رسائل من مُخيّمات اللاّجئين الفلسطينيين في لبنان.. هذه فلسطين يا أبنائي.. لَوِّن القدس

اختُتِمت فعاليات ورشة “لوّن القدس” تحت شعار “هذه فلسطين يا أبنائي” التي شهِدتْ نشاطاتها، شهر جويلية الجاري”، كل مُخيّمات اللاّجئين الفلسطينيين في لبنان. وقد أعدّت “ياسمينة عكّا” الشاعرة الفلسطينية “نهى عودة” ورقةً خاصةً إلى قُرّاء “الأيام نيوز” حول هذه الورشة.

هي ليست مُجرّد ألوان ولا صُوَر عابرة، بل أنامل وقلوب وعيون ترسمُ الذَّاكرةَ المُتّقِدة بوعي المعاناة وأمل العودة إلى الأرض التي ترحل إليها القلوب والعيون كل يوم.. قُدْسُ الأقداس وفلسطين الوطن.

لم تكُن ألوانًا بين أيدي أطفالنا وأشبالنا وزهراتنا.. إنّما كُنّا نُراقب العيونَ التي انعكست فيها صورة فلسطين، وصورة القدس.. كُنّا نحرص على الغناء لهُما، وأن نتمرّد على قهر اللُّجوء بين طيّات أمل العودة التي ستحدث يومًا ما رغم أنف الاحتلال.

هي القُدْس، نعلم كيف نُسافر إليها بالحنين. نعلم كيف نستحضِرُها في مخيّماتنا رغم المسافة القريبة البعيدة. نعلم كيف نقول بصوت عالٍ: يا أنتم.. أيّها الظّالمون المُستبِدّون الغاصبون فلتقرؤوا إصرارَ أطفالنا، فلترحلوا.. ليس لكم مأوى في بلادنا، ولتعلموا أنّنا أبناءُ التّراب الفلسطيني وانتماؤنا إليه فطرةٌ نتوارثُها أينما كُنّا على خرائط اللّجوء إلى أن يأتي موعدُ عودتنا إلى أحضان أمّنا فلسطين.

هذه الرّسالة التي قالَها الكلامُ، عَبّرَ عنها الأطفالُ بالألوان في الفعاليّة الفنيّة “لوّن القدس” التي جابتْ أرجاءَ المُخيّمات والتّجمُّعات الفلسطينية امتدادًا من جنوب لبنان حتى شماله، وذلك تحت شعار “هذه فلسطين يا أبنائي”. انطلقت الورشة الأولى لفعالية “لوّن القدس” من “مُخيّم الصّمود” (عين الحلوة) في الخامس من هذا الشّهر، ثم تنقّلت إلى مُخيّمات: المية ومية، شعبة صيدا، شعبة إقليم الخروب، البرج الشمالي، الرشيدية، الجليل. وكان ختام فعاليّة “لوّن القُدس” بورشة “مُخيّم البداوي” في العشرين من شهر جويلية لهذا العام.

01

استهدفتْ “لوّن القُدس” أطفالَ مُخيّمات اللاّجئين الفلسطينيين من الفئة العُمْرية 10 إلى 16 سنة. وكان تنظيمها من طرف المكتب الحركي للأدباء والشعراء في منطقة “صيْدا” مُمَثلاً بأمينة السر “ياسمينة عكا” الشّاعرة “نهى عودة”، بالتعاون مع كرسي الألكسو في خدمة الطفولة الذي يرأسه المصري الدكتور “إيهاب القسطاوي”، والجمعية الفلسطينية لثقافة وفنون الطفل التي يرأسها الفنان الفلسطيني “سميح أبو زاكية” الذي كان حاضرا بلوحاته ورسوماته المُبهرة، وتحت رعاية سفير دولة فلسطين في لبنان “أشرف دبور” الذي لم يتوانَ يومًا عن خدمة قضيته وخدمة أبناء شعبه.

وقد كان التّعاون شاملاً ومُثمرًا بين أُمناء سِرّ منظمة التحرير الفلسطينية وحركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح” في المناطق اللبنانية، وبين القائمين على هذا الواجب الوطني بدءًا بالدكتور “إيهاب القسطاوي”، الأستاذ “زيد فاعور”، الأستاذة “نهى عودة”، الأستاذة “فرح العطار” عُضو مجلس إدارة كرسي الألكسو لخدمة الطفولة في لبنان، والصديقة “بتول مرتضى”.

ورشات فعالية “لوّن القُدس” عَبْر المخيّمات الفلسطينية في لبنان سمحت لنا أن نرى القدس في عيون أبناء شعبنا وفي عيون وقلب وقلم الفنان الفلسطيني “سميح أبو زاكية” وأعماله الفنيّة الإبداعية، حيث قام برسم “القدس” في رسوماتٍ جمعتْ بين الاحترافية والجمالية، رافقتها كلماتٌ تُنَمِّي شعورَ الأطفال وشعورنا نحن أيضًا، فقد امتزجتْ فلسطينُ بمخيّمات اللجوء فكُنَّا نبضًا واحدًا وانتماء صادقًا.. وكان الصّوتُ يأتي من “القُدس” ويقول من هناك: هذه فلسطين يا أبنائي، فنقول نحن من مخيّمات اللجوء في لبنان: حيّ على الحُبّ.. ونُكَبّر ليعلو صوت القلب، ونُلوّن فيُزْهِر الياسمينُ بين أصابع الأشبال والزهرات وكل أطفالنا في المخيّمات.

04

في سياق مُداخلات المُشاركين في ورشات “لوّن القدس”، قال الدكتور رئيس كرسي الألكسو في خدمة الطفولة “إيهاب القسطاوي”: “أطفال فلسطين يستحقُّون كل الدّعم والمساندة في ظلّ ما يُحقّقونه من إبداعات وإنجازات، رغم الحصار والاحتلال والتّضييق وحرمانهم من حقوقهم كافة، وهو ما يتطلّب من الجميع دوليًا وعربيًا وفلسطينيًا العملَ لحمايتهم”. ودعا كل المنظمات الإقليميّة والدوليّة، وفي مُقدّمتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف”، إلى التحرّك بشْكل عاجل وقويّ لإجبار الكيان الصهيوني على وضع حدّ لانتهاكاته المتواصلة ضدّ أطفال فلسطين، والعمل على اتّخاذ الإجراءات اللاّزمة لإجهاض مشروع القانون الذي يُجيزُ محاكمةَ الأطفال الفلسطينيين دون سن 14 مثل البالغين، وتجريمه دوليًّا.

طالب “القسطاوي” من الأطفال أن يكون كلامهم في المناسبات وفي كل اللحظات عن فلسطين وعن جمالها، وأن يتحدّثوا باللهجة الفلسطينية، وقال لهم: “أقفُ بينكم، أشعرُ أنني بالقرب من فلسطين الحلم، فلسطين الهوية، فلسطين القضية. فعليكم أن تعلموا يا أبنائي أن جواز سفرنا جميعًا إلى فلسطين من خلالكم، فدعوني استشهد بما قاله الرئيس الشهيد ياسر عرفات: (سيأتي يوم وسيرفع شبلٌ من أشبالنا راية فلسطين)، وأنا أرى أن تلك المقولة قريبة وأرى فيكم جميعًا من سيحمل راية فلسطين قريبًا، كما أرى أنّ المبادرة القادمة ستكون في رحاب القدس الشريف عاصمة دولة فلسطين”.

لقد اجتمعنا على حبّ فلسطين، وعلى إيماننا المُطلق بالعودة إلى أحضان وطننا الذي نعشقُه.. وثورتنا مُستمرّةٌ بالكلمة واللّون واللّحْن الموسيقي.. حتى النصر بإذن الله. وفعاليّة “لوّن القدس” هي واحدةٌ من فعاليات كثيرة ومُستمرّة مُوجّهة إلى أطفالنا الفلسطينيين في مخيّمات اللّجوء، تهدفُ إلى ترسيخ الهويّة الفلسطينية في وجدانهم وإبقائهم في تواصل دائم مع “القدس” وإشباعهم بكل عناصر التاريخ والتّراث الفلسطيني بالكلمة واللّون والموسيقى والحكايات وغيرها من العناصر، ليكون حُلمهم المُشترك الأوْحد هو العودة إلى فلسطين الأرض والأم والوطن.

