر الذي ينعكس بشكل كبير على مستوى رفاهية الفرد وعلى مستوى التنمية الاقتصادية بهذه الدول التي كذلك تحوز على مساحات يُمكن وصفها بالمجهرية مقارنةً بمساحة الجزائر البلد القارة، وعليه، فهذه الدول الثلاث لها ناتج محلي خام يفوق الناتج المحلي الخام للجزائر نتيجة الثروة الطاقوية.

وعندما نتحدث عن اقتصاد كل من دولتي الإمارات وقطر نجد أن هناك تنوعًا في اقتصادات هذه الدول خارج الطاقة، خاصة في مجال الخدمات على غرار شركات الطيران في هذين البلدين، دون نسيان مستوى السياحة في الإمارات، إضافةً إلى الانفتاح على النموذج الصناعي الحديث إذا ما تكلمنا عن دولة قطر، وعليه، ومن خلال هذه المؤشرات يتضح أن هناك تفاوتًا نسبيًا بين الجزائر وبين الفئة الثانية من دول الخليج، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على رفاهية الفرد وعلى نصيبه من الناتج المحلي الإجمالي.

  • “الفئة الثالثة”: تضم سلطنة عمان وباقي الدول، والتي لها حجم إنتاج أقل من النفط ولكن، بالمقابل لها عدد سكان قليل جدا ومساحة تكاد تكون مجهرية مقارنةً بالجزائر، الأمر الذي ينعكس مباشرة على نصيب الفرد وعلى مستوى ومؤشر التنمية الاقتصادية بهذه الدول.

وفي هذا الإطار، يرى الخبير في الاقتصاد، أنه من الصعب إجراء مقارنة مباشرة بين اقتصاد الجزائر واقتصاديات دول الخليج بصفة شاملة، كما أنه من الصعب جدا ـ أيضا ـ أن تكون المقارنة موضوعية إلا إذا تم الاعتماد والأخذ بعين الاعتبار المحاور الأربعة الرئيسية التي تمت الإشارة إليها والرجوع إلى تقسيم دول مجلس التعاون الخليجي إلى فئات، ومن ثم يمكن مقارنة الجزائر مع كل دولة على حدا أو مقارنتها مع كل من الفئات سالفة الذكر.

“تبني نموذج اقتصادي جزائري جديد”

في سياق ذي صلة، أبرز البروفيسور هباش، أن اقتصاد الجزائر هو اقتصاد خاص يعتمد على المحروقات بصفة كبيرة جدا ولكن خلال العامين الأخيرين، تم تبني نموذج اقتصادي جزائري جديد يعتمد على تنويع مصادر الدخل وتنويع النسيج الصناعي والزراعي والخدماتي، بالإضافة إلى تقوية ومواصلة الاستثمار في مجال الطاقة والغاز، وبالتالي، فإن الاقتصاد الوطني يتجه وبخطوات ثابتة نحو التنوع بصفة أكبر، هذا ما يفسر انتقال قيمة الصادرات خارج المحروقات إلى 7 مليار دولار نهاية 2022، وهي مرشحة إلى بلوغ 13 مليار دولار بنهاية العام الجاري.

في السياق ذاته، وفي مساهمته لفائدة «الأيام نيوز»، أشار الخبير الاقتصادي، إلى أن الجزائر، بلد قارة بمساحة جغرافية شاسعة تفوق 2.38 مليون كلم مربع، وبتنوع مناخي وجغرافي هائل، كما أنها تمتلك العديد من المقومات التي تسمح لها بأن تتميز وتكون لها الريادة في مجال الصناعة، خاصةً وأنها تزخر بالعديد من الثروات المعدنية، ومصادر الطاقة التي تعتبر مدخلات رئيسية في عدة مجالات وفي مقدمتها “الصناعة”.

زيادةً على ذلك تحوز الجزائر على أزيد من 8.9 مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة ومجمعات واسعة للصيد البحري، إضافةً إلى احتياط مائي يقدر بـ19 مليار متر مكعب من المياه بين سطحية وجوفية، وهذه المعطيات هي عبارة عن مقومات ومكامن قوة يمكن أن تعتمد عليها الجزائر في قادم الأعوام لخلق مزيد من التنوع الاقتصادي ولخلق مزيد من الثروة الخلاقة والرفع من معدل التنمية الاقتصادية والناتج المحلي الإجمالي وبالتالي رفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.

نماذج تنموية مُتباينة

عبد الرحمان هادف (مستشار في التنمية الاقتصادية)

يرى المستشار في التنمية الاقتصادية الدكتور عبد الرحمان هادف، أن المقارنة بين الجزائر ودول الخليج، من حيث كميات الإنتاج وحجم التنمية الاقتصادية وكذا المستوى المعيشي للأفراد في هذه الدول، باعتبارها جميعا دولا منتجة للنفط، مقارنة لا تصح، خاصة وأن الطرفين لديهما نماذج تنموية مختلفة.

وأوضح الدكتور هادف في تصريح لـ«الأيام نيوز»، أنه يمكن القول أن هناك نوعا من التقدم بالنسبة إلى دول الخليج من حيث نموذج الإنتاج وكذا النموذج التنموي، وحتى فيما يتعلق بالنموذج الاجتماعي، أما في الجزائر، فإننا بصدد بعث مشروع تحول اقتصادي يسمح بوضع أسس لنموذج تنموي يكون أكثر تنوعًا وأكثر استدامة، خاصة من خلال إعطاء مساهمة أكثر لبعض القطاعات الاقتصادية على غرار القطاعين الصناعي والفلاحي، كما نتحدث ـ اليوم ـ عن القطاع الخدماتي على غرار قطاع اقتصاد المعرفة وبالتالي، يبدو أن الجزائر ـ خلال هذه المرحلة ـ على مسار تحول، بينما دول الخليج فإنها تشهد مرحلة نضج اقتصادي.

في السياق ذاته، قال الخبير في الاقتصاد: “هناك أمر آخر مهم يجب أن نشير إليه وهو الاندماج الاقتصادي على مستوى دول الخليج، خاصةً في إطار مجلس التعاون الخليجي الذي يعتبر إطارًا مهمًا في التنمية الاقتصادية بمنطقة الشرق الأوسط، بينما الجزائر، اليوم، تعيش مرحلة إعادة إصلاح كل المنظومة الاقتصادية وتثمين كل المقومات، بما في ذلك جانب الإنتاج في مجال المحروقات أو في المجالات الأخرى كالمجال المنجمي أو السياحي وحتى الصناعي، وبالتالي، لا يمكن ـ اليوم ـ أن تقارن الجانبين، مع أنه يجب أن نأخذ الدروس والعبر مما تم إنجازه على مستوى منطقة الخليج، وبشكل خاص في مجال التكنولوجيات الرقمية وفي مجال عصرنة الإدارة وكذا التجارة الخارجية”.

هذا، وأكد المستشار في التنمية الاقتصادية الدكتور عبد الرحمان هادف، على أن الجزائر بإمكانها أن تحدث قفزة نوعية ـ خلال العامين أو الثلاثة أعوام القادمة ـ وتصبح لها مكانتها المرموقة، خاصة أن مشروع التحول الاقتصادي الذي تبنته يهدف أيضا إلى الانفتاح على الأسواق العالمية وتحقيق الاندماج الاقتصادي الإقليمي على مستوى الوطن العربي وكذا على مستوى القارة الإفريقية باعتبارها جزءً لا يتجزأ منها.

مقارنة مغلوطة

سعيد بغول (خبير طاقوي ومدير الاستكشافات السابق في شركة سوناطراك)

قال خبير الطاقة ومدير الاستكشافات السابق في شركة سوناطراك، سعيد بغول: “إن مقارنة الجزائر بدول الخليج من حيث تحقيقها للتنمية الاقتصادية انطلاقًا ممّا تحصل عليه من مداخيل النفط، هي مقارنة مغلوطة، بالنظر إلى جملة من الاعتبارات والعوامل، أهمها أن كمية النفط التي تبيعها الجزائر لا مجال لمقارنتها بحجم ما تبيعه دول الخليج على غرار السعودية والإمارات والكويت مثلا”.

وتابع الخبير بغول في تصريح سابق لـ «الأيام نيوز»: “تبلغ مبيعات الجزائر من البترول في 2022 أقل من مليون برميل يوميًا، في حين تبيع الإمارات والكويت حوالي 3 ملايين برميل يوميا لكّل منهما، أما السعودية فتبيع نحو 11 مليون برميل يوميا، ضف إلى ذلك التباين الكبير من حيث المساحة وتعداد السكان بين الجزائر وهذه الدول، كل هذه المؤشرات تؤكد أن مقارنة الجزائر بدول الخليج لا تصحّ أساسًا”.

وفي هذا السيّاق، أشار الخبير الطاقوي، إلى أن تطوير بلد بحجم الجزائر من حيث المساحة (2,381,740 كم²) وتعداد سكاني يتجاوز الـ45 مليون نسمة، بالاعتماد على مداخيل النفط ليس بالأمر الهيّن، عكس دول الخليج التي تتميز بمساحات صغيرة وتعداد سكاني قليل مقارنة بالجزائر، إذ لا تتجاوز مساحة قطر أو الإمارات على سبيل المثال مساحة محافظة جزائرية.

وفي ختام حديثه لـ«الأيام نيوز»، قال خبير الطاقة ومدير الاستكشافات السابق في شركة سوناطراك، سعيد بغول: “لو يجري بناء هذه المقارنة انطلاقًا من هذه المعطيات، أي ربط حجم المداخيل بمؤشر المساحة وحجم السكان، سيتضح جليًّا، أن الجزائر بلد ناجح مقارنة بهذه الدول، خاصّة أنها قطعت أشواطًا طويلة في تحقيق التنمية والارتقاء بالاقتصاد الجزائري إلى مصاف الدول المتطورة”.

الجزائر بلد غازي

سليمان ناصر (خبير ومحلل اقتصادي)

قال الخبير الاقتصادي الدكتور سليمان ناصر: “من الأصح أن نقول إن الجزائر بلد غازي وليس بلد نفطي، إذ تنتج الجزائر نحو مليون برميل يوميًا من النفط، فيما تنتج 152 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا، محتلة بذلك المرتبة الثالثة كأكبر مورد للغاز الطبيعي في العالم”.

وفي هذا الشأن، أوضح الدكتور ناصر في تصريح سابق لـ«الأيام نيوز»: “أن الإشكال الذي يُطرح حول هذه النقطة، يكمن في أن أغلب المتابعين وكذا خبراء الاقتصاد وحتى عامة الناس يهتمون بسوق النفط، بالنظر إلى أن معظم إنتاج النفط يُباع في الأسواق الحرة التي تخضع إلى قانون العرض والطلب، وبالتالي، فإن تذبذب الأسعار سواء من خلال تراجعها أو ارتفاعها إلى مستويات قياسية يكون له صدى مباشر ويحظى باهتمام أكبر”.

وتابع: “بينما يتم بيع معظم كميّات الغاز عن طريق عقود طويلة الأمد، تكون فيها الأسعار تفضيلية ولا تخضع إلى قانون العرض والطلب، ذلك أن الجزائر تصدّر نحو حوالي 50 مليار متر مكعب من الغاز، منها 12 مليار متر مكعب تُوّزع عن طريق البواخر (غاز مسال)، والكمية الأخرى التي تقارب نحو 40 مليار متر مكعب، يتم تصديرها عن طريق خطوط أنابيب تمتدّ من عمق الصحراء الجزائرية وصولاً إلى جنوب إيطاليا وإسبانيا.

وهذه الكمية الكبيرة لا تخضع إلى قانون العرض والطلب، أي لا توجد فيها المرونة الكافية التي تسمح بالارتفاع والتراجع المباشر للأسعار، كما هو الحال بالنسبة إلى النفط، وعليه نلاحظ أنه بالرغم من أن الكميات الكبيرة التي تنتجها الجزائر هي عبارة عن “غاز” يبقى الاهتمام الأكبر من نصيب “النفط” لأنه يُباع في السوق الحرة ويخضع لقانون العرض والطلب”.

في سياق متصل، قال الخبير في الاقتصاد: “إن الحديث عن الجزائر كبلد نفطي ومقارنته بدول نفطية أخرى على غرار دول الخليج (السعودية، الكويت، قطر، الإمارات)، يبقى أمرا غير منطقي، فمن غير المعقول المقارنة بين دولة تنتج نحو مليون برميل سنويا من النفط (الجزائر) وبتعداد سكاني يتجاوز الـ45 مليون نسمة، مع دولة أخرى تنتج نحو 3 ملايين برميل يوميًا وبتعداد سكاني لا يتجاوز 10 ملايين نسمة (الإمارات)، ومن الطبيعي جدّا أن يختلف المستوى المعيشي للأفراد في هذه الدول، بالنظر إلى التباين الكبير بينها فيما يتعلق بحجم مداخيل هذه الدول من النفط وعدد السكان من جهة وكذا المساحة من جهة أخرى، وبالتالي هذه المقارنة ليست في محلها”.

استثمارات وطموحات

جدير بالذكر، أن الشركة الوطنية سوناطراك قد حققت عدة اكتشافات لحقول جديدة وقامت بالتوقيع على اتفاقات شراكة وإطلاق مشاريع استثمارية مع شركات عالمية في سياق دولي يشهد طلبا متزايدا على المحروقات، فخلال الفترة الممتدة بين 2020 و2022، تم تسجيل ما لا يقل عن 35 اكتشافا جديدا للمحروقات، منها 34 اكتشافا من طرف سوناطراك وحدها، ومن بين هذه الاكتشافات النفطية، اكتشاف حقل بمحيط تقرت يقدّر بمليار برميل، ومحيط زملة العربي في حوض بركين، إضافة إلى اكتشاف الغاز المكثف في محيط حاسي الرمل بالأغواط.

ويتمثل هذا الاكتشاف الكبير في خزان Lias Carbonaté LD2 على مستوى محيط الاستغلال بحجم يتراوح بين 100 و340 مليار متر مكعب من الغاز المكثف، وهو ما يشكّل “واحدة من أكبر عمليات إعادة تقييم الاحتياطيات للسنوات العشرين الماضية”، هذا وقد حقّقت سوناطراك اكتشافا نفطيا هاما بحاسي إيلاتو بمنطقة السبع في ولاية أدرار، إذ يشير التقدير الأولي إلى حجم اكتشاف يفوق 150 مليون برميل، ويأتي هذا الاكتشاف بعد 28 عاما من آخر اكتشاف للنفط في رقعة السبع سنة 1994.

وقد أعلنت سوناطراك عن نجاحها في تقييم بئرين نفطيين، لاسيما بئر الاستكشاف في محيط العوابد، الواقع بولاية البيض على بعد حوالي 158 كلم غرب حاسي الرمل، وبئر ترسيم في محيط تقرت شرق 1 (شمال حقل حاسي مسعود)، كما سمحت اختبارات الإنتاج هذه بتأكيد حجم الاحتياطيات في حقل النفط الخام والغاز، وبفضل الاحتياطيات الكبيرة من الغاز الطبيعي والزيادة الأخيرة في حجم الإنتاج، تطمح الشركة الوطنية للمحروقات إلى أن تصبح “أحد أهم مصادر إمدادات الغاز في العالم”، ذلك أن الإنتاج الإجمالي للغاز الطبيعي يتجاوز حاليا 130 مليار متر مكعب، منها أكثر من 50 مليار متر مكعب مخصّصة للتصدير، في حين تقدّر قدرات التمييع بأكثر من 30 مليار م3/سنة مع وجود 4 مجمعات للتمييع.

وخصّصت سوناطراك ميزانية كبيرة للاستثمار بحلول عام 2026، بقيمة إجمالية تبلغ 40 مليار دولار، ويشمل هذا المبلغ، عدة استثمارات في مجالي الاستكشاف والإنتاج، بهدف زيادة الإنتاج على المدى القصير والمتوسط وإعداد مجموعة من المشاريع المستقبلية، خاصة في مجال الغاز الطبيعي، كما تعتزم سوناطراك، في إطار خطتها الاستثمارية، تخصيص أكثر من 7 مليارات دولار لمشاريع التكرير والبتروكيماء وتمييع الغاز، هذا وينبغي على سوناطراك ـ كما جاء في بيانات للشركة ـ أن تضطلع بدور رائد في مجال تطوير صناعة مستقبلية منخفضة الكربون، تكون قائمة على الهيدروجين الأخضر مثلا أو مستخدمة للطاقة الكهروضوئية، بحيث تشكّل مصادر الطاقة هذه محركا هاما للتنمية في الجزائر.

سهام سعدية سوماتي - الجزائر

سهام سعدية سوماتي - الجزائر

اقرأ أيضا