سياحة في “الفُلك المَشحون” (الجزء الأول)

“الفُلك المَشحون بالمُعرَب والمَلحون” هو عنوانُ لواحد من الكتب التي عمل الاستعمار الفرنسي على نشرها وترويجها بين القرّاء الجزائريين، لا سيما طلبة المدارس. وكما يُفهم من العنوان، فهو أشبه بسفينة مشحونة بأنواع مختلفة من السّلع والبضائع، فكذلك هذا الكتاب يشتمل على خلطة غير متجانسة من الموضوعات مثل: الحكايات والأشعار والتاريخ والجغرافيا.. باللغة العربية الفُصحى (المُعرَب) واللغة العامية (الملحون). وتدعو “الأيام نيوز” قُرّاءَها إلى سياحة في هذا الكتاب لاستكشاف “مشحونه” وإدراك رسالته التعليمية.

لغة شرعية وأخرى للكلام

الصفحات الأولى من الكتاب مطبوعةٌ طبعةً أنيقة باللغة الفرنسية، واشتملت على معلومات تفيد بأن الكتاب يندرج سياق في “تعليم لغة الكلام (العامية) واللغة الشرعية (الفصحى)” بطريقة “المنهج المباشر”، وهو خاصٌ بالفصل الدراسي الثالث، وموجَّهٌ إلى طلبة (الثانوي، أولى وفلسفة)، وهو من “القراءة المُختارة” التي تركّزُ على تصنيفات مُعيّنة مثل: الحكايات، الأساطير، كتابات حول الحياة العربية، الأشعار والأمثال، التاريخ والجغرافيا. وقد نشرت مجلة “معهد المخطوطات العربية” مقالا، سنة 1999، حول كتاب “الفلك المشحون بالمُعرَب والمَلحون”، جاء فيه: “والكتاب هو إحدى السلاسل المدرسية التي اهتم الفرنسيون بتشجيعها. ومنها كتاب “اختيار من خرافات مجدوب بن كلافة” الذي نُشر سنة 1909. والسلسلة المدرسية لمحمد صالح، التي كانت مُستعلمة في الثانويات. ونصوص من العربية العامية الجزائرية لمانجيون، الذي طُبع عام 1959. وغيره من الكتب التي اهتمت بجمع القصص على ألسنة الحيوانات باللهجة العامية. ومع ذلك فمساحات الشعبيات في هذا الكتاب لا تزيد عن ثلثه، والباقي بالفصحى”.

كَمُلَ الكتاب بعَون الوهّاب عام 1905

لم تُحدّد مجلة “معهد المخطوطات العربية” تاريخ نشر كتاب “الفُلك المَشحون بالمُعرَب والمَلحون”، وأشارت إلى أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وذهب كتاب “معجم المطبوعات العربية والمُعرَّبة” إلى أن الكتاب نُشر سنة 1305 هجرية الذي يوافق 1888 ميلادية، حيث جاء في الكتاب: “الفلك المشحون بالمُعرَب والملحون، وهو منتخبات بفنون مختلفة وحكايات منها عامية ومنها بلغة فصحى، طُبع.. بتلمسان سنة 1305 (فيه) فوائد تاريخية في العهود اليونانية وأصنام العرب في الجاهلية مع تاريخ القرامطة في اليمن وعبادة المصريين الأقدمين”. وأمّا الكتاب الذي بين أيدينا، فقد جاء فيه بأن الكتاب طُبع سنة 1906 في مطبعة “أدولف جوردان”، كما جاء في آخر الكتاب “كَمُلَ الكتاب بعون الوهّاب 1905 بتلمسان”.

كم “فُلك مشحون” في تراثنا العربي؟

هناك كُتبٌ كثيرةٌ حملت عناوينُها عبارة “الفلك المشحون مثل: “الكنز المدفون والفلك المشحون” للإمام “جلال الدين السيوطي”، و”الفلك المشحون بما يتعلق بانتفاع المرتهن بالمرهون” لصاحبه “محمد بن عبد الحليم الكنوي”، و”الفلك المشحون في أحوال ابن طولون” لصاحبه “محمد بن طولون الصالحي”، و”شراع الفلك المشحون بعناوين تبصرة ابن فرحون”، و”الكنز المدفون والفلك المشحون”، و”رسائل تاريخية الفلك المشحون”.. وقد أوردنا هذه الأمثلة لنُشير بأن المصادر العربية، مثل “معجم المطبوعات العربية والمُعرَّبة”، يكون قد اختلط عليها الأمر في ضبط تواريخ ومضامين كتابنا. وأيضا، لنُشير بأن الكتاب الذي بين أيدينا قد يكون له طبعات سابقة تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر كما قالت مجلة “معهد المخطوطات العربية”.

