سؤال «الأيام نيوز» لمدير «المركز العربي – واشنطن دي سي».. ما هي عواقب سجن «ترامب» أو منعه من الترشّح؟

حادثة إطلاق النار التي نفّذها العشريني «رايان كريستوفر بالميتر» ـ الأسبوع الماضي ـ بأحد متاجر «دولار جنرال» ـ وهي سلسلة متاجر أمريكية ـ في المدينة جاكسونفيل بولاية فلوريدا، وراح ضحيتها ثلاثة أمريكيين من ذوي البشرة السوداء، أعادت النقاش حول تصاعد الإرهاب الداخلي في الولايات المتحدة، وارتفاع خطر المتطرفين اليمينيين وأتباع نظرية “تفوق العرق الأبيض” أو “White Supremacy”، التي تؤمن بتفوق البيض على ذوي البشرة الملونة، ودفعت الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى القول إن أجهزة الاستخبارات الأمريكية أجمعت على أن الإرهاب الداخلي المتأصل في تفوق العرق الأبيض هو أكبر تهديد إرهابي تواجهه البلاد.

وعند الحديث عن الإرهاب الداخلي في الولايات المتحدة اليوم، تُوجّه أصابع الاتهام إلى الطبقة السياسية ممثّلة في الحزبين الجمهوري والديمقراطي في البلاد، وبشكل أكبر للجمهوريين المتهمين باستقطاب المتطرفين وتشجيع أفكارهم، خاصة منذ تولي الرئيس السابق دونالد ترامب الرئاسة عام 2016.

البلاد شهدت منذ أحداث الـ6 يناير 2021، التي نفذ خلالها أنصار الرئيس السابق دونالد ترامب هجوما على مبنى الكونغرس عقب هزيمته أمام الرئيس الحالي جو بايدن، عددا من الحوادث المصنّفة في خانة الإرهاب الداخلي، أبرزها إقدام شاب أبيض في الـ19 من العمر على قتل 10 أشخاص وجرح ثلاثة آخرين من ذوي البشرة السوداء، في إطلاق نار نفذه بأحد متاجر البقالة بمنطقة «بافلو» في ولاية نيويورك.

المعطيات تتحدّث

وقدّر تقرير نُشِر مطلع السنة الجارية عن “The U.S. Government Accountability Office” أو مكتب محاسبة الحكومة الأمريكية ـ وكالة حكومية مستقلة توفر خدمات التدقيق والتقييم والتحقيق للكونغرس الأمريكي ـ نسبة ارتفاع عدد التحقيقات المتعلقة بالإرهاب الداخلي من سنة 2013 إلى سنة 2021 بـ357℅، أي من 1981 قضية عام 2013 إلى 9049 قضية في 2021.

وكشف التقرير الذي اعتمد على بيانات مصدرها مكتب التحقيقات الفدرالي «آف بي آي» ووزارة الأمن القومي ـ وهما الهيئتان المكلفتان بمحاربة الإرهاب في الولايات المتحدة ـ أن البلاد شهدت 231 حادثا متعلقا بالإرهاب الداخلي في الفترة ما بين 2010 و2021، وخلص تقرير مكتب محاسبة الحكومة إلى نتيجة مفادها أن المتطرفين ـ ذوي الدوافع العنصرية أو العرقية ـ ارتكبوا أكثر الحوادث عنفا.

للحديث عن أسباب تصاعد الإرهاب الداخلي والعنف المرتكب بدوافع عنصرية وعرقية في الولايات المتحدة، وعلاقته بالحركات والأحزاب السياسية، وكذا مخاطره المستقبلية على استقرار البلاد، التقت «الأيام نيوز» بالدكتور خليل جهشان، المحلل السياسي ومدير المركز العربي واشنطن دي سي، أحد أهم مراكز البحث العربية بالولايات المتحدة.

بداية وتعليقا على تصريح الرئيس الأمريكي جو بايدن بشأن خطورة الإرهاب الداخلي الذي يمارسه أفراد ينتمون لجماعات تفوق العرق الأبيض، قال الدكتور خليل جهشان، إن تصريح بايدن عبارة عن تكرار لما تضمنته الإستراتيجية الوطنية لمواجهة العنف الداخلي، التي أعلنتها إدارته في بداية حكمها عام 2021، وتبنت من خلالها سياسات مختلفة تتعلق بالتنسيق بين الأجهزة الأمنية ومختلف الفروع الحكومية على الصعيدين المحلي والفدرالي.

تاريخ اليمين المتطرّف مع الحزب الجمهوري

تحدّث الدكتور خليل جهشان عن التطور التاريخي للفكر اليميني المتطرف وأنصار تفوق العرق الأبيض، الذين تفيد التقارير الإستخباراتية بمسؤوليتهم عن نسبة كبيرة من أحداث العنف الداخلي، قائلا إنه قبل خمسين عاما حين أتى إلى الولايات المتحدة كطالب ـ وعاش في الجنوب ـ تفاجأ بوجود يمين متطرّف قوي لا يسمع عنه الناس خارج الولايات المتحدة، لأسباب قد تكون دعائية.

