كِتابٌ من “فيّينا” عام 1844.. صورةٌ شمسيَّةٌ جزائريَّةٌ (الجزء الثاني)

“صورةٌ شمسيَّةٌ جزائريَّةٌ” للرَّحالة “آدولف شترال” كأنّمَا هو مُجلّةٌ في كتاب، فهو يتضّمن معلومات جغرافية وتاريخية وحكايات وأساطير ورَصْدُ مشاهدَ من واقع حياة النّاس.. ولا يخلو من بعض “الألغام” المبثوثة في ثناياه التي تُشوِّه صورةَ الجزائري في عيون القرَّاء الأوروبيين، ومن ذلك هذه المقولة الظَّالمة “لا يوجد من يفُوق الجزائريَّ في تعاطيه للنبيذ، فهو لا ينقطع عن تناول الخمر إلاَّ عندما يفْقد الشرارةَ الأخيرة من وعْيه”.

يُواصل الدكتور “أبو العيد دودو” عرْض كتاب “صورةٌ شمسيَّةٌ جزائريَّةٌ” الذي ترْجمَه عن اللغة الألمانية، ونشَر مقالةً حوله في مجلة “الأصالة” الجزائرية في الأول ماي 1971، دونَ أنْ يُعلِّق على مضمون الكتاب وما احتواه من معلومات وحكايات وأساطير، وذلك لوضْع القارئ في مواجهة الكاتب دون تأثيرٍ من “الوسيط”. والغايةُ هي تقديمُ أنموذج للذين كتبوا عن الجزائر في العقود الأولى للاحتلال، ورسْمُ صُوَرٍ للجزائر ومُجتمعها في ذلك الوقت.. وتواصل “الأيام نيوز” عرض مقالةٍ الدكتور “أبو العيد دودو” كما نشرها، مع بعض التَّصرُّف أحيانًا..

‎‏نبذة عن تاريخ الجزائر

يتحدَّثُ المؤلِّف في هذه الدراسة عن أهمية الجزائر وكِبر مساحتها وحدودها، ثم يُعدِّد أسماءَ أبطالها والدَّور الذي لعبوه في تاريخ الجزائر القديم، ويذكر الدولَ المختلفة التي تعاقبتْ عليها خلال العصور الطويلة. ويُنهي هذه النبذة بالحديث عن سنوات الاحتلال الأولى.

‏مملكةُ النَّباتات في الجزائر

تحت هذا العنوان يتحدَّث المؤلِّف عن طبيعة بلاد الجزائر، ويُشير في مقدّمة مقاله إلى أنَّه لا تكادُ تُوجدُ في نواحي الجزائر نبْتةٌ واحدةٌ غير صالحةٍ للأكل أو للتجارة أو للاستغلال في المعامل. وأنَّ الأرضَ الجزائرية تتمتع بحيوية فريدة تُمكِّنُها من احتضان نباتات كلٍّ من أوروبا وأمريكا دون عناية خاصة! ثم يذكرُ الأشجارَ المختلفةَ والثِّمار المتنوِّعةَ التي تنشر عطورها وروائحها الزكيَّة في اتجاه أشعَّة الشمس الرائعة. ويؤكد أنَّ لكل شهر براعمُه وثماره، وأنَّ نتاج الأرض الخصِيبة لا ينقطع أبدًا بصورة تامة. إنَّ المؤلف في مقاله هذا يُمجِّد خصوبةَ الجزائر وما تقدِّمه لأهاليها من خير ونعمة وعطاء.

‏الجزائر في صورتها الحالية

‏يحاول “شترال” في هذا المقال أنْ يُقدِّم صورةً عن الجزائر بعد الاحتلال، فيتحدث عن بعض الصِّناعات الوطنية ويصفها بأنَّها لم تتعدَّ بَعْدُ مرحلةَ الطفولة. ثم يشير إلى ما طرأ على طبيعة الجزائريين من تحوُّلات بفعل احتكاكهم بالدَّخيل الأجنبي. من ذلك أنَّه لا يوجد من يَفُوق الجزائريَّ في تعاطيه للنبيذ، فهو لا ينقطع عن تناول الخمر إلاَّ عندما يفقد الشرارةَ الأخيرة من وعيه!

وبعد هذا يرسمُ المؤلِّف صورةً للجزائر ببناياتها الجديدة، وشوارعها الحديثة، وطُرق مواصلاتها، وحركتها المعمارية المتزايدة التي تجعلُ الإنسانَ يشعر بأنه يعيش في مدينة أوروبية.. ومنجزاتها بعد ثماني سنوات مِنَ الاحتلال.

