على ضوء قصة عامل النظافة الذي عبث بالقنوات.. لعبة الاستعطاف تصنع الترندات في سوق الميديا بمصر

منذ أن أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، هي الحاكم الأول في سوق الاتصال وصناعة الرأي العام في مصر، لم تعد ثمة قواعد حقيقية لقياس مدى صدقية ما يُروّج له بشكل واسع ومكثف في سوق الميديا، كما لا يترتب غالبا أي مسؤوليات قانونية أو مهنية، لمن يُغرق مجال الاتصال بمعلومات وصور وفيديوهات، تفتقد لأدنى معايير المصداقية.

والمفارقة أن وسائل الإعلام الكلاسيكية في مصر، لا سيما ما تسمى بالوسائل الثقيلة، كالقنوات التلفزيونية والصحف المطبوعة أيضا، تهرول خلف ما يروج، بحثا عن السبق والإثارة، أو في محاولة لمواكبة ما يتم تداوله على الوسائط الحديثة، عوض الالتزام بالقواعد المهنية التي تفترض التحقق من كل معلومة قبل بثها على جمهورها الواسع، لكن الأدهى من كل ذلك، أن تنجرف الجهات الإدارية والرسمية، مع موجات الميديا الحديثة، في محاولة لتدارك تداعيات الظواهر التي تطفوا على سطح الوسائط، بإجراءات وتدابير معينة.

الترند المفردة السحرية

يرى الدكتور أحمد قطب أستاذ الإعلام، أن: “هذه المعضلة تبدأ بتحوّل وسائط التواصل الحديثة، إلى صانعة للرأي العام، في ظل افتقادها إلى الشروط والأدوات التي تؤهلها للعب هذه الأدوار”.

ويؤكد قطب في حديثه مع «الأيام نيوز»، بالقول: “لا يمكن إنكار الأدوار التي لعبته هذه الوسائط في تحرير الإعلام من التكلس في دائرة معينة، والاهتمام بتغطية الأحداث والأخبار الرسمية فقط، وقد ساهم ظهور هذه الوسائل في توسيع دائرة الاهتمام، بما يمكن تسميته الإعلام البديل الذي يهتم بما تغفل عنه الوسائل التقليدية”.

ويستطرد قطب قائلا: “لكنّ كلفة هذه الوسائط أضحى كبيرا وباهظاً، حيث لا يتمتّع الناشطون في هذه الوسائط بالحد الأدنى من المعرفة، كما لا يهتمون كثيرا، بمدى مصداقية ما يروج، لأن الهدف النهائي بالنسبة لهم هو تحقيق أعلى نسبة ممكنة للمشاهدة”، وبالتالي فهم لا يلتزمون ـ يقول المتحدث ـ “بأي قواعد، بل قد يتعمدون كسر القواعد الراسخة، من أجل تحقيق الرواج أو صنع ما أضحى يعرف بالترند، لأن ذلك يتحول تلقائيا إلى مكاسب مالية لقنواتهم على الشبكة العنكبوتية”.

النجم المزيّف

وفي تعليقه على الحادثة الأخيرة، لأحد عمال النظافة، الذي أدعى أنه تم منعه من شراء وجبة من إحدى المطاعم القاهرية الشهيرة، بسبب ارتداءه الزي الخاص بالهيئة العامة للنظافة، وكيف تحوّل هذا الشخص إلى ترند، بعد بثّ شكواه في إحدى صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يصبح نجما في برامج التوك شوز، على القنوات الفضائية، وقد تم استضافته لدى بيوت بعض الفنانين كنوع من التضامن، يقول أستاذ الإعلام أحمد قطب معلقا: “لعل هذه الحالة تعد من أهم النماذج التي مرت علينا كمتابعين لمجال الإعلام والاتصال، ويمكن بالفعل تقديمها كنموذج للترند المزيف، بل المفبرك بسابق علم وترتيب”.

ويوضح «قطب» رأيه بالقول: “لقد كشفت كاميرات المراقبة لاحقاً، أن العامل اشترى وجبته، من منفذ الـTake away، إلا أنه تعمّد خلافا للقواعد المعروفة، أن يتناول وجبته داخل المطعم، وهنا من حق عمال المعمل أن يعترضوا لأن تناول الوجبة داخل المطعم، يفرض عليه تكاليف الخدمة والضريبة، لكنه رفض الانصياع لذلك وعندما تم إخراجه ادعى أن طرده من المطعم ناتج عن ارتداءه لزي النظافة”.

ويؤكد «قطب» ـ المتخصّص في الإعلام ـ أن المشكلة ليس في الادعاء الكاذب الذي صاغه العامل البسيط فقط: بل في أن “أحدهم استغل الحالة، ورتّب لها بشكل جيد، لتقديمها في سياق مختلف عبر فيديو تم تصويره أمام المطعم، وترويجه بشكل واسع من خلال موقع صحيفة”، ويضيف المتحدث: “أن الإعلام الثقيل انجرّ خلف هذه السردية المفبركة، دون إجراء أي تحقيق موضوعي، لأطراف القضية، وجعلوا من العامل والمصوّر ـ الذي قيل إنه صحفي ـ نجوماً على القنوات الفضائية”.

وفي تعليقه على تعاطي عددا من الفنانين مع هذه الحالة سواء عبر استضافة العامل، أو كتابة تغريدات تُدين المطعم، أو إطلاق الوعود بتوفير عمل كريم للعامل، يقول قطب: “هؤلاء الفنانين هم ضحايا السردية الكاذبة، ولا لوم عليهم، بل بالعكس ما قاموا به يُعدّ نوعا من التفاعل الايجابي، وفعلا من أفعال التضامن الاجتماعي مع حالة رأوا أنها تستحق التضامن وفق سياق الخبر الذي بلغهم.

ومن يتحمل مسؤولية التحقّق من صحّة المعلومة ـ يضيف المتحدّث ـ هي الصحيفة ووسائل الإعلام الأخرى التي تناولت المسألة، وليس المتضامنين سواء كانوا فنانين أو أشخاصا عاديين”، مستطردا: “لكن، في ذات الوقت لا يمكن إغفال أن هدف جزء من هؤلاء المشاهير أيضا قد يكون ركوب موجة الترند، وتحقيق مزيدا من الشهرة والرواج، لمن لا تقع عليهم مسؤوليات قانونية أو مهنية”.

الفرق بين الترند الحقيقي والمصنوع

من جهته يرى الناقد المختص بتفاعلات مواقع التواصل الاجتماعي، ومدير موقع إعلام دوت كوم، محمد عبد الرحمن: “أن الترند الطبيعي ـ حتى لو كان سلبيا ـ من حيث موضوعه أو سياقه، فإنه يستغرق بعض من الوقت، للتحوّل إلى ترند فعلي، فغالبا يبدأ من صفحات عادية لأشخاص ينشرون مواد، فيتم تداولها على نطاق واسع، من قبل متابعين آخرين، وتبدأ عملية الـshare والمشاركة، لتشمل بعض المشاهير، إلى أن يجد طريقه للإعلام والقنوات ويصبح حديث الساعة”.

ويفرز «عبد الرحمن» بين الترند الطبيعي والمصنوع، في إفادته لـ«الأيام نيوز» بالقول: “ما حدث في قضية العامل أن الخبر انتشر أساسا من صحيفة بعينها، دون تقديم دليل على حالة الطرد ذاتها، إذ يبدأ الفيديو المنشور من الشكوى التي يقدمها العامل أمام المطعم، بينما لم يقل الصحفي هل شاهد الموقف أساسا بنفسه؟ ولماذا لم يتم تصويره؟ وعما إذا كان هناك شهود على هذه الواقعة التي ينقلها ويتبناها كما لو كان شاهدا عليها، لذلك منذ البدء كانت القصة وانتشارها مريباً بالنسبة للمتابعين المتخصّصين”.

ويصف «عبد الرحمن» الواقعة بأنها: “مختلقة تماماً لخلق ترند، سواء من قبل عامل النظافة أو ناشر الخبر”، مبرزا سبب التفاعل الكبير الذي وجده الخبر من قبل المغردين بالقول إن “هذا النوع من الترندات المصنوعة تلعب على عاطفة المتابعين، وتخاطب مواقع ضعفهم، باعتبار أن الجمهور غالبا ينحاز للضعيف، أو من يصور له أنه ضعيف”.

ويلاحظ عبد الرحمن أن ثمة نقاط ايجابية في هذا الترند المختلق يتمثل في أن: “سرعة اكتشافه بدت توازي سرعة انتشاره، حيث علق الكثير من الناشطين منذ البدء بالتشكيك بالرواية، لأنها لم تقدم المعهود من الأدلة كتصوير الواقعة، وتقديم شهادات الناس”، مضيفاً “إن الناس في ظني أضحت أكثر وعياً الآن في فرز المختلق من الحقيقي”.

ويعترف المتحدّث المتخصّص في الوسائط الحديثة أنه: “بالرغم من ظهور أدلة قاطعة على عدم صحة الرواية، سيبقى بعض ممن يصدقها، إما لأنها تلامس مشاعرهم أو لأسباب أخرى”، ويقرأ عبد الرحمن ظاهرة الترندات “بأنها ذات حدّين فمن جهة تؤكّد قوّة التأثير التي أضحت تتمتع بها وسائط الاتصال الحديثة أو الكلاسيكية، ومن الجهة الأخرى، فإن بعض الترندات المصنوعة والمفبركة قد تسبب أضرارا كثيرة، من قبيل إغلاق المطعم المذكور، كإجراء احترازي دون التأكد من صحة الخبر.

محمود أبو بكر - القاهرة

محمود أبو بكر - القاهرة

اقرأ أيضا