وفي تلك الفترة كان التطرّف أحد مخلّفات الحرب الباردة، إذ كان اليمين المتطرف الأمريكي يسعى إلى التصدي لانتشار الفكر الليبرالي الاشتراكي أو ما كان يُسمّى آنذاك بالخطر الشيوعي، ولكن اليوم ـ يضيف محدثنا ـ يُعتقد أن التطرف اليميني وتصاعد الإرهاب الداخلي ناجمان عن الكراهية وما يُسمى التمييز المعاكس ـ وهو تمييز ضدّ البيض ـ وظاهرة الغضب ضد ما يسمى ـ يمينيا ـ بالنظام التصحيحي أو الصواب السياسي، الذي تعتبره التيارات اليمنية مفروضا عليها من طرف الليبراليين.

وقال الدكتور خليل جهشان، مدير المركز العربي واشنطن دي سي، إن العمليات الإرهابية ـ وعددها 231 ـ التي نفّذتها الجماعات المتطرفة الداخلية، تُعد أكثر بكثير من العمليات الإرهابية التي تنفذها الجماعات القادمة من خارج الولايات المتحدة.

والمفاجئ في الإحصائيات المنشورة عن الوكالات الحكومية الأمريكية ـ حسب الدكتور جهشان ـ أن 34℅ منها تعود إلى أسباب عرقية أو عنصرية كما حدث في الهجوم الأخير المُنفذ بمدينة جاكسونفيل بولاية فلوريدا، و32℅ منها هي عمليات ضد الحكومة الفدرالية، نتيجة الغضب من النظام الذي يعتبره المتطرفون اليمينيون منحازا إلى الأقليات، ضد البيض الذين أصبحوا وكأنهم أقلية رغم عددهم الهائل.

يوافق الدكتور جهشان على وجود علاقة بين الجماعات اليمينية المتطرفة والحزب الجمهوري، بل يرى أن السنوات الأربعين الأخيرة شهدت تغييرا جذريا داخل الحزب المعروف داخليا بـ “Grand Old Party”ويشار إليه بـ “GOP”ـ وهو الحزب العتيد ـ بعد أن تم اختطافه من طرف التيارات اليمينية العنصرية والتيارات التي تؤمن بتفوق العرق الأبيض، وكذلك الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي لم يكن تقليديا جمهوريا، ولكنه انتمى إليه بغرض دخول غمار الانتخابات وقاده إلى الانتصار عام 2016.

فوز ترامب بالرئاسة مهّد النجاح لحركته الـ “MGA Republicans”ـ الجمهوريون المنتمون لحركة ترامب التي تحمل شعار “Make America Great Again” (اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) وتُختصر للأحرف الأولى لكلمات الشعار “MAGA” ماغا ـ حدث بعد ذلك، أن تحالفت حركته تلك، مع الحزب الجمهوري وتغلغلت فيه.

وهكذا حدث نوع من التغذية المشتركة ونتج عن ذلك صعود هذا التيار، كما حدث تغيير جذري داخل الحزب الجمهوري، الذي لم يعد ذلك الحزب الذي كان ينتمي إليه بوش الأب أو بوش الابن ولا حتى رونالد ريغن، ولا كل الأسماء اللامعة الأخرى، فالحزب الجمهوري اليوم ـ يقول الدكتور جهشان ـ هو عبارة عن مزيج من الحركات المتطرفة اليمينية الخارجة عن التيار الوسط، والوصف الوحيد المناسب له هو “حزب ترامب”.

ويعتقد الدكتور خليل جهشان أن تحالف الحزب الجمهوري وحركة ترامب تحالف طويل الأمد، كما يرى أن الصراع الداخلي الحاصل في الحزب مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، إذ تحاول بعض شخصياته التقليدية العودة إلى عصره الذهبي، ليس بالأمر السهل لأنه لا يمكن معاكسة التاريخ، فالحزب الجمهوري كما كان سابقا قد انتهى، وما يره العالم اليوم هو حزب جديد بميولات متطرفة وعنصرية، وإذا انتصر الرئيس السابق دونالد ترامب مجددا فهذا التيار سيعود إلى الواجهة من جديد.

ماذا سيحدث لو خسر ترامب رئاسيات 2024؟

يعتبر الدكتور خليل جهشان أحداث اقتحام مبنى الكونغرس في الـ6 يناير 2021، احتجاجا على خسارة الرئيس السابق دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية أمام غريمه الديمقراطي جو بايدن، أقرب شيء ممكن في السياسة الأمريكية لـ”الانقلاب الداخلي”، ورغم أن الولايات المتحدة غير معروفة بالانقلابات، يقول الدكتور جهشان، فإن ما حدث آنذاك كان شبيها بالانقلاب، لأن أنصار ترامب الذين شجعهم على اقتحام مبنى «الكابيتول» اقتربوا من قلب نتيجة الانتخابات.

وقال محدثنا إنه وبحكم اطلاعه على الشأن الأمريكي وعيشه في البلاد منذ أكثر من خمسين سنة، لا يستبعد حدوث عنف سياسي في حال صدور حكم قضائي يمنع الرئيس السابق المتابع في عدة قضايا، من الترشح أو يقضي بدخوله السجن، كما يعتقد الدكتور خليل جهشان أن البلاد مقبلة على المزيد من الانقسام والتشرذم الداخلي طويل الأمد، خاصة إذا كانت نتيجة الانتخابات مخالفة لما ينتظره أنصار ترامب.

هل الحزب الديمقراطي بريء مما يحدث؟

يرى الدكتور خليل جهشان مدير المركز العربي واشنطن دي سي، أن للحزب الديمقراطي أيضا جزءا من مسؤولية ما تقوم به الجماعات المتطرفة اليمينية، لأن هذه الأخيرة تقول بوجود تمييز ضدها، وترى أن الاقتصاد الأمريكي الحالي يخدم مصالح الأقليات على حساب الأغلبية البيضاء.

وإضافة إلى مسألة الاقتصاد يُرجع المتحدث استياء الجماعات اليمينية إلى أسباب اجتماعية ودينية، كما يعتقد أن المجتمعات المنفتحة والديمقراطية، كالمجتمع الأمريكي، حين تمر بمراحل سياسية واقتصادية صعبة، نتيجة الضغوطات المختلفة، تنتهي بها في مصب الانقسامات والتشرذم، لذلك فالنتائج التي يشهدها المجتمع الأمريكي، غير مفاجأة بالنسبة له.

ويعتقد المتحدث ـ الذي يتابع بحكم عمله أدق مجريات السياسية الأمريكية الداخلية والخارجية ـ أن نظام الحزبين الذي تعتمده الولايات المتحدة قد فشل، وقد الوقت قد حان لإعادة النظر فيه، وتعديل الدستور الأمريكي وكل الممارسات الحزبية من خلال السماح لحزب ثالث بالظهور وإثبات نفسه.

فالفشل الذي أراه في اليمين يقابله فشل في اليسار ـ يقول الدكتور خليل جهشان ـ مستشهدا بترشيح الحزب الديمقراطي للرئيس الحالي جو بايدن إلى عهدة ثانية، رغم تخوف أزيد من 77℅، من الأمريكيين من تقدم سنه ـ وفق استطلاع رأي نشرته أسوسيتد برس ومؤسسة NORC بجامعة شيغاغو في 28 أوت ـ بدلا من ترشيح شخصية أكثر جاذبية وقدرة على الانتصار وبشكل أسرع وأسهل من بايدن.

وختم الدكتور جهشان حديثه مع «الأيام نيوز» بالقول إن هناك تخوفا كبيرا من الفكر السياسي الرديكالي، ورغم أن المواطن الأمريكي العادي ينظر إلى تاريخه ويرى أن النظام خدمه لأكثر من 240 سنة وربما يفضل الحفاظ عليه، إلا أن التغيير الحاصل اليوم على المستووين الداخلي والدولي، وتصاعد التيارات اليمنية المتطرفة وتهديدات عنفها السياسي، يتطلب حسب رأيه إحداث التغيير من أجل التجاوب مع مطالب الناخبين في أي بلد، حتى في الدول الديمقراطية كالولايات المتحدة.

تجدر الإشارة إلى أن الجماعات اليمينية المتطرفة التي تغذيها وتدفعها أفكار السيادة العرقية أو الإثنية مثل جماعات تفوق العرق الأبيض الذين يعتقدون أن للبيض ثقافة مختلفة تتفوق على بقية الشعوب، وبالتالي من حقهم القيادة والحكم، والفئات المناهضة للحكومة والناظرة لها كنظام يخدم الأقليات على حسابها، ليست النوع الوحيد من التطرف في البلاد.

ففي الجانب اليساري المقابل كذلك توجد جماعات متطرفة، ذات دوافع معارضة للرأسمالية أو الإمبريالية، ومناصرة للقضايا البيئية وحقوق الحيوان، والمعتقدات المؤيدة للشيوعية أو الاشتراكية، ما يجعل من الولايات المتحدة الأمريكية بلدا منقسما ومتشرذما على شفى حفرة من العنف والفوضى والانفلات.

سميرة بلعكري - واشنطن

سميرة بلعكري - واشنطن

اقرأ أيضا