“باريس” في الفُلك المشحون

مهما يكن من أمر، فإن النسخة التي اعتمدتها “الأيام نيوز” قد صدرت فعلا سنة 1906. فبالإضافة إلى ما كتبه المُؤلّف في آخر الكتاب بأنه فرغ من كتابه سنة 1905، فإن الكتاب تضمّن موضوعا عنوانه “باريس” أشار المؤلّف في آخره أنه لـ “أحمد زكي”، وقد وجدنا الموضوع في كتاب “السفر إلى المؤتمر” الذي يصف رحلةً قام بها المصري “أحمد زكي باشا” إلى أوروبا للمشاركة في مؤتمر المستشرقين في لندن، وقد نُشر الكتاب سنة 1893، ما يعني أن مُؤلّف “الفُلك المَشحون بالمُعرَب والمَلحون” قد اطلّع على كتاب “أحمد زكي” بسنوات، ثمّ ضمّن موضوع “باريس” في كتابه. وما ذهب إليه كتاب “معجم المطبوعات العربية والمُعرَّبة”، بأن كتابنا نُشر عام 1888، غير مقبول إلاّ إذا كانت النسخة التي بين أيدينا مُنقّحة ومزيدة، خاصة، بموضوع “باريس”.

كاتبٌ بلا تعريف

لا نعرف عن المُؤّلف أكثر من أن اسمه “عبد الرحمان محمد” كان أستاذا في معهد “تلمسان”، وقد أهدى كتابه إلى مدير مدرسة الآداب في مدينة الجزائر، قائلا: “إلى سيدي البارز ريني باسي.. تحية محترمة من الامتنان العميق”. كما لا نعرف إن كان تأليف الكتاب هو بمبادرة من “عبد الرحمان محمد” أم أنه كان تلبيةً لطلب بتأليفه؟ وليس علينا أن نبحث عن إجابة لهذا السؤال، فالواضح أن الكتاب كان لخدمة الاستعمار الفرنسي بضرب اللغة العربية وإعلاء شأن العامية في المدارس الفرنسية، وتوجيه التلاميذ والطلبة الجزائريين إلى الموضوعات التي يُراد لهم أن يتعلّموها. ويكفي الإشارة بان الصفحات الأولى من الكتاب كانت بلغة فرنسية وطُبعت بحروف مطبعية راقية، بينما مادة الكتاب، الفصيحة والعامية، كانت مطبوعة بخط اليد، وهو أمرٌ مدروسٌ، بكل تأكيد، للحَطّ من شأن اللغة العربية وإعلاء اللغة الفرنسية طباعةٌ وشأنًا، في أنظار وعقول طلبة المدارس والمعاهد.

البداية من “فهرس” الملحون

قاربت صفحات كتاب “الفُلك المَشحون بالمُعرَب والمَلحون” حوالي مائتي صفحة، توزّعت على فصلين أساسين وهما: فصلُ الملحون (العاميّة)، وفصلُ المُعرَب (اللغة العربية الفصحى). واحتوى كل فصل على مجموعة من الأجزاء المتنوّعة، حيث نقرأ في جزء الملحون قسمًا عن الحكايات منها: “هارون الرشيد والرجل اللّي بغى يضحكو”، “مول الحمارة ومول الناقة”، “معايشة بين الشراب والشمعة”. وفي قسم “عوايد (عادات) العرب” نقرأ عن: “لعب الخيل، لعب الكورة، لعب الرحبة، الوعدة، الزواج عند المُسلمين، شروط الزواج، العرس عند عرب البادية، كسوة الحضر، كسوة النساء، الحمّام، القهوة، الحفّاف. ثم نقرأ قسمًا في الشعر الملحون: قصيدة الشيخ قدّور ولد محمد، قصيدة على الوقت. ويُلاحظ القارىء من عناوين موضوعات فصل الملحون بأنها ركّزت على الحرف والألعاب الشعبية والعادات الاجتماعية والأزياء وما يتّصل بالحياة اليومية. ولو أسقطنا الموضوعات الخاصة بالحكايات فإن هذا الجزء يبدو تقريرا عن المُجتمع الجزائري، لا يُمكن أن يكون مُوجّهًا إلى تلاميذ جزائريين، فهم بالضرورة يعرفون عاداتهم وتقاليدهم وخفايا مُجتمعهم، ولكنه مُوجّهٌ لخدمة الاستعمار الفرنسي، لا سيما أجهزته التي اختصّت بدراسة المُجتمع الجزائري ونفسيته وعقليته وعاداته..

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا