دراسة عراقية في شعر الأديب الجزائري “مالك حداد”.. الاغتراب اللغوي وطريق الحزن “المُقدّس” (الجزء الثاني)

تلتقي الرسالة الشعرية والرسالات السماوية في هدف جوهري هو “إسعاد الإنسان”، وتطهير قلبه بالحب لكل عناصر الحياة، وإحداث التعادلية بين جسده وروحه. وهذه الرسالة ينفرد بها الشاعر “الحقيقي” الذي يمتلك القدرة على توليد الأمل من عُمق المآسي والآلام البشريّة، ويُطِلّ على المستقبل من نافذة روحه فيرسمه في عيون الحاضر مزهرًا متعدّد الألوان مهما سيطر اللّون الرّمادي على مشهديات الحياة.

أدرك الشاعر والأديب الجزائري “مالك حداد” جوهر رسالته الشعرية، فأعلن حقده على أعداء الحياة في “وطن الإنسان”، ولكنه حقدٌ “عادل وعاقل”.. وراح يُبشّر بالمستقبل وبتعدّد الألوان، برغم الاستعمار الذي فرض على حياة الجزائريين لونًا واحدًا هو لون الحزن والبؤس والمأساة..

لقد أبدع الأديب والمترجم العراقي الدكتور “جليل كمال الدين” في قراءة “مالك حداد” من خلال شعره، ولامس جوهره الإنساني، لا سيما فيما يتعلّق بعناصر مثل: الحزن، الحياة، الثورة، الاغتراب.. ونعيد التأكيد على ما نشرناه في المقال السابق بأنّه من المُجدي أن نعرف كيف كان الشرق العربي يستقبل كتابات الأدباء الجزائريين خلال ثورة التحرير الوطني؟ وكيف كان يلامس الروح الثوريّة الجزائرية، ويتحسّس لظى النِّيران والآلام المخبوءة في كلمات ومعاني تلك الكتابات؟ إنّ مثل هذه المعرفة تُتيح لنا أن ندرك الآن كيف يستقبل الإنسان العربي كتابات الأدباء الفلسطينيين، وهل يتعامل معها باعتبارها نصوصًا إبداعيّة مثل أيّ نصوص عربيّة أخرى، أم أنّه يستشعر ما فيها من أوجاع وآلام ومآسي وروح ثورية.. ويختصّها باحترامٍ “استثنائيٍّ”؟ إنّ الأدب الذي يُكتب في وسط لهيب الحرب ومآسيها يجب أن “تُخترع” له “آداب” للتعامل معه!

ونحن نعيد قراءة الأديب الجزائري “مالك حداد” برؤية الأديب والمترجم العراقي الدكتور “جليل كمال الدين”، فإنّنا نعيد قراءة الأدب الثوري الجزائري بفكرٍ عربي ربّما لم تكن تتوّفر له المعلومات الكافية – آنذاك – عن الثورة الجزائريّة عمومًا، وعن أدبائها وشعرائها على الخصوص. وأيضًا، نحن أمام مثالٍ قيّم لاستكشاف قدرة نفاذ القارىء العربي إلى فكر ووجدان الإنسان العربي الواقع تحت الاستعمار، من خلال كتابات الأدباء، ونقصد الحالة الفلسطينيّة في ظروفها الرّاهنة.. وفيما يلي، نواصل القراءة في دراسة الدكتور “جليل كمال الدين” التي نشرها بالمجلة العراقية “الأقلام” في شهر ديسمبر 1976.

ينابيع حزن “مالك حداد”

يمكن أن نجمل ينابيع تعاسة وحزن الشاعر “مالك حداد” فيما يلي:

1 –  مأساة ذاته: منفيًّا عن أمّه الجزائر، ومنفيًّا مرة أخرى في لغته، فهو يتكلم الفرنسية.

2 – مأساة وطنه: الذي كان يرزح تحت نير الاستعمار الفرنسي، ويعاني من مجزرة ضخمة في الدماء، والطاقات، والثقافة، واللغة. فهو إذًا اغتراب كامل أراد المستعمرون فرضه على الجزائريين.

3 – مأساة الإنسان عامة: بابتلائه بالاستعمار واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان.

والحق أنّ معظم قصائد ديوان “الشّقاء في خطر” تتعاون عضويًّا ووظيفيًّا في تصوير المأساة، وتصوير التعاسة والشقاء. وميزة شعر “مالك حداد” أنّ قضية المحور تشعُّ في كل قصيدة، وأنّ وعيه يتخلّل كل القصائد، سواء الرومانتيكية منها أم الواقعية، أم التي زاوجت الاتجاهين.

“ماياكوفسكي” في مقدّمة “الشّقاء في خطر”

لقد فهم “مالك حداد” الإنسانَ فهمًا جيدا ووضع يده على السرّ، كما فعل الأديب الروسي “ماياكوفسكي” من قبل. وهذا ما تفطّن إليه الشاعر، فيقول “مالك حداد” في مقدّمته لديوان “الشّقاء في خطر”، مخاطبا الشاعر الجزائري عامة، الذي أهدى إليه شعره: “إنّ ماياكوفسكي هو الذي وضع يده على السر.. هو الذي أدرك الحقيقة. ولكنه كان وحيدا… وحيدا كجندي الحراسة… وحيدا كتحذير. كان وحيدا، منتصبا، مفجعا، مظفرا، يحزّ القلبَ مرآه. كان فضفاضا كحاشية رداء سابغ، لقد ألصق نفسه بزجاج النهار. أترانا نعلم في يوم من الأيام لماذا تحطّم ذلك الزجاج! وحينئذ تتساءل أنت: العدو! ما هو العدو إذًا؟ العدو رجل له ذراعان وساقان مثلك، ولكنه لا يؤمن بالربيع إلّا إذا وجده مسجَّلا في التّقويم. إنَّ كليّة الإنسان هذه لتتجسّد في علم، في برتقالة، في خريف دافئ كصدر امرأة حبيبة، في كل شباب العالم الذين يمدّون إليك يدهم حين تتحـرّر من شللها.

وكلية الإنسان هذه ستصل إليها عندما تنقِّب جميع زوايا شقائك. تجوَّل في الصحراء. افتح صحراءك على الحياة. اصنع منها خَلقا كوردة في الرمال. إنّك لتبدو نافذ الصبر، منقبضا، سيئا. وسوءك الواعي هو خير قدراتك… لأنّك لم تصبح بعد الإله الرحيم! وعندما تكون قد نقبّت جميع زوايا بؤسك، وسوئك، ستذكر (باعة العقاقير).. هؤلاء الرجال المساكين الأمجاد الباهتين.. الذين لا رسالة لهم إلّا توزيع (اللّزقات) النّاجعة. كن صيدليا، ليقتلك الضجر خلف زجاجات الدواء… هؤلاء الرجال المساكين ما أصغر مطامحهم! وما أقل مطالبهم! لذلك يجب الانتقام لهم. اجعل منهم سواقي، وبحيرات، وأنهارا.. اعبث بنجوم المجرّة.. كن بسيطا، ولطيفا.. إنّ أقصر طريق بين نقطتين ليس بالضرورة الطريق المستقيم. عندما يذهب جندي إلى القتال لا يجد ما يدعوه للنشيد.. احترم الأزهار ولا تضعها في بندقيتك. وإذا ألحّت عليك القيلولة ما بعد ظهيرة شديدة القيظ، فإنّي أتوسّل إليك أن تغفي في سفح جبل مُغطّى بالبنفسج”.

الواقعية المتناغمة مع الرومانتيكية

إنّ مثل هذا الكلام البسيط الذي يلتقط المغزى والجوهر في قضية الشعر، وقضية نضال الشاعر ومحض وجوده، قد فهمه، منذ زمن ماضي، “ماياكوفسكي” ذاته الذي يتخذه الشاعر مثالا، مثلما فهمه شعراءٌ مثل: إیلوار، أراغون، نيرودا، لوركا.. ولعل أقرب الأحكام إلى الصحة أن نقول بأنّ “مالك حداد” يتعاطف مع: ماياكوفسكي، لوركا، إيلوار، أراغون.. لا في المضمون فقط بل في الشكل أيضا (إن صحّ التعبير). فالطريق الذي يسلكه “مالك حداد” لنقل تجربته، نثرا أو شعرا، هو الواقعية المتناغمة مع الرومانتيكية. وقد فعل ذلك “ماياكوفسكي”، فلم يسلك الطريق المباشر، ولم يسلك الطريق المستقيم، أحيانا، وأثار ذلك عليه البيروقراطيين والشكليين والعقائديين الجامدين، وفعله “إيلوار” فاتُّهِم بالغموض، وفعله “أراغون” ودعّمه بمقالاته النقدية فلاقي عنتا. فالشعر الثوري ليس هو بتكرار الكلمات “الثورية” الضخمة، الحادة، الرهيبة. إنّ كل كلمة يمكن أن تكون ثورية الدلالة، إن أُحسِن استعمالها، ووُضعت في محلّها، في علاقة حيّة وترابط عضوي في القصيدة أو سواها.

الحياة هي التي تُملي الطريق

إنّ الأزهار والبنفسج والسّواقي والبحيرات والحب، والتعاسة، والمرأة، يمكن أن تسهم في عملية بناء الشعر الثوري، وفي ترصين وحدته العضوية. وليس ضروريا للشاعر، ولا للثوري، أن يكون صيدليا فليست النظرية سوى مرشد للعمل، وليست الكتب إلّا هادية، ولا يمكن لصفحاتها أن تجيب على كافة المسائل في كافة الأوقات وفي كافة الظروف. إنّ الحياة هي التي تملي الطريق، والحياة أوسع من الكتب – أيّة كُتب – وأوسع من أيّما وصفة، وعلى الفكر عامة أن يطوّر نفسه.. بتعامله مع الحياة ومع العصور المتلاحقة.

“ماياكوفسكي” أدرك كل هذا، مذ زمن بعيد، فأشاد بالحياة كمصدر للمعرفة، إضافة إلى الكتب والنظريات، وأهاب بالجميع للانطلاق ممّا تقتضيه المعركة، وفقا للظروف والزمان والمكان، وعدم الجمود على كتاب أو تعاليم. كما أنّ “ماياكوفسكي” عرف الحزن وعاناه، وعانى من التعاسة وصوَّرها بريشة ساخرة، وكان حربًا ضارية على البيروقراطية والدَّجل والشعوذة.

أنّي أحلم دائما بغدٍ كالأساطير..

وكان لـ “مالك حداد” أن يتفاءل، هو بدوره، في وقته.. تفاؤله الواعي المتقنع بشرعيته، من خلال عذابه وحزنه وهمومه: “إنّي واثق من الفرح.. سيكون الفرح جزائريا”. أو قوله: “عجبا… كيف يفتح الماضي المرعب أبوابا لغدٍ جميل! أنّي أحلم دائما بغدٍ كالأساطير”.

إنّ “مالك حداد” شاعر واقعي ذكي ومستبصر، وهو فنانٌ إنسانٌ بأكثر أبعاد الإنسانية جوهريّة وجذرية. فالشاعر يحبّ الأزهار، ويهيم بالجمال، ولكن إذا كانت “آلهة الحرب” والشُّرور تدنِّس هذه الزهور وتهين هذا الجمال، فينبغي للشاعر، الذي يتوجّب عليه أن يكون “في مستوى البشر” كما يقول “مالك حداد”، أن يهبّ ولكن هبّة شاعرية واعية مدافعا عن الأزهار وعن الجمال المَهين الطَّعين.

الشاعر صوتٌ فني خلاّق للحياة

والشاعر لا يعرف الحقد، وعليه أن يكون صوتا للحب الكبير، وهذا يعني أن يكون صوتا فنيًّا خلاّقا للحياة. ولكن قوى شرِّيرة تزرع الحقد زرعا، ولا يستطيع قلب الشاعر أن يظل بمعصم عن هذا الحقد، وإلّا لتعرَّضَت إنسانته، وحبه للحياة (وهو أهمّ ما يحرص عليه)، إلى أن توضَع تحت علامة استفهام. قال الشاعر العراقي “بدر شاكر السياب”، مرة، في إحدى قصائده الرائعة “بور سعيد”:

إنسانك العملاق ظِلُّ الإله

ظِلُّ الملايين التي مُقلتاه

عنها ترى ما في خيالٍ تــراه

هذا الذي أعصابها في قواه

أحيى دم الموتى، فخَّر الطغاة!

فليحرس الأحياءُ بابَ الحياة!

وليس للشاعر الواقعي، صوت الحياة، إلّا أن يكون نشيدا للأرض، وأن يضع كافة قواه، وكافة أبعاد وإمكانيات كلمة ورسالة وقضية الشعر والفكر عنده، في حراسة باب الحياة، في وجه أعداء الحياة.

أعداء الجزائر.. هم أعداء الإنسان

إنّ مأساة الشاعر ليس في نفيه عن وطنه (مكانا). وليس في نفيه عن شعبه (لغة) فحسب، بل في كونه أصبح يتجرّع غُصص الحقد الذي لا يريده، أصبح فريسةً للمرض العصبي الذي فُرض عليه. ولهذا الحقد جذور وأسباب تمتدّ من كون أعداء الجزائر.. هم أعداء الإنسان عامة. لقد كانت الفاشية الفرنسية.. تستخدم، فعلا، جنودا من مختلف جيش النازي أو “الحرس الأسود” على حدِّ قول الشاعر “لوركا”. وأكثر من ذلك، أنها كانت تتبع أساليب فاشية، بل كانت فاشية بلحمها ودمها، بدءا من إزهاق أرواح الأبرياء، إلى حرق المدن والقرى، إلى قتل الأطفال والنساء والعاجزين (قتلوا في 8 ماي 1945، خمسين ألف جزائري)، وانتهاء بالاستغلال الإمبريالي، وفرنسة الجزائر، وإعدام لغتها، ومحاولة إعدام هويّتها الوطنية والقومية والإنسانية. ولذلك فإنّ الشاعر “مالك حداد” كان يقول أنّه قد وُلد في الثامن ماي 1945.

حقدٌ عادل وعاقل..

ولذلك أيضا ينصح “مالك حداد” صديقه الشاعر الجزائري أن يكون إنسانا في حقده.. وأن يشخِّص الجوهر في المأساة، ويضع يده على بيت القصيد. إنّ حقد “مالك حداد” عادل وعاقل، إنسان له مبرّرات وجوده، كما ستكون لـه كل مبررات زواله، أو تطوّره نوعيًّا في ظروف أخرى.. إنّه لون من الحب، بل هو لغة الحب. فحب الجزائر، وحب الحياة.. وحب الإنسان، يعني أن يكون الشاعر حاقدا على أعداء الجزائر، أعداء الحياة.. أعداء الإنسان، وهم واحد: إنّه الاستعمار الفرنسي والاستعمار العالمي.

يقول “مالك حداد”: “لم يكن العسل ذنبا في يوم من الأيام.. إنّي لا أحبّ فلسفة النّحل النفعيّة. إنّي مع الزهور. فالزهور جميعها لذاتي. أعرفها يا إلهي! أعرف أسماءها… من زعفران الحقول إلى شوك الدّواب الذي هو أشد سوءا من قلب رأسمالي. أراني أنفث الحقد.. نعم.. إنّي لَأنفث الحقد… رغم أنّني كتبت يوما:

أنا..

الحقد يصدمني

ينفِّرُني كالابتذال

أنا مُحِبٌّ قبل كل شيء

ما من أحدٍ ينشر في الأرض أشرعة الطمأنينة!

ولقد رأى “مالك حداد”، مُحبّ الزهور، والحاقد العاقل في حقده، الإنسان في غضبه.. رأى جوهر المسألة، ووضع يده على السّر، كما وضع يده من قبل “ماياكوفسكي” و”لوركا”، كلٌّ بطريقته، وكلٌّ في زمنه وبوسائله. قال “لوركا”، مرة، في قصيدة “صرخة إلى روما” نفس هذه الحقيقة التي يقولها “مالك حداد”.. قال “لوركا”:

وكما تجرح التفاحَ برِقّة

مشارطُ جميلة من الفضّة

وكما تمزّق أناملُ المرجان الغيومَ الحاملة

في إهابها نواة النار

وردة مجروحة

وإبر تنفذ في العروق

عالم الأعداء والحب مُلفّـع بالــدود

سيتدفق فوقك

فالآن ما من أحد يهب الخبز والنبيذ

وما من أحد يزرع العشب في فم الموت

وما من أحد ينشر في الأرض

أشرعة الطمأنينة

لقد كان “لوركا” يحبّ، أيضا، صبايا إسبانيا ذوات البشرة النحاسيّة، والضفائر، والأرداف المكتنزة. وكان يحب القمر والفجر والموسيقى والأطفال وأنواع الزهور، إلّا أنّ الفاشية والطغيان حجب عنه كل هذا، فلا غرو أن يحقد “لوركا” على أعداء الإنسان والجمال والزهور، ولا غرو أن يمتلئ قلبه المرهف بألوان الحقد والثورة العارمة. فلقد كان حقده، كما سيكون حقد “مالك حداد”، وكل شعراء الإنسان الواعين، عادلا!

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا