قُصَاصَاتُ لاجئة (10)

تُعرف الشاعرة الفلسطينيَّة “نهى شحادة عودة” في المجتمع الأدبي العربي باسم “ياسمينة عكَّا”، أبصرت النُّور في مُخيَّمات اللاَّجئين في لبنان ذات يومٍ مُندسٍّ بين أعوام ثمانينيات القرن الماضي، وتعود أصُولها إلى قرية شَعَب في قَضاء عكّا بفلسطين.. هي ناشطة ومناضلة من أجل الحفاظ على الثقافة والذاكرة الفلسطينيَّة وضمان توريثها لأجيال اللاّجئين.. نشرت رواية واحدة وعددًا من الدواوين الشِّعرية، وخصَّت جريدة “الأيام نيوز” بمجموعة من القصاصات التي تستحضر فيها حكايات جدَّتها عن كوابيس التَّهجير، ومآسي الرحلة نحو المجهول، وأحلام العودة إلى أرض فلسطين.. وتقتنص بعض الأقاصيص والمواقف والمشاهد من طفولتها، ومن تفاصيل حياتها اليوميَّة في مخيَّمات اللاجئين..

لم يعش اللاَّجئون بمَأمنٍ قطُّ، فعدوُّهم الصهيوني يتربَّصُ بهم في كل مكان، ويخافهم أينما كانوا في داخل فلسطين أو خارجها. هكذا كُتِب على الفلسطيني أنْ يُناضل في كلِّ مكان، أنْ يلقَى ربَّه شهيدًا مُدافِعًا عن أرضه وعِرضه بكل الوسائل..

بعْدَ عِدَّة أعوامٍ من الحياة في المُخيَّم، اعتقدَ اللاَّجئون أنَّ آلةَ الموت قد صارتْ بعيدةً عنهم، ولكنَّ الحروب بدأتْ تتجدَّدُ تحت مُسمِّياتٍ أخرى، غيْر أنَّ الضحايا كان أكثرُهم من أهالي المُخيَّمات، وتجدَّدتْ حكايةُ التَّدمير والتَّشريد.. كان حُلم العودة يبتعدُ أكثر فأكثر، والعدوُّ الذي هجَّر الفلسطينيين من أرضهم، امتدَّتْ يدُه الإجراميَّة إلى مُخيَّمات اللُجوء في لبنان.

تجدّدتْ مشاعرُ الخيْبة والانكسار وفقدان الثِّقة في الضَّمير العربي والعالمي. كما تجدَّدت التساؤلات الكُبرى: لماذا يدفعُ الفلسطينيُّ نيابةً عن الإنسانيَّة ثمَن جنون الصُّهيونيَّة العالميَّة؟ لماذا يكون الشعب الفلسطينيُّ وحدَه دون شعوب كل العالم قُرْبانًا للشيطان المُتجسِّد في الصهيونية وقوى الشَّر للدُّول التي يُقال عنها كُبرى وديمقراطية وحامية للإنسانية وحقوق الإنسان؟

لم يعُدْ هناك خياراتٌ أخرى في الحياة، فهي تضيِّقُ الخناقَ على العائلة اللاَّجئة بأكْملها، فقدْ ازداد عددُ أفرادها، وبدأتْ مسؤوليتها تكبر وتكبر، وصار الخوفُ من الفَقْد هاجِسًا وكابوسًا يوميًّا، وذلك بوجود الأحفاد، وصعوبةِ “الهروب” بهم من لجوءٍ إلى لجوءٍ آخر، ولم يكن هناك أرضُ لجوءٍ أخرى إلاَّ البحر.. فلا أرضَ تحتملُ اللاَّجئينَ إلاَّ أرضُ الوطن.

ليس هناك لغةٌ تستطيع وصْفَ صُراخِ أطفالٍ يستدرُّون الحليب من ثديِ أمٍّ مَسكونةٍ بالرُّعب تحت وقْع دويِّ القذائف والرَّصاص والصَّواريخ.. وليس هناك كلمات تستوعبُ معاني دموعٍ جارحةٍ على وجهِ شيخٍ لا يمتلك من أمره شيئًا، عاش مِشوار الفجيعةِ مَشْيًا على قدميْه، وما كاد يسترجعُ أنفاسَه لبعض السنِّين، حتى تجدَّدتْ مشاهدُ الموت وهو يُطارد أحفادَه في الأزِقَّة..

ما بين حرب وهدنة، وإعادة إعمار من جديد، في محاولة أخرى للحياة، كان الفَقْدُ كبيرًا جدًّا. والشَّتاتُ أعلن هذه المرَّة مرحلةً جديدةً، حيث توجَّهَ جدِّي إلى ألمانيا باحثًا عن رزْقٍ لا تُحرِقه نيرانُ الحربِ التي تتجدَّد، أو الرُّكود الاقتصادي لوطن اللُّجوء الذي تُقيم فيه عائلته.. إثنَان من أخوالي تبعَاه إلى ألمانيا لبناءٍ حياةٍ جديدةٍ، بينما توجَّه آخرُ إلى دولةٍ في الخليج العربي، بينما بقِيَتْ جدَّتي واثنين من أخوالي في مُخيَّمات اللاَّجئين.. بقِيَتْ مع زوجة أخيها المُتوفِّي، وأحفادها الذين يُخفِّفون عنها تشتُّتَ عواطفها بين مشارق الأرض ومغاربها..

ما بين عام 1982 وعام 1985 دارتْ الحياةُ دوراتٍ كثيرةٍ وعنيفةٍ ومُمِيتةٍ، ولم يهدأ بالُ الفلسطيني اللاَّجئ، ولا حتى اللُّبناني صاحب الأرض، ولم تطِبْ لهم معيشةٌ، حيث القلقُ هو سيِّدُ الموقف.. ودعوني أحدِّثكم عن حكاية خالي الأكبر “صالح”، لم يكن قد بلغ الأربعين من عمره بعد، وله خمسةُ أبناءٍ يرى في عيونهم أملَه في المُستقبل، وكان مُستقِرًّا في عملٍ ضمِن له توفير حاجيات عائلته. وذات صباحٍ من صباحات العيد، اصطحبَ أبناءَه الخمسة في سيَّارته، أربعةُ أبناءٍ في المقاعد الخلفيَّة، وابنه الأصغر كان في حُضنه، وإذا برصاصة غادرةٍ تخترقُ ابنَه ثم تخترقه، فتطيرُ روحيْهما في سماوات الشَّهادة، وأمَّا بقيَّة الأبناء فقد أصِيبوا وكانتْ حالة “ريما” هي الأكثر حَرَجًا..

نزَل الخبرُ على جدَّتي مثل الصَّاعقة فشطَر روحَها إلى نصفين، فخالي “صالح” هو بِكرُها وأوَّلُ فرحتها وعزْوَتها وسَنَدها في اللُّجوء.. “صالح” الشاب الذي اتَّسم بالوسامة والطُّول والسَّمار الفلسطيني، صاحب العيون الخضراء وصاحب الطَّلة البهيَّة، يرحلُ فجأةً برصاصةٍ غادرةٍ، ويرحلُ معه أصغرُ أبنائِه. هكذا كان قدرُ جدَّتي أن “تهرب” من الموت بالرَّصاص الغادر في أرضها الفلسطينيَّة، فشيَّعتْ ابنها البِكْر وحفيدها الأصْغر شهيديْن قطفتْ روحَيْهما رصاصةٌ واحدةٌ غادرةٌ في أرض اللُّجوء.

بعد استشهاد خالي الأكبر، انتقلَ الخالُ الوحيد الذي بقِيَ في لبنان عام 1985، ليعيش مع جدَّتي وأحفادِها أبناءُ “صالح” الشَّهيد، في قرية “وادي الزينة”، وهي تجمُّعٌ فلسطيني انتقلتْ إليه عائلات فلسطينِيَّة كثيرة من مُخيَّم “شاتيلا”. وأعترفُ بأنَّ الحياةَ ابتعدتْ عن كوابيس الحرب والخوف من الدَّمار والرصاص الغادر منذ ذلك التَّاريخ، وأعترفُ بأنَّ خالي كان الأنموذج الأمثل للفلسطيني الأصيل الذي تحمَّل مسؤولية عائلةٍ كبيرةٍ، وظلَّ سَنَد جدَّتي ومفتاحَ سعادتها إلى أنْ تغمَّدها اللهُ برحمته، وغادرتْ دنيا النَّاس ولكن حُلم العودة إلى قريتها “البروة” في فلسطين لم يُغادرها أبدًا، وقد ورَّثَتْه لأحفادُها، وسيورِّثونه إلى أحفادهم، لأنَّ القضيَّة الفلسطينيَّة ابتدأتْ “رسميًّا” في 1948، وسوف تجدُ حلَّها النِّهائيَّ يومَ تطهيرها من الدَّنَس الصهيوني، ولا غير هذا.

الشاعرة الفلسطينية نُهَى عُودة

الشاعرة الفلسطينية نُهَى عُودة

اقرأ أيضا