03

ورشةٌ لَوْنِيّةٌ مُسافرةٌ في كل الدّنيا

“لوّن القدس” ورْشةٌ فنيّة تفاعليّة فلسطينية مُوجّهة إلى الأطفال من 6 إلى 16 سنة، “سافرت” إلى أقطار عربية كثيرة وكانت ضمن برامج فعالياتها الثقافية والفنيّة. كما أنها كانت نشاطًا مُميّزا احتضنته مختلفُ المُدن الفلسطينية. وآخر نشاط لورشة “لوّن القدس” كان في مُخيّمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ولكنه سيظلُّ نشاطًا مُستمرًا ومتواصلاً في كل البلدان التي تناصر القضيّة الفلسطينية وتنتصر للشعب الفلسطيني وتناهض كل أشكال التّهويد التي يُمارسها الكيان الصهيوني في القدس وكل فلسطين.

ورشة “لوّن القدس” أبدعَها الفنان الفلسطيني “سميح أبو زاكية” من أجل “الأطفال في فلسطين والعالم العربي كمشاركة رمزية منهم في التّضامن مع القدس العاصمة الفلسطينية، وللتّعبير عن حبّهم لمدينة السلام، وكذلك للاحتفاء بالقدس عاصمة الثقافة العربية والإسلامية وعاصمة الشباب”. وهي ورشةٌ تستهدف، بالدّرجة الأولى، أطفالَ المخيّمات الصّيفيّة في فلسطين، والأطفال في كل مكان من العالم.

قال الفنان الفلسطيني “سميح أبو زاكية”: “الورشة الفنية (لوّن القدس) هي من الأفكار الفنية البسيطة والعميقة والتي تعمل على تشجيع الأطفال وبشكل تفاعلي للتعبير بالفنون عن حُبّ القدس مدينة السلام التي نعشقها جميعًا، وكذلك تُحقّق الهدف الخاص للمُخيّمات الصيفية بإتاحة الفرصة للأطفال في المشاركة وتُعزز أهمية القدس في وجدان الأطفال في فلسطين والعالم العربي”.

06

وحول نسبة الورشة إلى “القدس”، قال الفنان “أبو زاكية”: “لأن القدس هي مدينة المحبّة والسلام والإخاء والصفاء، والقدس هي الزهرة التي يفوح منها عطر وأريج المحبّة، وهي عروس المُدن وأجملها، والقدس مدينة فلسطينية عربية تَعشقُ فيها كل شيء: حجارتها، شوارعها، أزقّتها، أبوابها، قِبابها، أسْوارها، هواءها، مآذنها، أجراس كنائسها. والقدس رمز نضالنا وأساس حريتنا، ورمز وحدتنا وأساس وجودنا، والقدس جوهرة وجوهر القضية، وبدون القدس لا مستقبل لنا، وبدون القدس لا سلام، فمنها نستمدُّ الحياةَ والمستقبل والحرية والسلام “.

تقوم فكرة الورشة حول مسابقة في الرّسم بين الأطفال موضوعُها “القدس”، وتعتمد على عناصر أساسية لإنجاز الرّسومات وترجمة بعض العبارات حول “القدس” في تلوين الصُوَر. و”قبل البدء في الورشة يمكن أعطاء معلومات عامة عن القدس وأسوار القدس وأبواب المدينة المقدسة، بالإضافة إلى شرح عن مكانة هذه المدينة المقدسة باعتبارها عاصمة الدولة الفلسطينية ومدينة السلام وعاصمة دائمة للثقافة العربية والإسلامية”. وأمّا في نهاية الورشة “يُمكن عمل معرض صغير بعد الانتهاء من التلوين وتوزيع جوائز على أفضل الرسومات من الأطفال الذين أبْدعوا في التّلوين”.

10

زَوارِيبُ المُخيَّمِ

اختارت الأديبة “نهى عودة” هذه القصّة من كتابها “غصن وبندقية” وهو آخر إصداراتها، تروي فيه عن واحدة من أخْطر المشاكل التي يُعاني منها اللاجؤون الفلسطينيون في المُخيّمات، وهو الموتُ بالصعقات الكهربائية من فوضى شبكات الكوابل وخطورتها في الأيام الماطرة.

إنّه العاشرُ من تشرين الأولِ حيثُ المياه المتدفقة بينَ زواريبِ مخيمِ برجِ البراجنةِ للاجئين الفلسطينيين في العاصمةِ اللبنانيةِ تأخذُ سبيلَها برتابةٍ سنويّةٍ، فهو لا يخضعُ إلى رقابةِ البِنى التحتيةِ التي تقومُ بصيانتِها البلدياتُ تفاديًا لتجمّعِ المياهِ ودخولِها إلى عدّةِ منازلَ فيه.

كانَ نهارًا متعبًا بالنسبةِ لـ “حسن”، ذلك الشابُ الذي يشبهُ شبابًا كُثُر في مخيماتِ اللجوءِ الفلسطينيةِ. يستقبلُ صباحَهُ في الذهابِ إلى ثانويةِ الأنروَا للاجئين حيثُ أنّه في الصفِ الثالثِ الثانوي، ممّا يبقي له درجةٌ واحدةٌ للدخولِ إلى عالمِ الجامعةِ المُحبّبِ إلى قلبِهِ.

ما يبرحُ حسنُ الرجوعَ إلى منزلِهِ، يتناولُ غذاءَهُ على عجلٍ ثمّ يتوجّهُ إلى عملِهِ البسيطِ حيثُ يساعدُ نفسَهُ وأهلَهُ ولو بالقليلِ لتخطّي أعباءِ المعيشةِ الصعبةِ.

كانَ عملُ حسنَ حيثُ ترتبطُ روحُهُ، مكتبةٌ لبيعِ القرطاسيةِ ولوازمِ المدارسِ والمكاتبِ على أطرافِ المُخيّمِ. ينتهي من عملِه عندَ الساعةِ التاسعةِ تقريبًا. يعودُ إلى منزلِ عائلتِهِ لتبدأَ رحلتُهُ مع كتبِهِ واجتهادِهِ ومثابرتِهِ من أجل نيلِ علاماتٍ مرتفعةٍ تمكّنُهُ من الحصولِ على منحةٍ دراسيةٍ.

ليس أمامَهُ أيُّ خيارٍ آخرَ فعائلتُه لا يمكنُها تحمّل نفقةَ العلمِ وخاصةً أنّه متوجّهٌ إلى دراسة الطبِ ذاتِ الكلفةِ المرتفعةِ جدًا، والنجاح في هذا المجال يُمكنُّهُ إنْ حالفَهُ الحظُ خارجَ بلدِ اللجوءِ من العيشِ بكرامةٍ وتقدّمٍ مستمرٍ.

لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى حصلَ “حسن” على معدّلٍ مرتفعٍ يثلجُ قلوبَ أهلِهِ وحارتِهِ وكانَتْ الزغاريدُ على المستوى الذي يليقُ بهذا الطالبِ الفذِّ.

توالَتِ الأيامُ وتمكّنَ من وضعِ اسمِهِ ضمنَ قائمةِ المُتفوقين للحصولِ على منحتِهِ التي ينتظرُها بفارغِ الصبرِ.

خلالَ ذلك الوقتِ جاءَتِ الموافقةُ بمنحِهِ ما يريدُ، فإنّ معدلَهُ الدراسيَّ لا يجعلُ للقائمين على المنحِ الدراسيةِ سبيلاً غيرَ الموافقةِ وإنْ كانَ لا يعلمُ مداخلَ الواسطاتِ المباحةِ.

حدّدَ وجهتَهُ وقرّرَ الذهابَ للتمتعِ بأسوارِ الجامعةِ والتّعرفِ عليها وأخذِ تفاصيلَ عن البدءِ والاستراتيجياتِ التي تتمُّ عن طريقِ المنحِ.

في اليومِ التالي استيقظَ “حسن” باكرًا، استحمَّ على عجلٍ ولم يتناولْ قهوتَهُ مُهرولًا نحوَ القسمِ المُخصّصِ له في خزانة الثيابِ التي عليها أن تتّسعِ لجميعِ أهلِ البيتِ.

الاختياراتُ ليستْ بالكثيرةِ لكنّه سينتقي الأقربَ إلى روحِهِ. نظرَ إلى قميصِهِ الموشّحِ باللّونِ الزهريِّ الفاتحِ وقال في نفسه: “لعلّه يجعلُني أكثرَ جاذبيّةً حيث أنّ بشرتي السّمراءَ تتناغمُ وهذا اللّونَ. أمّا عن معطفي الرّماديِّ فكانَ يزيدُني شجاعةً ويستحثُّ خطواتي على المضيِّ قُدمًا في تناغمٍ مع دقّاتِ قلبي بما أنّها كانتْ المرّةُ الأولى الّتي أرتادُ فيها الجامعةَ وأولئك المسؤولون عن المنحِ الدِّراسيّة لا ينفكّون يبتسمون منتشين بانتصارِهم فقد وردَ اسمي بينَ اللوائحِ ومعدّلي الدِّراسيُّ لم يتجاوزْ سبعةً وتسعين بالمئةِ فقط”.

في الصالةُ كانت والدته تحتسي قهوتَها. أكملَ “حسن” ارتداءَ ملابسِهِ وانتقلَ إلى الصباحيةِ، جلسَ على طرفِ المنضدةِ القابعةِ في الزاوية تحتَ الشّباكِ المُطلِّ على منزلِ جارتِه الجميلةِ.

  • تعالَ يا حسنُ، سأسكبُ لك القليلَ من القهوةِ لتستعيدَ نشاطَك.
  • لا يا أمي أردْتُ فقط أن أسبّحَ اللهَ فجلسْتُ قليلًا لأرى وجهَك. لم يعدْ لدي الوقتُ الكافي وأنتِ تعلمين مشقةَ الطرقاتِ التي سأقضيها مَشيًا على الأقدامِ إن لم يكن الطقسُ ماطرًا.

سينتهي يا أمي كابوسُ الفقرِ المدقعِ وألواحَ الزينكو التي أصابَتْ رؤوسَنا بصداعٍ مستديمٍ. ينتصرُ دومًا شرودُه وحوارُه المستمرُ مع نفسِه ليخفّفَ وطأةَ قهرِه من الحالِ الذي يعيشُ به “لا أذكرُ بأنّني اختليْتُ بنفسي يومًا كشابٍ في بدايةِ مراهقتِه، فكلُّ مساحةِ المُخيّمِ لا تتسعُ لمن يستهويه الهدوءُ ولو لبرهةٍ من الوقت”.

زواريبُهُ الفاضحةُ تمنعُني من رؤيةِ حبيبتي التي لا أعرفُ ملامحَها جيدًا، تختبئُ بحضنِ البابِ خشيةَ تقديمي لها وردةً تجعلُها متيقّنةً من حبّي لها إن أنصفَتْنا في العدِّ الأخيرِ (يحبُّني / لا يحبُّني).

أمّا أمّي التي دومًا تخفضُ صوتَها مخافةَ أن يسمعَها جيرانُنا وتهمسُ لأبي بأنّه لا يوجدُ خبزٌ كافٍ الليلةَ، لينامَ والدي وجوْفُه فارغٌ من كلِّ شيءٍ إلا القهر.

هذا القميصُ سأحتفظُ به طويلًا وإنْ كثرَت الألوانُ وتعدّدَت الماركاتُ العالميةُ في خزانتي. كلّفَني عيونَ أمي وهي تغزلُ الصوفَ الذي ورّثَتْهُ لأخواتي كعادةٍ لجلبِ المالِ القليلِ وإعادةِ وضعِ اللاصقِ على أطرافِ الزينكو في كلِّ شتاءٍ لعينٍ.

كانَ حسن الطفلَ المدلّلَ في المنزلِ، فلم يعدْ والدُه ينادي أمّه ولو لمراتٍ قليلةٍ لتضعَ الكرسيَّ الخشبيَّ الذي ورثَهُ من جدِّهِ خلفَ البابِ ليمارسوا لعبةً لا يعلمُ إنْ كانَتْ تستمتعُ بها أمُّهُ أم لا. ذلك النداءُ الخفيُّ حيّرَهُ ممّا دفعَ فضولُهُ للبحثِ عن سرِّ الاختفاءِ المفاجئِ الذي يتسرّبُ منه صوتٌ خفيفٌ لوالدِهِ، ما يلبثُ أنْ يُفتحَ البابُ بعدَهُ بدقائقَ معدودةٍ.. لكنّها أنجبَتْ اثنا عشرةَ شخصًا ينتمون لغرفتين لا تتسعُ إلى جميعِ ذكرياتِهم وبهذا انتهى العجبُ. “لربّما كانوا يريدون دحرَ الصهاينةِ بأعدادِنا الكثيرةِ عليهم المُنكمشةِ على أحلامِنا”.

اِنتظرَ “حسن” الصباحَ أيضًا ليحتسيَ فنجانَ الشايِ بالنعناعِ عندَ أختِه التي تقطنُ بالزاروبِ المُؤدي إلى المدينةِ، هكذا يحظى ببعضِ الراحةِ من عناءِ الطريقِ. ويلاعبُ ابنتَها الجميلةَ التي تبلغُ من العمرِ أربعةَ أعوامٍ. يتساءلُ دومًا من الصغيرةِ بينَهم أختُه أم طفلتُها، تزوجَتْ أختُه وهي لم تكمل الخامسةَ عشرةَ من عمرِها. كيف لهذا أن يحصلَ؟

ياه… لقد نسيْتُ وضعَ العطرِ الذي أهداه لي صديقي “جاد” فمنذُ أيامٍ لمْ تعدْ زجاجتي تستجيبُ لنداءاتي بالضغطِ عليها كي تفْتنَني برائحتِها، كانَتْ مغرورةً بعضِ الشيءِ،

رغمَ أنّني اشتريتها مُقلّدةً (غيرُ أصليةٍ) لاسمٍ فرنسيٍّ فاخرٍ ببضعِ دولاراتٍ لا تلبثُ أنْ تختفي مع أولِ نسمةِ هواءٍ. لا بأسَ فما بقيَ إلّا القليلُ، أتخرّجُ من الجامعةِ ومن ثَمَّ أتمكنُ من الهجرةِ إلى الخارجِ أحققُ فيها ما حلمْتُ به.

يا لها من فرصةٍ أجملَ إن اكتملَت الحكايةُ بالذهابِ إلى بلدٍ أوروبيٍّ، سيتسنّى لي بعدَها الذهابُ إلى فلسطينَ، أتجوّلُ في باحاتِ المسجدِ الأقصى، وألتقطُ الصورَ الكثيرةَ تحتَ قبّتِهِ الذهبيةِ. ما أعذبَه من شعورٍ (موطني، موطني الجلالُ والجمالُ والسناءُ والبهاءُ في رباك..).. آه يمَّا..

يا حسنُ ألاَ تكفّ عن الغناءِ بصوتِك المرتفعِ، لو كانَ جميلًا لقُلْنا استمرَّ. يرمقُ أختَه بنظرةٍ حنونةٍ ويضحكان ملءَ الصالةِ

“خلصْ سكتْنا حبيبتي”.. يكفيني يا عزيزتي هذا الأملُ المصحوبُ بكلِّ هذا الجمالِ لبدايةٍ مشوقةٍ في الجامعةِ.

وماذا عن البداياتِ مع مريمَ، أليسَتْ جميلةً أيضًا؟

نعم عزيزتي، أحبُّ هذه الفتاةَ كثيرًا ولا أرى أحدًا بجمالِها أبدًا فهي مرتبطةٌ بذكرياتي في مخيمِنا. حتْمًا ستنتظرُني، أعودُ لخطبتِها بعدَ أن أؤمّنَ مستقبلي وهكذا أتمكنُ من رؤيتِها دونَ قيودٍ وتقاليدَ مُملةٍ.

أعطني عطرَ زوجِك فأنا لا أستطيعُ التّخلي عن سماعِ تنهيدةَ الفتياتِ عندَ مروري في أيّ زاروبٍ، يسبقُني عطري بخطواتٍ قليلةٍ.

هذه الزواريبُ الضيقةُ والمخيماتُ المنتشرةُ هنا وهناك تعيسةٌ لكنّها تحمّلَتْنا كثيرًا كوطنٍ صغيرٍ ننتمي إليه وهو من نعرفُه فقط، لم يكملْ حسنُ حديثَ نفسِهِ حتى كانَتْ أسلاكُ الكهرباءِ المتشابكةِ في آخرِ زاروبٍ للمخيمِ وتداخلُها مع أنابيبِ المياهِ أقربَ وملكُ الموتِ إلى روحِهِ من حلمِهِ.

فهكذا تُغتالُ أحلامُنا بعيدًا عن أوطانِنا، في زواريبِ المُخيّمِ.

الشاعرة الفلسطينية نُهَى عُودة

الشاعرة الفلسطينية نُهَى عُودة

اقرأ أيضا