سياحة في “الفُلك المَشحون” (الجزء الثالث)

لا يخلو كتاب “الفُلك المَشحون بالمُعرَب والمَلحون” من معلومات ذات قيمة تاريخية، لا سيما تلك التي تتعلّق بتفاصيل الحياة اليومية للمجتمع الجزائري في بدايات القرن العشرين، وذلك من خلال ما وثّقَه المُؤلّف حول الألعاب الشعبية والمهن والمقاهي وتقاليد الزواج ولباس أهل المُدن والأرياف. وأيضا، قاموس اللغة العامية التي استعملها المُؤلّف في كتابه ولا تكاد تختلف عن العاميّة في أيّامنا، ويكمُنُ الاختلاف، بشكل أساسي، في تسمية الأشياء. وقد رأت “الأيام نيوز” أن تعيد نشر مختارات من تلك النصوص العاميَّة ليعرف القارئ كيف كان الجزائريون يتحدّثون قبل حوالي قرن وربع القرن من الآن.

“الحَفَّاف” في بداية القرن العشرين

يُحدّثنا المُؤلّف “عبد الرحمان محمد” عن “الحفّاف”، أو الحلاّق، فيذكر بأن الحلاقَة على وجهين، أما الوجهُ الأول فهو أن يحلق الناس لبعضهم البعض، والوجه الثاني أن تكون الحلاقة في محلّ حلاّق مُحترف. وفي هذا الشأن يقول: “الّي هُومَا في العرب (لعله يقصد أهل الريف أو القادمين منه إلى المدينة) يحفّفوا لرواحهم يعني لبعضهم بعض بلا دَراهم. إذا غَوفَل (طال شعر رأسه وتشعّث) الرجل يطلب واحد (رجلا آخر) يحسّن له (شعر) راسه ولحيته. يجبد (يُخرج) هذاك (الحفّاف) مُوسَه من الجوَا (غمد من جلد) ويسنّه على المسنّ وإلاّ سبتة (شريط للشّحذ) وإلاّ كلخة (حجرة صمّاء) وإلاّ يضرب به على ساقه.

الّي يبغي يحسّن، يبلّ راسه بالماء ويرقد قدّام الحفّاف. الحفّاف يقعد في رحبته (رقعة أرض منبسطة)، ويبقى الآخر (الشخص الذي سيحلق شعره) خطرة (مَرَّة) يبرك، خطرة يرقد على فمه، خطرة على قفاه، حتى يكمّل له (الحلاقة). في العرب غير يفرقوا اللحية ما يحسّنوهاشي كامل، على خاطر عندهم عيب. ما يحسّنوا غير شوية من الاحناك والشعر الّي في القُرزي.

ثمّ يُحدّثنا المؤلّف عن الرجال الذين يذهبون إلى محلّ الحلاقة، فيقول: “أصحاب البلاد (سكان المدينة) يمشوا عند الحفّاف في حانوته”، حيث الحلاقة تكون بشكل عادي كما اليوم تقريبا، غير أن المؤلّف يُحدّثنا عن نوع غريب من الحلاقة، حيث يقول: “وكاين الّي يقول له (للحلاّق): دَوْر، يعني ما يحسّن له غير نُصّ راسه فوق الجبهة، ويخلّي له الباقي”. ويواصل المُؤلّف قائلا: “بعض الحَضَر (سكّان المدينة) يحسّنوا اللحية وما يخلّوا غير الشلاغم (الشوارب). واليوم كثير من الناس ولّوا (صاروا) ما يحسّنوا شي، راهم غير يمَقّصُوا رُوسهم بالمشينة (آلة حلاقة شعر الرأس).

أما عن أهل البادية، فيُحدّنا المُؤلّف قائلا: “عند عرب البادية، الولد الصغير يَخَلُّوا له قطّاية (ضفيرة أو جديلة) في وسط راسه. شي أسواق (في بعض الأسواق الأسبوعية) يجوا لهم (لأهل البادية) الحفّافين، ويبنوا قَواطينهم (خيامهم) فيهم، ويحسّنوا للناس ويقطعوا لهم الدم ويقلعوا لهم الضروس”. ثم يُحدّثنا “عبد الرحمان محمد” عن الحجامة، وهي من مهّام الحلاّق، فيذكر بأنها تكون في كل فصول السنة إلاّ فصل الشتاء، وأكثرية الناس تقوم بالحجامة في الصيف. ويُشير إلى موضع الحجامة، قائلا: “كاين الّي يحجم من قفاه. كاين الّي يحجم من وسط راسه وإلاّ من قرزيه، وإلاّ من قايمة من قوايمه إذا كان مريض منهما”.

في المقهى العربي

يُحدّنا المؤُلّف عن المقهى في زمانه، فيُفرّق بين “مقهى النصارى” ومقهى العرب الذي يُركّز عليه ويصفه قائلا: “المسلمين حرام عليهم الخمر وكل ما يَسَكَّر (يُسكر)، الَي هما ديّنين يعني يتبعوا دينهم وما يمشوا غير لقهوة المسلمين. القهوة مْفَرشَّة بالحَصاير (مُفردها حصيرة وكانت تُنسج من نبات الحلفاء)، وعليهم الزرابي أو الحنابل (مُفردها حَنبَل وهو بساط أو غطاء يُنسج من الصوف). وفيها ثاني لَبْناك (مُفردها بنك ويعني الأريكة أو نوع من المقاعد الصغيرة وقصيرة القوائم) والطوابل (مُفردها طابلة وهي الطاولة) والكراسي. بكري كانوا أقهاوي (مقاهي) العرب ما فيهم غير فراش فوق الأرض. لكن اليوم، بعض القهواي (المقاهي) ما تفرّق شي بينهم وبين قهاوي النصارى، أش من زَوَاق، واش من مرايات. والعجب الّي يحير فيه البال، تجبُر (تجد) فيهم (المقاهي) كل قهوة فيها وجاق (الموقد) هو المضرب (المكان) الّي يطيّبُوا فيه القهوة”.

يواصل المُؤلّف في وصف القهوة وزائريها والقائمين عليها مثل القهواجي (النادل). ثم يتحدّث عن أنواع الألعاب التي تُوجد في المقهى مثل: الضّامة ويُقال لها الدّامة أيضا، والدومنو، والكارطة، والشيش بيش ويُقال لها الطابلة في بعض المدن (وفقَ المُؤلّف). ويكون اللعب على المشروبات حيث أن الخاسر يدفع أثمانها.

حَمّامان في كل حيّ

كما يُحدّثنا “عبد الرحمان محمد ” عن الحَمّام، فيصف توزيعه الداخلي وطريقة تحضير الماء الساخن، والمراحل التي يمُرُّ بها الزبون منذ دخوله إلى الحمّام حتى خروجه. قال المؤلّف: “من قديم الزمان والمسلمين يستعملوا الحمّام. اليوم، قليل المدينة الّي ما فيها حمّام، وبعض المُدُن فيهم حمّام وإلاّ زوج (اثنين)، الحمّام في كل حومة (حي). العرب يحبّوا بزّاف (كثيرا) باش يغسلوا الوسخ وإلاّ يتوضّوا (لعله يقصد الاغتسال). الرجال يدخلوا من الفجر حتى يَقرّب الظُّهر، ومن المغرب حتى يرقدوا الناس منتصف الليل. والنّساء من الظهر حتى المغرب.

كسوة النساء

من الأمور الأخرى التي يُفيدنا بها كتاب “الفُلك المشحون بالمُعرَب والملحون” ما يتعلّق بالثياب والأزياء في بداية القرن العشرين، فيقول في جزء “كسوة النساء”: “كسوة الحَضَر (أهل المدينة) تتبدّل من بلاد لبلاد (من مدينة جزائرية إلى أخرى)، في عَمَالة (مُحافظة أو ولاية) وهران، المَرَة (المرأة) تلبس قمجّة كتّان وتزيد عليها عباية نوار وإلاّ حرير وإلاّ مجَوْنَح وغلاف خاصّة، وتتحزّم بحزام وإلاّ حزامة، وتزيد تلبس قبله صغيرة يقولوا لها فريملة. على راسها دير (تضع) شاشية قطيفة وإلاّ طاصة يعني بالذّهب، وتشدّ عليها هندية وإلاّ منديل. تلبس بُلغَة صفراء وإلاّ حمراء. في تلمسان، النساء يلبسوا بُلغَة كحلاء (سوداء). إذا كانت المرأة عند راجل غاني (زوجها غني) تلبس القفطان متاع المَلْف وإلاّ الغليلة ثاني مَلْف أو قطيفة”.

كسوة الرجال

أمّا عن كسوة الرجال، فيُحدّثنا المُؤلّف قائلا: “الحَضَر فيهم الّي يلبس، كعرب البادية، عباية وقمجَّة ويشتمل كسَا وإلاّ كنبوش، ويشدّ على الكلاح الخيط، ويزيد برنوس وإلاّ زوج (اثنين) بيض (لون أبيض)، والسبّاط والبُلغَة، وفيهم الّي يلبسوا الفاط. الفاط هو السروال وزويجة (اثنين) مقافل وغليلة كل شي مَلْف. ويلبس شاشية تونسي وإلاّ يزيد عليها عمامة وإلاّ تُرباطي. وكان الّي يشتمل فوق الفاط، إذا كان بخير (ميسور الحال)، يشتمل فوق الفاط كسا بالحرير ويزيد برنوس أبيض مبيْدي وإلاّ معمّر، وبرنوس مَلْف، وكاين غير الّي يدير زويجة برانس بيضاء (بُرنُسين باللون الأبيض). لكن كل واحد يلبس على حساب رزقه وكما يحبّ. المساكين (الفقراء والمُعدمين) ما يلبسوا شي كالمُركانْتيَة (الأغنياء). بعض العرب راهم يلبسوا طويل يعني فرانسيس (يلبسون مثل الفرنسيين)، ويزيدوا الشاشية في رحبة البرنْطة (يضعون الشاشية بدلاً من البرنيطة أو القُبّعة)”.

إشارات

قدّمنا بعضًا من نصوص كتاب “الفُلك المشحون بالمُعرَب والملحون” المكتوبة باللّغة العاميّة حتى يعرف القارئ قاموس الناس في ذلك الزمن، وأيضا ليتعرّف على بعض العادات والحرَف والأزياء. ونُشير، فيما يخصّ كسوة الرجال، إلى أن اللباس كان مقياسا للحالة الاجتماعية للرجل ومدى قدرته المادية، وارتداء أكثر من برنوس (ثوب شتوي بالأساس) كان أمرًا عاديا في كل الفصول بما فيها فيصل الصيف الذي تشتدُّ فيه الحرارة. ولبس البرنوس في الصيف كان موجودًا في بعض مناطق الجزائر إلى أوجر القرن الماضي. كما نُشير إلى أنّنا حاولنا شرحنا بعض المفردات العامية، بحسب ما نعرف، ونترك للقارئ أن يُسهم في شرح المفردات الأخرى. وأيضا، نقلنا المفردات كما هي من نصّها الأصلي، ولكننا أستعملنا الترقيم (النقطة والفاصلة) لتسهيل القراءة.

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا