عندما كادت تُحكم باريس من الجزائر في عز الثورة.. قصة محاولة الانقلاب على ديغول بسبب الجزائر

الحلقة الثانية من وثائقي “كانت الحرب في الجزائر” الذي بثته القناة الفرنسية الثانية كانت مثيرة حقا، بسبب ما تضمنته من أحداث لم يسبق للعامة من الجزائريين أن اطلعوا عليها.

المثير فيها أن نجاح الثورة الجزائرية وتصميم قادة الجهاد على المضي في الحرب ما لم يتم الاستجابة لمطالبهم الأساسية والمتمثلة في الاستقلال دون شروط، أشعلت فتيل الحرب بين الفرنسيين أنفسهم، بسبب تباين الرؤى في التعاطي مع جبهة وجيش التحرير الوطني.

وكما يعلم الكثير من المؤرخين أن الثورة الجزائرية وتداعياتها على المستعمرة السابقة، أدت إلى إسقاط الجمهورية الرابعة ومجيء الجمهورية الخامسة، وخلقت أزمات حادة داخل المجتمع الفرنسي، قادت إلى الاستنجاد بالجنرال شارل ديغول، لقيادة فرنسا للخروج من الورطة التي انزلقت إليها في الجزائر.

كان وصول ديغول إلى السلطة في فرنسا، هدفه واحد وهو معالجة قضية “الحرب في الجزائر”، التي باتت تهدد استقرار الدولة الفرنسية ومؤسساتها في عقر دارها، وقد وصل سدة الحكم مدفوعا بتوهجه السياسي الموروث من الحرب العالمية الثانية، ونجاحه في تحرير بلاده من ألمانيا النازية، ولذلك كان حمله ثقيل.

غير أنه ووفق ما جاء في الحلقة الثانية من الوثائقي، فإن ديغول لما وصل إلى السلطة وبدأ يقف على حقيقة ما يحدث في الجزائر بعين المسؤول وليس المواطن العادي، ارتبك واحتار في التعاطي مع هذه القضية، فقد جرّب الحديد والنار من خلال تصعيد الحرب وإقامة خطي شال وموريس على الحدود الشرقية والغربية للبلاد، كما جرب الدبلوماسية بحيلها ومناوراتها من خلال بعض التصريحات مثل “سلم الشجعان”، وكذا عبارته الشهيرة “لقد فهمتكم”، غير أن كل تلك التدابير والمناورات انتهت إلى طريق مسدود.

لم يكن وصول ديغول إلى سدة الحكم في باريس عاديا، فقد جاء عن طريق عملية عسكرية قيصرية، كما صورها الوثائقي، قام بها جنرالات في 13 ماي 1958 مثل راؤول سالان وادموند جوهو وجاك ماسو، مدعومين بقائد الأسطول البحري في المتوسط، فيليب أو بوينو، والحاكم العام للجزائر الجنرال جاك سوستيل، الذين فرضوا على الرئيس الفرنسي حينها، ريني كوتي، تعيين ديغول رئيسا للحكومة، وقد تمكنوا من السيطرة على الجزائر، وطار المظليون إلى كورسيكا وسيطروا عليها وكادوا أن يصلوا إلى العاصمة باريس، لولا التجاوب مع مطلبهم.

ويشير الوثائقي، إلى أن ديغول بدأ يفكر في كيفية الخروج من الجزائر بأخف الأضرار مع الحفاظ ما أمكن على مصالح بلاده في المستعمرة المتجهة حتما نحو الاستقلال وشرع في مفاوضات مع قادة الثورة.

هنا دخل الجنرال الفرنسي المنطقة الحمراء، وفق ما رآه غلاة الجزائر فرنسية، وهم في عمومهم من الأقدام السوداء والكولون المنتفعين من خيرات الجزائر الوفيرة، فضلا عن بعض الجنرالات الذين يعملون في الجزائر، فقرروا الوقوف في طريقه بكل السبل، لأن أيا منهم لم يكن يصدق أن تخسر فرنسا الجزائر يوما ما.

والغريب في الأمر هو أن بعض من جاؤوا بديغول هم الذين اعترضوا على التفاوض مع الحكومة الجزائرية، على غرار كل من راؤول سالان وادموند جوهو، فضلا عن إثنين آخرين وهما شال وأندري زيلر، وقد باتوا أقرب إلى الإطاحة بالجنرال دي غول في 22 أفريل 1961، لولا عدم تعاون بعض القيادات في الجزائر .

في البداية قرروا السيطرة على الجزائر ثم الانتقال إلى باريس، غير أن قادة العسكر في كل من قسنطينة ووهران رفضوا التعاون مع الجنرال شال، قبل أن تكشف المخابرات المخطط ويفشل الانقلاب، ويفر قادته إلى إسبانيا وهناك أنشأوا منظمة الجيش السري الإرهابية (oas)، التي ولغت كثيرا في دماء الجزائريين.. فيما كان هذا الانقلاب يمكن أن يقود إلى حكم باريس من الجزائر لو نجح.

غسان ابراهيم

غسان ابراهيم

محرر في موقع الأيام نيوز

اقرأ أيضا