دراسة عراقية في شعر الأديب الجزائري “مالك حداد”.. الاغتراب اللغوي وطريق الحزن “المُقدّس” (الجزء الثالث والأخير)

ونحن نعيد قراءة الأديب الجزائري “مالك حداد” برؤية الأديب والمترجم العراقي الدكتور “جليل كمال الدين”، فإنّنا نعيد قراءة الأدب الثوري الجزائري بفكرٍ عربي ربّما لم تكن تتوّفر له المعلومات الكافية – آنذاك – عن الثورة الجزائريّة عمومًا، وعن أدبائها وشعرائها على الخصوص. وأيضًا، نحن أمام مثالٍ قيّم لاستكشاف قدرة نفاذ القارىء العربي إلى فكر ووجدان الإنسان العربي الواقع تحت الاستعمار، من خلال كتابات الأدباء، ونقصد الحالة الفلسطينيّة في ظروفها الرّاهنة.

إنّ الأديب والمترجم العراقي الدكتور “جليل كمال الدين” لامس الجوهر الإنساني في الأديب الجزائري “مالك حدّاد”، لا سيما فيما يتعلّق بعناصر مثل: الحزن، الحياة، الثورة، الاغتراب.. فمعانيها تختلف جذريًّا عند الإنسان الواقع تحت الاستعمار، والإنسان الذي يحيا حياة طبيعيّة. ونعتقد بأنّ هذه الدراسة قد تفيد القارئ العربيَّ في فهم هذه العناصر وغيرها عندما يُمسك بين يديه بكتابٍ لأديب فلسطيني. وفيما يلي، نترك القارئ مع دراسة الدكتور “جليل كمال الدين” التي نشرها بالمجلة العراقية “الأقلام” في شهر ديسمبر 1976.

الحزن الإنساني الواعي.. ثوري بالضرورة

لقد تخطّى “مالك حداد” في هذه الرؤية الثاقبة لـ “الحقد” الأديبَ “ألبير كامو” – باعتباره مولودًا في الجزائر – الذي بصق على جوهر إنسانته يوم أدار ظهره لتربة الجزائر وصوتها العملاق. وكان “مالك حداد” يتألّم لذلك، فلم يكن يريد لنفسه أن يحتكر التغنّي بالعدالة، والانتصار للحياة، بل كان يريد أن يكون جيش أنصار الحياة ضخما بين الكتّاب والشعراء والفنانين.

إنّ الحزن الذي غنّاه “مالك حداد”، وغنّاه من قبل: ماياكوفسكي، لوركا، نيرودا، ناظم حكمت، وسواهم من شعراء الطليعة، هو حزن إنساني مفتوح العينين، ولست أريد أن أسمّيه بالحزن الثوري، ففي رأيي أنّ الحزن الإنساني الواعي يكون، بالضرورة، ثوريا، أعني أنّه لا يحجب التفاؤل ولا يخنق الإيمان بالنّصر، والثقة بالإنسان وقواه في معركته ضد قوى الشـرّ والطغيان.

الحزن الشعري الواقعي له أجنحة رومانتيكية

وكما سبق أن أشرنا، يشيع هذا الحزن مُعلنًا أنّ “الشقاء في خطر” في عموم قصائد الديوان، لأنّه لغته الرئيسية ونقطة انطلاقه. ولكنه يقوى، بشكل ملحوظ، في قصائد مثل: يجب أن نقتل الليل، المسير الطويل، الغريق، بعيدا عن القبر، على المنضدة، عندما تغش باقات الزهور، الجندي وخطيبته، الحمامة، سأهبك الشاطئ.

إنّ هذه القصائد تضع للحزن الشعري الواقعي أجنحةً رومانتيكية، ولكن لا تحجب عنه القلب الذكي، الذي يظلّ يعرف أبدا جوهر المسألة.. فإنّ “مالك حداد” حزين، لأنّ الاستعمار الفرنسي يستعمر وطنه الجزائر، ولأنّه منفي عن أمّه الجزائر، ولأنّه لا يستطيع الكلام بالعربية، ولأنه يرى الإمبريالية الفرنسية تضطهد حتى شعبها الفرنسي وتستعبده، ولأنّه يرى الحرية، في جوهرها، مسلوبة في كل من الجزائر وفرنسا، ولأنّه يرى الإنسان يُمسخ عواطفا وعقلا وروحا في الجزائر وفي فرنسا وفي البلدان المنكوبة بالاستعمار.

