فلسطين تحتاج أكثر من الخطابات المنمّقة.. غزة تنتخب ضدّ أردوغان في تركيا

دون أية خطابات منفوخة بلاغيا، انخرطت الجزائر في معركة دبلوماسية شرسة واجهت من خلالها القوى المتحالفة مع الكيان الصهيوني، وتكلّلت جهودها الحثيثة والمتواصلة – بمجلس الأمن الدولي – باستصدار قرار لفائدة الشعب الفلسطيني، بعد أن وقفت وجها لوجه في مواجهة ساخنة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومن جهة أخرى، فإنّ جنوب إفريقيا خاضت معركة قانونية ضدّ الكيان الصهيوني حين جرّته إلى محكمة العدل الدولية وأثبتت عليه – هناك في لاهاي – تهمة ارتكاب “حرب إبادة جماعية”، لكنّ تركيا التي طالما استثمرت في القضية الفلسطينية واحتكرتها لخدمة مصالحها، استمرت – لوقت ما – في إطلاق الخطابات المنمّقة، ثم أصابها خرس رهيب لم تستفق منه إلا على دوي صفعة وجّهها الشعب التركي للرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات المحلية التي جرت يوم الأحد.

وبما أنّ هذه الانتخابات في تركيا جرت بالتزامن مع مستجدات “حرب الإبادة” التي يواصل جيش الاحتلال الصهيوني ارتكابها في غزة، منذ ستة أشهر، فقد وجد أردوغان نفسه مجبرا أن يتّخذ مواقف عملية لفائدة الشعب الفلسطيني، حتى يحافظ على ما تبقى من مصداقيته، إذ اعتاد هذا الرجل – الذي حكم تركيا لأكثر من 21 عاما – الاستثمار في القضية الفلسطينية من خلال أداء مواقف استعراضية مدجّجة بالبلاغات اللغوية دون أفعال تليق بسمعة بلاده ومكانتها بين الدول.

وألقى أردوغان مساء الأحد، كلمة أقرّ من خلالها بخسارة حزبه الانتخابات المحلية، أمام تجمع جماهيري عند مقر حزب العدالة والتنمية الحاكم بالعاصمة التركية أنقرة، قال فيها: “الشعب التركي أوصل رسالته بوضوح إلى السياسيين”، وتابع: “مع الأسف لم نتمكن من الحصول على النتيجة التي نريدها بهذه الانتخابات، بعد نحو 9 أشهر من انتخابات الرئاسة والبرلمان، العام الماضي”، وتعهّد أردوغان بتقييم النتائج وإجراء محاسبة داخلية.

وتبدو المعارضة قد حافظت على مخزونها الانتخابي فيما أنصار أردوغان انقلبوا عليه، على اعتبار أنّ أغلبهم ممن تتحرق قلوبهم على مآسي غزة المكلومة، وقد صدمتهم السلبية التي تعامل بها، إذ تطغى على خطاباته كلمات لا توحي بأفعال محدّدة، كما هو الأمر حين قال – في أوائل مارس الفارط – “تركيا تفعل ما بوسعها من أجل غزة وفلسطين”، وأضاف “ستواصل ذلك”، وهو تعبير يحيل إلى “مواصلة” فعل لم يتم تحديده، بما يعني أنّ تركيا ستواصل ما فعلته، ولكن: “ماذا فعلت تركيا”. الإجابة: “فعلت ما بوسعها”.

وأكمل أردوغان: “إلا أنّ حل المشكلة يعتمد على تأسيس وحدة تفاهم فعّالة وحازمة على المستوى الدولي”، وهي جملة ممطّطة ومشحونة بالمغالطات، فما يحدث في فلسطين ليس مشكلة بل “حرب إبادة جماعية”، كما أنّ هذا الاصطلاح (تأسيس وحدة تفاهم فعّالة وحازمة على المستوى الدولي)، يبدو مثل عبارة مشكلة بالذكاء الصناعي، فلو حذفنا الجزء الأخير منها  (على المستوى الدولي)، ستصبح العبارة كالآتي: “تأسيس وحدة تفاهم فعّالة وحازمة”.

ووفق مفاهيم العلوم السياسية، فإنّ العبارة سالفة الذكر تعني الآتي: “إنشاء آلية أو هيكلية تسمح بتحقيق التوافق والتفاهم بين الأطراف المختلفة بشكل فعّال وقوي، إذ تكون هذه الوحدة أداة قادرة على اتخاذ القرارات بثبات وحزم، وتطبيقها بشكل فعال لضمان تنفيذ الاتفاقيات والقوانين والتوجيهات المتفق عليها”.

وهو ما يشير إلى أن أردوغان يطمح لإيجاد آليات دولية ستسمح في المستقبل بإيجاد حلول بين القاتل الصهيوني وشهداء المجزرة من أطفال ونساء غزة. وقال أيضا: “هناك حاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى ليكون العالم الإسلامي جسدا واحدا تماما مثل لبنات جدار”، وهو طموح شاعري حالم مشحون بترف لغوي لا مكان له في السياسة.

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات البلدية التركية 78.11%، بحسب ما أعلن رئيس الهيئة العليا للانتخابات في البلاد، أحمد ينير، أمس الاثنين، وأضاف ينير أنّ حزب الشعب الجمهوري فاز بـ35 بلديةً، في مقابل 24 بلديةً لحزب العدالة والتنمية. وفي هذا الإطار، أعلن رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، المنتمي إلى “الشعب الجمهوري”، احتفاظه بمنصبه الذي يشغله منذ عام 2019.

وفي أنقرة، أعلن رئيس البلدية المنتمي إلى “الشعب الجمهوري” أيضاً، منصور يافاش، احتفاظه بمنصبه بينما كان فرز الأصوات لا يزال جارياً. وفي إزمير، معقل حزب الشعب الجمهوري، وأنطاليا حيث بدأ أنصار المعارضة يحتفلون بالنصر في الشوارع، أشارت النتائج إلى أنّ الحزب المعارض سيحقق الفوز.

في المقابل، تقدّم مرشحو حزب العدالة والتنمية الحاكم في العديد في مدن الأناضول الكبرى (قونية، قيصرية، أرض روم) والبحر الأسود (ريز، طرابزون)، فيما تم توقّع فوز مرشحي “حزب الشعوب الديموقراطي”، الموالي للكرد، في كبرى مدن الجنوب الشرقي ذات الغالبية الكردية، وأبرزها دياربكر.

وبعد إغلاق صناديق الاقتراع، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إنّ “إرادة الشعب التركي تجلت في الصناديق”، مضيفاً أنّ حزب العدالة والتنمية “سيقيّم النتائج بقلب مفتوح وسيجري محاسبةً داخلية”.

حميد سعدون

حميد سعدون

اقرأ أيضا