سياحة في “الفُلك المَشحون” (الجزء الرابع)

رغم كُثرة شعراء المَلحون في القرن التاسع عشر، فقد اختار مُؤلّف كتاب “الفُلك المشحون في المُعرَب والملحون” شاعرا واحدا كان مُعارضا للأمير عبد القادر، ووثّق بعض أشعاره، وقدّم لها شروحًا لبعض معانيها ومفرداتها وصلت إلى حدّ القدح في الأمير وتشويه صورته الإنسانية. ونعتقد بأن هذا الأمر هو من الأهداف الأساسية للكتاب المُوجّه للتلاميذ والطلبة الجزائريين في المدارس الفرنسية آنذاك.

قصيدةٌ إلى الأمير عبد القادر

افتتح المُؤلّف “عبد الرحمان محمد” قسم “الشعر الملحون” بمقطع شعري، قال إنه “من قصيدة قدّور ولد مُحمد البرجي الّي قالها على الأمير الحاج عبد القادر”، ثم ذَكر هذه الأبيات (ننقلها حرفيا كما كُتبت):

عيّيْتْ صابرْ وآنراعي فيه الأفْتْصال

يا قريبْ الضحكة وبَعيدْ في رضاك

ما سمعتْ ولا شفتْ القسْيْ كِقسَاكْ

يظنّ فيك الطامع كِمَا بغَى ينالْ

يحبّ قلبك يعفو ويخاف من جفاك

طَراب وجهك وَهَّمني زدت في لَهْبَال

ولا علمت بْمَا ذَاخَر حُقْدْ مَنْ دعَاك

في شرح معنى ومفردات هذا المقطع، قال المُؤلّف: “راه الشاعر يقول للسلطان عبدا القادر، هذا زمان وأنا صابر لظلمك ونراعي فيك واحد النهار وتعطيني الحق أنت الّي دايم منين يشوفك الإنسان تضحك في وجهه ولكن عمرك ما ترضى عليه يعني تسامحه”. ويضيف في شرح المفردات “القسْيْ هو الحقد يعني عمري ما شفت رجل يحقد كيفك. من دعاك يعني من شيطنك عليّ”.

يتجلّى من هذا المقطع الشعري أن المُؤلّف أراد تقديم صورة عن شخصية “الأمير عبد القادر” بأنّه ظالمٌ ذو قلب حَقُود ويبتسم في وجه غيره ولكنه لا يُسامح. ثم يُواصل بإدراج مقطع آخر من القصيدة، ويُقدّم له شرحًا يصف فيه الأمير بأوصاف لا تليق ونَأنَفُ من إيرادها. ونشير بأننا لم نفهم من المفردات ولا من سياق المقطع الشعري، الفَهْمَ الذي ذَهب إليه مُؤلّف الكتاب، وهو ما يُعزّز قناعتنا بأن اختياره لهذا الشاعر الذي كان مُعارضا للأمير عبد القادر، لم يكن يستند إلى القيمة الشعرية أو مكانة الشاعر وعُلوّ مكانته بين الشعراء، ولكن الاختيارَ كان “مُمنهجًا” ومدروسا، وأبعاده تخدم الغايات الاستعمارية الدنيئة.

نُبوءةُ شاعر أم كرامة وليّ؟

يُواصل المُؤلّف في سرد مقاطع القصيدة ويُقدّم لها شروحا ربما لم يقصدها الشاعر تماما، ثم يصل إلى سرد قصيدة أخرى مطلعُها:

يا العاقل لا تفرح – زَعْمْ واش زَهّاكْ

إذا ضحك لك يرجع – بالسُّوءْ دَهْر تَبْدَال

كِمْسَكت أنت هذا – البَرّْ يَمْسْكَك ذاك

ذَكر المؤلّف بأن الأمير عبد القادر تأثَّر بهذه القصيدة، وقال بأن الشاعر وليٌ صالحٌ لأنه استشرف مصيره. كأنما المؤلّف أراد أن يقول إلى التلاميذ والطلاّب بأن الأمير عَرَف مصيره من هذه القصيدة وأنه سينتهي به الأمر إلى سجون فرنسا، بمعنى أن الاستعمار هو قدرُ الجزائريين الذي يجب أن يُسلّموا به، وكل محاولة للثورة ستنتهي إلى الفشل. ويبدو الأمرُ بأنه “غسيل مخ” للتلاميذ الجزائريين في المدارس الفرنسية وقتذاك. قال المُؤلّف: “يحكوا على الأمير عبد القادر، قالوا منين سار للفرنسيس، وجاء في الطريق، ونطق للناس الّي كانوا معه، سالهم إذا كان شي واحد فيهم يعرف هذي القصيدة. قال له واحد منهم: أنا، وبدا يعاود فيها (القصيدة). منين جاء في هذا البيت (البيت الأخير من المقطع السابق)، قال له السلطان: بركة بركة (توقّف)، ولد محمد (اسم الشاعر) كان رجل والي (وَليّ صاحب كرامة) وأنا ما عرفت شي قدره. على خاطر في هذا البيت راه يقول له: لا تفرح شي وتدير العيب، كما حكمت أنت في هذا البَرّ (يقصد الجزائر)، تمشي يحكموا فيك في البرّ الآخر يعني في افرانسة”.

“قَدُّور” عند العرب مثل “كُورْنايْ” عند الفرنسيين

بعد أن فَرَغ المُؤلّف من سرد المقاطع الشعرية التي تقدحُ في “الأمير عبد القادر”، ذَكر اسم الشاعر وقدّم لنا ما يُشبه السيرة الذاتية عنه، وزَعَم بأن مكانته عند الجزائريين تُعادل مكانة “بيار كورناي” عند الفرنسيين، و”كورناي” (1606 – 1684) يُعتبر من كبار الشعراء والمسرحيين الكلاسيكيين، وقد تركّزت كتاباته حول الصراع بين الحب والشرف. قال المُؤلّف “عبد الرحمان محمد”: “قدّور ولد مُحمّد من الشعراء المشهورين الكبار في الكلام الملحون. زاد (وُلِدَ) في نجع البرجية، وكبر فيه وقرا فيه ورجع قايد. لكن الناس شوطنوا بينه وبين الأمير الحاج عبد القادر. قلعه (خلعه أو عزله) السلطان من القيادة وسَمّى في رحبته (مكانه) واحد آخر. وبعد ما عزله خلاّه (تركه) عنده في المحلّة محبوس، ووين ما مشى كان يدّيه (يأخذه) معه. منين انْغبنْ (شَعَر بالغبن) ولد مَحمَّد، بدا يقول في الكلام حتى رجع شيخ ما يطيق عليه حدّ (أحد). كلامه يبغوه (يحبه) الناس على خاطر ما شي واعر ومَعَنته كبير (كلام عميق ومعانيه كبيرة). كل بيت من كلامه رجعت مثال. صاروا الناس يقولوا كِقال ولد مَحمَّد ويذكروا بيت من شعره. حَاصْلُهْ، مقامه عند العرب كمقام الشاعر المشهور كُورْنايْ عند الفرانسيس”.

قَدُّور صار شاعرا في السجن

يُمكننا المُلاحظة، من خلال ما كتبه المؤلف، أن “ولد مَحمَّد” صار شاعرا بعدما قضى زمنًا وهو أسيرٌ لدى “الأمير عبد القادر”، ولسنا ندري في أيّ عمر بدأ في قول الشعر، كما لا نعلم تاريخ ميلاده ووفاته. ومن المصادر التي ذكرته وأوردت نماذج من شعره، هناك كتاب “الكنز المكنون في الشعر الملحون” الذي ألّفه “محمد قاضي” ونُشر سنة 1928، حيث جاء في ذلك الكتاب، حول إحدى قصائده هذا التقديم، “قصيدة للشاعر المفلق ذو فصاحة وبلاغة وشجاعة ومعرفة تامة، اسمه قدّور ولد مَحمَّد، أصله من البرجية بناحية سيق وباريقو عَمَالة وهران، كان رحمه الله في أيّام السيّد الحاج عبد القادر (يقصد الأمير عبد القادر)، مات هذه نحو السبعين أو ثمانين سنة”.

الشعر الشعبي السياسي

ذَكر المؤرخ “أبو القاسم سعد الله”، في كتابه “تاريخ الجزائر الثقافي”، أن الفرنسي ” أوغست كور” نشر مجموعة في “الشعر الشعبي السياسي في عهد الأمير عبد القادر” سنة 1917، “اشتملت على قصائد قدور البرجي (بونقاب). كما ذَكر بأن الشاعر كان “قائدا على البرجية فعزله الأمير لأنه ساند سيدي لعريبي ضده. وكانت موهبته الشعرية عظيمة، فأخذ يهجو الأمير ويعلن خصومته”. ويعتقد “سعد الله” أن هذا هو سببُ سجن الشاعر من طرف الأمير، حيث قال: “ولذلك سجنه الأمير فترة لموقفه المعادي له، ثم تدخَّل أصدقاء الشاعر لصالحه فأطلق الأمير سراحه، ولكنه أبقى عائلته تحت المراقبة. ثم تدخّل الشاعر نفسه وأصدقاؤه من جديد لكي يُسرّح الأمير العائلة فأبى. وأثناء ذلك نظم قدور البرجي قصيدته المشهورة: عييت صابر ونراعي فيك الانتصال … يا قريب الضحكة وبعيد في رضاك (وهي القصيدة التي ابتدأ بها المُؤلّف حديثه عن الملحون)”. ونُشير إلى أن المُؤلّف “عبد الرحمان محمد” لم يذكر قصة الشاعر ولد مَحمّد مع الأمير عبد القادر واكتفى بنقل المقاطع الشعرية التي تُحقّق أهدافه من تأليف كتاب “الفُلك المشحون في المُعرَب والملحون”، وهي أهدافٌ تخدمُ “الرسالة” التعليمية في المدارس الفرنسية.

ماذا قالت مجلة “معهد المخطوطات العربية”؟

من المُجدي التنويه بأن الباحث المصري المُتخصّص في الأدب الشعبي، “إبراهيم أحمد شعلان”، قد نشر دراسةً في مجلة “معهد المخطوطات العربية”، بتاريخ 01 نوفمبر 1999، تحت عنوان “الفلك المشحون بالمعرب والملحون: عرض وتحليل”، فَهمْنا منها أن الباحث قام بتحقيق الكتاب أو جزء منه. وممّا جاء في الدراسة حول الشعر الملحون “ومما أورده المُؤلّف من أشعار قصائد شعبية ملحونة لأحد شعراء الملحون، وهو قدّور ولد محمد، مع ترجمة موجزة للشاعر في عدة سطور.. ولا تدخل هذه الأشعار في باب الهجاء والتَعريض بالأمير عبد القادر، بل تدخل في باب العتاب”، ويُضيف في السياق نفسه: “وتُوضّحُ لنا مجموعة الأشعار هذه قضية هامة، وهي أن الشاعر لم يتعرّض بالغمز لأعمال الأمير عبد القادر ودوره في المقاومة وجمع القبائل وتوحيدها”.

نكتفي بإحالة الباحث المصري إلى ما كتبه المؤرّخ “أبو القاسم سعد الله”، حيث قال: “وكان الشاعر قدور بن محمد البرجي (بونقاب) قائدا على البرجية فعزله الأمير لأنه ساند سيدي لعريبي ضده. وكانت موهبته الشعرية عظيمة. فأخذ يهجو الأمير ويعلن خصومته، فسخر من الأصل الاجتماعي للأمير ومن عائلته، وكونه ابن زاوية وحضريا وتساءل: هل رأيتم أبدا سلطانا خرج من زاوية؟ وهل رأيتم أبدا حضريا أصبح قائدا للعرب؟”.

قراءة جزائرية

تُثمّن “الأيام نيوز” كل جهد عربي يدرسُ التراث الجزائري، مثلما فعل الباحث “إبراهيم أحمد شعلان”، وفيما يختص بكتاب “الفُلك المشحون في المُعرَب والملحون” فقد ارتأت أن تقدّم القراءة الجزائرية للكتاب فحسب.

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا