لإفشال أي توافق جزائري فرنسي.. “الكولون” يخرجون أوراقهم !

مباشرة وبعدما شعروا بعودة قضية الذاكرة إلى الواجهة في ظل وجود توافق جزائري فرنسي على إعادة بعث هذا الملف، بدأت ملامح جولة جديدة من “صراع الذاكرات” تلوح في الأفق بين الفرنسيين أنفسهم، في انتظار التحاق الجزائريين.

وفي ظرف أقل من أسبوع، تواصل الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مع نظيره الجزائري، عبد المجيد تبون، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الستين لعيد الاستقلال الذي رافقه استعراض عسكري كبير، وكان ملف الذاكرة حاضرا بقوة في هذا التواصل، جسّدته تصريحات المؤرخ بنجامان ستورا، المؤيدة لتوسيع دائرة بحث ملف الذاكرة ليشمل فترة الاستعمار بكاملها وليس الاقتصار على فترة الثورة التحريرية.

الأوساط التي اعتادت البوح بحنينها إلى “الجزائر الفرنسية”، وتوجسا من احتمال إدانة تلك الفترة من قبل السلطات الفرنسية الراغبة في طي هذا الملف الحساس الذي فوّت عليها الكثير من الفرض، تحاول اليوم النبش في الملفات والتركيز على بعض الأحداث التي تعتقد أنها تخدم مشروعها، وكعادتها لم تجد سوى بعض ما شهدته مرحلة ما بعد التوقيع على اتفاقيات إيفيان، التي تميزت بنزوح أعداد كبيرة من الأقدام السوداء والحركى باتجاه فرنسا، واختفاء البعض منهم في ظل جرائم نٌسبت لمنظمة الجيش السري الإرهابية، التي لجأت إلى سياسة الأرض المحروقة، لقطع الطريق على استقلال الجزائر.

من بين الأحداث التي رفعتها الأوساط الرافضة لأي مصالحة للذاكرة بين الجزائر وباريس، في الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط، حادثة اختفاء نحو 700 أوروبي، منهم من قتل ومنهم من لا يزال مصيره مجهولا، والمثير في كل هذا، هو أن من يروج لهذه الأطروحة، يلقي بالمسؤولية على كل من جيش وجبهة التحرير الوطني، لكن من دون إشارة إلى منظمة الجيش السري، التي تعتبر مسؤولة في نظر القانون الفرنسي وشهادات المؤرخين وشهود العيان، على الكثير من الجرائم التي شهدتها الجزائر خلال الأيام والساعات الأخيرة للاحتلال الفرنسي.

ولأن هناك الكثير من الأشراف في فرنسا ذاتها ممن هم مقتنعون بارتكاب الاستعمار فظائع في الجزائر، فقد رد عليهم حقوقيون وناشطون في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، بمشروع آخر فيه الكثير من المصداقية والقوة، عنونوه “أول كتاب أخضر”، يتحدث عن بعض حالات الاختفاء القسري التي تورط فيها جنود الجيش الفرنسي، وقد أحصوا اسميا ما يناهز الـ 150 حالة اختفاء في العاصمة وحدها، طالت في بعض الحالات الأب والأم والأبناء (العائلة بأكملها). 

معدو هذا “الكتاب الأخضر” اعتمدوا على أعمال المحامي الفرنسي الشهير للثورة الجزائرية، جاك فيرجاس، ورفيقيه ميشال زافريان وموريس كوريجي، بداية من سنوات 1957 و1958 و1959..، وقرروا توجيه الكتاب مرفوقا برسالة خطية إلى رئيس الصليب الأحمر الدولي، جاء فيها: “يسعدنا أن نضع بين أيديكم في هذه الإرسالية الأولى، أسماء خمسين حالة اختفاء في الجزائر.. في منتصف الليل، يأتي الجنود ويختطفون الأب والإبن والزوجة، ثم يختفون في اتجاهات مجهولة..”.

وتضيف الإرسالية: “الوجهة كانت فيلا سوزيني حيث الرعب، الواجهة البحرية (الكورنيش)، مركز بني مسوس، ضاحية ليميريي..”. الكتاب يتضمن قائمة اسمية للمفقودين تتضمن معلومات تتعلق بالسن والعنوان والوضعية العائلية وتاريخ ومكان الازدياد، ومكان الاختطاف، وأماكن الحجز، ومساعي ذويهم للإفراج عنهم، وردود السلطات الاستعمارية..”.

المسألة تتعلق بصراع بين مشروعين متناقضين، وفيها يحاول كل طرف إدانة الآخر، غير أن القضية واضحة ولا تحتاج إلى مناورات، قوامها نزول الطرف المعتدي إلى حدود المسؤولية التاريخية التي يتعين عليه تحملها، وهو ما ترفضه فرنسا الرسمية باعتبارها وريثة الدولة الاستعمارية.

غسان ابراهيم

غسان ابراهيم

محرر في موقع الأيام نيوز

اقرأ أيضا