حمَّام حَضَري

يتحدَّث المؤلِّف هنا عن تجربة دخوله الحمَّامَ، فيصِف داخلَه وجدرانه المُغلَّفة بالمَرْمر، وغرفه، وزُوَّاره، وعملية الاستحمام من أوَّلها إلى آخرها. ويحلِّل مشاعرَه تجاه كل ما شاهده واختبره جسمًا وعقلاً لأوّل مرّة.

حضَرِيَّات الجزائر

يتناول “شترال” في هذا المقال بعض مظاهر المرأة الجزائرية، ويُقدِّم وصْفًا لحياتها المنزلية، وخروجها لحضور الحفلات الدينية التي كانت تقام يوم الأربعاء من كل أسبوع، أو لزيارة قبور الأولياء، وللثِّياب التي ترتديها في مثل هذه المناسبات، ويستعرض حتى الحركات التي تصدرُ عنها عندما تريد لفْتَ الأنظار إليها أو تُعرِّف بنفسها، أو تُظهر رشاقة قوامِها بشكل مُعيَّنٍ.

سهْلُ متِّيجة

يعود المؤلف إلى تمجيد الطبيعة الجزائرية، فيتصوَّر سهْل متّيجة حِزامًا فاخرًا تحْتزِم به منطقةُ الجزائر تارةً، ويتصوَّره في بعض فصول السنة بساطًا أخضرَ تُطرِّزه الأزهارُ والورود تارةً أخرى. ويرى في آثار الضِّياع والقنوات ما وصل إليه سهلُ متيجة من ازدهار وعمران خلال العهود الماضية.

وينفي ما ذكَرَه البعضُ مِن أنَّ سهل متِّيجة كان حتى وقت غير بعيد مرعى لقطعان العرب لا غير. وبالتالي يصف الضجَّةَ التي قامتْ حول متِّيجة بعد الاحتلال، وذاك حين أراد كلُّ مُعمِّر أن يكون له نصيبه في خِصْبها وتربتها المعطاء!

‎قبر الرُّوميَّة

‎يصف “شترال” موقع هذا الضَّريح، ثم يروي الأسطورة التالية: ‏قبل زمن طويل كان يعيش بين أفراد قبيلة حجوط، رجلٌ سعيد يُدعى يوسف بن القاسم، وكانت امرأته جميلةً خَيِّرَةً، وكان أبناؤه في صحة وعافية، يدينون له بالطاعة. وكان هو نفسه محاربًا شجاعًا ولكنه وقَع، رغم شجاعته هذه، أسيرًا في أيدي النَّصارى، فأخذوه إلى بلادهم وباعوه رَقيقًا. وكان سيِّدُه رفيقًا به. ومع ذلك فقد كان يوسف يشعر بشقاء كبير، وما أنْ يتذكَّر ما فقده حتى تنهر الدموع من عينيْه.

‏وذات مساء، اشتدَّ به الحزنُ بعد انتهائه من عمله، فجلس تحت شجرة وأخذ يناجي نفسه قائلا: “ويْلاه! من سيزرع حقلي في الوقت الذي أزرع فيه أنا هنا حقل غيري؟ وما هو مصير زوجتي وأطفالي الآن؟ ‏ هل سأحرَمُ من رؤيتهم مرَّةً أخرى، وهل سأنهي حياتي بين الغرباء؟”

وبينما هو في مناجاته هذه، رأى ساحرا مُقبلاً نحوه. ولما اقترب منه، قال له: “من أيّة قبيلة أنت أيُّها العربي؟”. يوسف: “أنا حجوطي”. الساحر: “‎‏لا بد أنك تعرف ضريح قبر الرُّوميَّة”. يوسف: “أوّاه! إنِّي لأَعرفه معرفة جيدة‎، إنَّ منزلي الذي تركتُ فيه كل هو عزيز عليَّ يقَعُ بعد ساعة من ذلك الضَّريح”. الساحر: “أَتريد أن تعود إلى أهلك”. يوسف: “أتسألني هذا السؤال؟ ولكن لِمَ الحديثُ عن أمر لن يكون أبدًا!”. الساحر: “إنَّ ما سآمرك به ليس أمرًا مستحيلاً، في إمكاني أن أفتح لك طريقَ العودة إلى الوطن، وأقودك إلى أسرتك، ولكني أطلب منك في مقابل ذلك عملاً، فهل أنت على استعداد للقيام به؟”. يوسف: “تكلَّم وكُنْ على يقين من أنّي سأفعل كل شيء من أجل الوصول إلى أسرتي. أنا على استعداد للقيام بكل ما يُرضي ضميري”. الساحر: “كن على اطمئنان فيما يخصُّ هذا. أعِرْني الآن سمعَك ليتَّضِح لك ما أريده منك: سأحرِّرك في هذه الساعة وأهيئ لك سبيل الوصول إلى الجزائر، ولك بعد عودتك أنْ تعيش بين أفراد عائلتك ثلاثة أيام، على أنْ تذهب في اليوم الرابع إلى ضريح قبر الرومية، وتشعل نارًا صغيرة، ثم تحرق الورقةَ التي سأسلِّمها إليك. ها أنت ترى بأنَّ هذا من السهولة بمكان. أَقْسمْ لي بأنك ستفعل ما أطلبه منك، وسأمنحك حريتك في الحين”.

ففعل ابن القاسم ما طلبه منه السّاحر، وأخذَ منه ورقةً تحتوي على حروف ورسوم لم يتوصَّل إلى فهْم دلالتها. واستعاد حريّته في اليوم نفسه، فقاده وليُّ نعمته إلى مرفإ ركب منه إلى الجزائر. وفى وسْع المرْء أن يتصوَّر البهجةَ التي عمَّت أسرته، وقد تقاطر إليه أصدقاؤه أيضًا ليشاركوه فرحتَه بعودته، فظلَّ منزلُه مُزدحِمًا بالضُّيوف لمدَّة ثلاثة أيامٍ.

في اليوم الرابع، توجَّه مع الفجر إلى ضريح قبر الرومية وأشعل النارَ، وأحْرق الورقةَ الغريبة كما أمره الساحرُ. وما كادت النارُ تأتي على الورقة حتى اعْترتْه دهشةٌ كبيرة، فقد برزتْ من شقوق الضريح آلافُ القِطع الذهبيَّة والفضيَّة كأنّها أسْرابُ نحْلٍ أفْزعَها حادثٌ ما فطارتْ على غير هُدى. وبقيتْ هذه القِطع تحوم حول الضريح مُدَّةً، ثم غيَّرتْ اتجاهها فجأة وسارت نحو بلاد النَّصارى، وقد اتَّخذتْ شكْل عمود لا نهاية له.. تمامًا كما تبدأ الخطاطيف أو طيور الهجرة رحلتها البعيدة. وكان ابن القاسم ينظر بألمٍ كيف تطير هذه الثروات كلها فوق راسه، ثم راح يقفز محاولاً أن يُمسك البعضَ منها. وبعد: أن أتْعب نفسه دون فائدة، خلع برنوسه وَرَمى به في الجو، فاستطاع بهذه الطريقة أن يُنزِل حوالي مائة قطعة فضيَّة وعشرين قطعة ذهبيّة، وما كادتْ هذه القِطع تُلامِس الأرضَ حتى انغلق الكنزُ ولم تتسرّب بعد ذلك أيَّ قطعة خارج الضّريح.

ولم يحدِّث ابن القاسم أحدًا عن مغامراته هذه باستثناء عدد قليل من أصدقائه، ومع ذلك فقد سمع الباشا بذلك وأرسل العُمَّال لهدْم الضَّريح والاستيلاء على الكنز. إلاَّ أنَّه ما كادتْ تسقط ضربةُ المطرقة الأولى حتى ظهر شبحٌ على شكل امرأةٍ فوق قمة الضّريح وأخذ يصيحُ: “علولة، علولة تعالى إليّ وساعدني، إنهم ينهبون كنوزك”، فلبّى نداءَها سِرْبٌ من البعوض بحجم الجرذان العادية خرَج من البُحيرة المُجاورة وطاردَ العمّال بلسعاته القوية الحادّة. ومنذُ ذلك الحين فشلتْ جميعُ المحاولات التي استهدفتْ فتْح ضريح قبر الروميّة. وقد ذَكَر الحكماءُ أنَّه لن يتمكَّن غير النَّصراني من استلام الكنوز التي بقيتْ داخل الضَّريح.

محمد ياسين رحمة - الجزائر

محمد ياسين رحمة - الجزائر

اقرأ أيضا