تشخيص الحزن بلغة الشّعر

وهكذا يشخِّص “مالك حداد”، بلغة الشعر وديالكتيك الحياة، جوهر المسألة، فالاستعمار الفرنسي هو سبب حزنه، فهو لا غيره الذي يستعمر بلاده، وهو نفسه الذي اضطرّه إلى أن يهاجر، وبسببه وبسبب نُظمه وسياسته المعادية للإنسان والثقافة، حرم “مالك” إمكانيةَ النُّطق باللغة العربية. وهذا الاستعمار نفسه هو الذي يضطهد الشعب الفرنسي والشغِّيلة الفرنسية. وبسببٍ من هذا الاستعمار وأضرابه تستمر عملية المسخ البشري، ويستمر الحزن، وتستمر التعاسة، ويستمر الشقاء..  لكن هذا “العصاب التاريخي” (كما يسمِّيه “مالك حداد” في دراسته: الأصفار تدور في حلقة مفرغة)، هذا الاستعمار يحتضر بفعل ضربات الشعب الجزائري..

وليس من طريق للشاعر والفنان ورجل الفكر، بل وللشعب عامة، والإنسان أينما كان، إلّا تقصير الطريق، واختصار عذابات البشر، والإسراع في إغماد الرُّمح في هذا التنّين البشع الذي يصِم الإنسانية المعاصرة بالعار.

“مالك” يُجدّد ولادته في الثامن ماي 1945

وميزة حزن “مالك حداد” شموليته، وذلك نابع من كونه واعيا، ومن كونه قد نشأ بشكل ديالكتيكي، وانطلق من الداخل، ولم يُضَف من الخارج. إنّ يوم الثامن ماي 1945 هو يوم الدماء والدموع ليس بالنسبة إلى الجزائر فحسب، بل بالنسبة إلى الإنسانية.. ومذ ذاك ارتفع صوت: غارودي، أراغون.. وسواهما من أحرار فرنسا والعالم، بالمطالبة بكسح العار في الجزائر. وفي ذلك اليوم كانت الإصابة بالدّوار مشتركة وعامة عند جميع ذوي الحسّ السليم. وفي ذلك اليوم أيضا، عرف الشاعر طريقه.. فقد وُلد ولادة طبيعية، وولد معه حزن الإنسان وثورته اللّاهبة، ورؤيته الشعرية الذكية:

لقد تعرَّفتُ نشيدي في صباح يوم ضاحك

كان حزينا متعبا

كان يتغنّى بالبنفسج

وهزَّت رأسَها ثمرة توتٍ موافقة

عندما أضعتُ رشدي

وانطلق نشيدي

لقد وجدتُ الصّواب

وحينئذ نادیتُ:

لقد انزلقَت الزجاجةُ في البحر

لترقص في ركنٍ كالحلم

إنّ من يصيبه الدُّوار

يعرف أنّ الصحراء

ينتابها جنونٌ غريب لترى نفسها

شاطئًا رمليا… نديّا..

حينئذ أطلقتُ صوتي

كان عليَّ أن أنادي

وكان نداؤه انعكاسا لصوت الإنسان وصوت الحياة مُتَّحدين

الآن.. أضع حدًّا للحيرة والضَّياع

وتبتدئ الإنسانية بين ذراعي

الآن يبتدئ تاريخي

وقد توحَّد في حزن “مالك حداد” الذاتُ والموضوع معا، فعدا عن حزنه المقيم لاغترابه ونفيه، ولكونه لا يعرف العربية، ولأنه يفقد الأصدقاءَ والرفاق شهداء في الحرب والمجزرة.. فإنّه ليحزن، كأيّ شاعر مرهف الحس، يوم تُغشّ باقات الزهور، وعندما تذبل الأزهار (قصيدة: عندما تُغشّ باقات الزهور)، وهو يحزن أيضا لغريق “يطفو في عُباب التيّار” ولم يكن شاهده سوى عصفور وحيد:

الغريق يطفو في عباب التيار

ناسجا من شعره سيقان الغرب

لحلم يمضي

وهناك

يقف العصفور وحيدا

ينقل روحه

إلى ركن حالم

حيث يستطيع الغرقى مثله الغناء

نفايات الأدب والأبواق الصّدئة

واستبدّ به الحزن أيضا، حين يجد نفسه وحيدا بدونها، بدون الحبيبة أو الصديقة، فيما تنتصب أمامه منضدة بلهاء ومصباح أحمر وصورة جانبية تذكِّره بها، وقدح يصدّ به حزنه (قصيدة على المنضدة).. إنّه يحزن أيضا للبغاء الفكري الذي تمارسه قوى الشّر، فيما يقوم “موظف الجمارك بعمله” وكأن لم يحدث شيء:

يا للبغي… على الورق الأنيق!

إنّي أحذِّرك يا صديقتي..

إنّ التاريخ سيُلقي

في قاذورات النِّسيان

بنفايات الأدب

وبالأبواق الصدئة

عاشق النّسمة الوادعة اختار العاصفة

وبمثل هذا نفهم أنّ حزن الشاعر هو حزنٌ يتمتّع بسعة أفقٍ، وبإنسانية رهيفة. فحزنه سيكون كاذبا لو ادّعى أنّ حزنه مقتصر أو منطلق بسبب الحرب في الجزائر وتقتيل الشهداء.. ثمة مصادر أخرى للحزن لا يجهلها الشاعر، وهي تعرف طريقها إلى قلب الشاعر المُرهف. ومثل هذا نراه أيضا في تعاطف الشاعر مع الطبيعة كأيّ رومانتيكي (ولكن بقلب غير عليل) حين يسمع تَمتمة الزهرة والعندليب، مطالبين بالمروج والغابة، بل إنّه ليطالب بالبسمة للصورة، والقُبلات لكلمة (أحبّك)، كي تنضحا بالحياة.

ويمتدّ هذا الحزن بعدالة، ليكتسب وجهه الإنساني بعدًا آخر.. “إنّ عاشق النّسمة الوادعة قد اختار العاصفة”، ولم يكن له سوى هذا الطريق، طريق الشعر الحقيقي: “لقد اخترت الابتسامة لأطِّهر بكائي من عذاب الأحزان التي يفرضونها عليّ، لأجعل الشقاء يطفو أخيرًا على صفحة تيارٍ.. تيّار يجري. وعلينا أن نخوض عبابه حتى النهاية”.

أوّل من ترجم شعر “مالك حداد”

ما سبق كان دراسة الأديب والمترجم العراقي الدكتور “جليل كمال الدين” لشعر الأديب الجزائري “مالك حدّاد”، ومن المُجدي أن نعرف كيف لاقى ذلك الشعر انتشاره في البلدان العربية؟ إنّ أول من ترجم شعر الأديب الجزائري “مالك حداد” هي الأديبة السورية الدكتورة “ملك أبيض العيسى” زوجة الشاعر الكبير “سليمان العيسى” الذي تغنّى بالثورة الجزائريّة وكتب عنها الكثير من القصائد، وأصدر ديوانه “صلاة لأرض الثورة”.

قالت “ملك أبيض”: “يسعدني – أنا وزوجي الشاعر سليمان العيسى- أن نكون من الأوائل الذين عملوا في تعريب ذلك الأدب (الأدب المكتوب باللغة الفرنسية). فقد ترجمنا ديوان (الشقاء في خطر) لمالك حداد، ورواية (نجمة) ومسرحيتَي: (الجثة المطوقة)، (الأجداد يزدادون ضراوة) لكاتب ياسين”.

“يسعدني – أنا وزوجي الشاعر سليمان العيسى- أن نكون من الأوائل الذين عملوا في تعريب ذلك الأدب (الأدب المكتوب باللغة الفرنسية). فقد ترجمنا ديوان (الشقاء في خطر) لمالك حداد، ورواية (نجمة) ومسرحيتَي: (الجثة المطوقة)، (الأجداد يزدادون ضراوة) لكاتب ياسين”.

وحول “قرار” ترجمة أعمال من الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، قالت “ملك أبيض”: “في تقديمي لديوان سليمان العيسى (صلاة لأرض الثورة)، ذكرتُ أنَّ وراء اتخاذ القرار ببدء هذه الترجمة كانت زيارة الروائي والشاعر الجزائري مالك حداد عام 1961 إلى سورية لاطلاع الأشقّاء السوريين على أوضاع الثورة الجزائرية وحاجتها إلى دعمهم المادي والمعنوي، قلت: لقد التقى مالك حداد أبناءَ الإقليم الشمالي في دمشق وحلب، وتحدَّث إليهم عن المعجزة الجزائرية، وعن دور الأدباء الشُبّان فيها. فكان إخوانه – وجلّهم لا يجيد الفرنسية – يصفون إليه بكل جوارحهم.. كانوا يقرؤون كلماته في عبارات وجهه، ويقاطعونه بالتصفيق والهتاف؛ فلا يملك إلّا أن تخضّل عيناه بالدموع، ويعلق قائلا: إنّ مأساتي تتجلى لي الآن بشكل أعمق. إنّي أقف بينكم عييًّا لا أعرف كيف نتفاهم..

ويعتذر “مالك” لصديقه: لا تلمني يا صديقي إذا لم يطربك نشيدي. لقد شاء لي الاستعمار أن أحمل اللَّكنة في لساني.. أن أكون معقود اللسان… لو كنت أعرف الغناء لتكلَّمتُ العربية. ثم يقرأ من ديوان صغير، كان يحمله، أبياتًا مؤثِّرة تتحدثُ عن معنى خسرانه اللغة العربية: أبي يا أبي. لماذا حرمتني تلك الموسيقى المنسوجة من لحمي ودمي؟”.

وقالت “ملك أبيض”: “أما أنا فقد انطلقت من هذا اللقاء إلى ترجمة الديوان الصغير الذي أهدانا إياه مالك حداد وهو بعنوان (الشقاء في خطر)، وكانت تلك بداية عملي في ترجمة نصوص من الأدب الجزائري إلى اللغة العربية. لقد شدّني إلى هذا الأدب أنه أدب ملتزم”.

هناك كتّابٌ آخرون ترجموا ديوان “الشقاء في خطر”، ومنهم من ترجم بعض قصائد “مالك حدّاد” ونشرها في المجلاّت العربية، منهم الأديب “عبد الحميد بن هدوقة” الذي ترجم مجموعة قصائد من ديوان “الشقاء في خطر”، ونشرها تحت عنوان “قصائد جزائرية”. وقد اخترنا من القصائد نفسها التي ترجمها “ابن هدوقة”، ونشرها في ديسمبر 1992، ولكن من ترجمة “ملك أبيض” نشرتها تحت عنوان “أغنيات لمجد الجزائر” بمجلة “الآداب البيروتية” في شهر أوت 1961، أي العام الذي التقت هي وزوجها بالأديب “مالك حداد” في سوريا.

سأسمِّيها

وإذا كنت أحيا الآن

فإنّي أحيا للعاصفة

أغنِّي لك أنت

عندما يزدحم شارع “سان ميشيل” بالأقدام

رائحة غادية

فأنِّي أرثي لأصابع قدمي

أين منها طريقها الذي تحنّ إليه

طريقها الذي حرِّم عليه ضوء النهار

طريقها حيث يحمي القمر الشّاحبُ الثوّارَ

وإنّه لعلى صواب

……

ما أغبى “باريس” حين تعتقد أنّ وجودها يبرِّر كل شيء

أنِّي أَبسم للهررة وهي تضطهد الفئران

إنّي لأحذِّر الهررة كما أحذِّر الفئران

إنّي لأعشق تلك اللحظة التي تهبني الحياة

سأسمّي تلك اللحظة

أُصغوا إذًا! سُدُّوا آذانكم جيدا

وافتحوا قلوبكم على مصراعيها

سأسمِّيها: رفاقي الذين سأعانقهم عن قريب

سأسمِّيها: داري حيث تنتظرني أمِّي بصبر نافذ

سأسمِّيها: رفيقة القيثارات المُحطَّمة

سأسمِّيها: الجزائر

لقد تغنَّيت بهذا الاسم عندما ولّى الشتاء

لم أبدع شيئا إلّا أسلوب حياتي

إنّه شعوري الكامل المُترَع باليقين

إليك يا بلادي سنجتاز الحصى البيضاء في كل قاع

إلى المخاضة سنعبر أنهار الظلام

إلى المخاضة.. أتسمعينني جيدا؟

على الشاطئ

ستجد المياه الغريقة

السبَّاحين المُنقذين

بعيدا عن القبر

جئتُ كالإعصار

وقطرةً قطرةً أعود

كلَّما سرتُ أراني ابتعد

مبرِّرًا حياة الأغبياء

يموت من يحيا

….

شاعر هنا

وشاعر هناك

من البلاهة أنه يموت الإنسان

بعيدا عن قبره كل هذا البُعد!

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا