ليلة القدر.. أجواء روحانية تجسّد معاني رمضان في قلوب الجزائريين

على غرارِ شُعوب الأمة الإسلامية، تحظى ليلةُ القدر بمكانةٍ خاصة لدى الجزائريين الذين تربطهم علاقةٌ وطيدة بشهر رمضان، علاقةٌ يُميّزها الحنين والشوق إلى شهر العبادة والعودة إلى رحاب المولى عزّ وجل.

وتتميّز ليلة القدر عن باقي ليالي الشهور الأخرى بأجوائها الروحانية، إذ تأتي محمّلةً بالخيرات والمسّرات، فبمجرد أن تَحِل نسائمها حتى تُضيء بقبس نورها أنفس الناس وأرواحهم قبل أن تُنير ببشائرها ربوع البلاد، وبما أن الليلة هي خيرٌ من ألف شهر كما وصفها الله تعالى في كتابه العزيز، نجد أن المسلمين يتسابقون ويحرصون كل الحرص على إحيائها والظفر بما فيها من أجر وثواب وفضل.

وفي هذا الشأن، يقول الإمام بأحد مساجد العاصمة الشيخ حمزة صلوع: “إن من فضائل هذه الليلة المباركة أن الله عز وجل يُنزل الملائكة وجبريل عليه السلام إلى السماء الدنيا كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ | سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ).

وذكر الشيخ صلوع في تصريحه لـ “الأيام نيوز”، أن النبي عليه أتم الصلاة وأزكى السلام، كان يجتهد في طلب ليلة القدر، ومن اجتهاده صلى الله عليه وسلم أنه كان يعتكف في العشر الأواخر، من رمضان من أجل أن يدرك ليلة القدر، وهو الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخرن وفي ختام حديثه، دعا الإمام حمزة صلوع، إلى الإكثار من الدعاء في ليلة القدر لخير الدنيا والآخرة، وأن يدعُ المسلم لأهله ولأقاربه وللمؤمنين وللمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

وتربط الجزائري علاقةٌ خاصة بصلاة التراويح، خلال هذه الليلة التي تُعطي حالة روحانية لا يمكن استشعارها خلال باقي ليالي السنة، إذ تعرف مساجد الجمهورية إقبالاً كبيرا ولافتًا لجموع المصلين الذين يحرصون كل الحرص على أداء سنة التراويح خلال ليلة القدر لما فيها من فضلٍ وبركة وأجر.

وبما أن الجزائريين يُولون أهميةً بالغةً للجانب الروحاني والديني خلال رمضان، فدائمًا ما نجد الأسر الجزائرية تحرص على تبادل الزيارات خلال السهرات الرمضانية حفاظًا على صلة الرحم وتمتين العلاقات الأسرية والأخوية التي تجمعهم، كما تحرص العائلات على إحياء ليلة القدر واستغلالها في العبادة والتقرب من المولى عزّ وجل، وفي الوقت ذاته تجد هذه العائلات فرصة سانحة لإحياء العادات والتقاليد الراسخة الموروثة أبًا عن جدّ، وكل ذلك يأتي في أجواء من الفرح بحلول الليلة المباركة وتمييزها عن باقي ليالي السنة.

ولا تفوّت النساء هذه المناسبة، للتفنّن في إعداد ما لذّ وطاب من الأطباق والمأكولات الخاصة، وذلك من باب الترحيب والتفاؤل بقدوم الليلة المباركة، حيث نجد أن “شربة فريك” من بين أهم الأطباق الحاضرة على موائد إفطار الجزائريين، وهي عبارة عن طبق يتميز بمكوناته من القمح القاسي، الذي يتم حصاده بينما يكون أخضر، ويتم طبخه مع مرق الطماطم والتوابل العطرية، وتمتزج نكهتها بالدجاج أو اللحم البقري أو لحم الضأن، ويتم تقديمه مع الليمون وقطعة من كسرة أو ما يعرف بـ«البوراك»، وقد صنف تقرير سابق لشبكة «سي ان ان» عن أفضل 20 نوعا من الحساء في العالم، «شوربة فريك» الجزائرية في المرتبة السادسة عالميا.

كما لا تكادُ تخلو الموائد الجزائرية ـ خلال هذه الليلة ـ على غرار باقي ليالي الشهر الفضيل، من عصير الليمون بنوعيه الأصفر والأخضر، أو ما يعرف بـ«الشربات»، وهو مشروب له سحره الخاص ونكهته الخاصة، التي تغلبُ عليها رائحة ماء الزهر المركّز الذي يُضاف إلى الليمون ويخلق نكهةً معطرة لا مثيل لها، تجذب عشاق هذا المشروب الذي يعتبره كثيرون الأفضل لإطفاء ظمأ نهارٍ كامل من الصيام.

كما لا يستغني الجزائريون في سهرة هذه الليلة، عن «الزلابية» أو “سيّدة الحلويات” كما يُطلق عليها، وهي من بين أشهر الحلويات الرمضانية التي ذاع صيتها حتى تعّدى حدود البلاد، حيث تشهد إقبالا منقطع النظير خاصة “زلابية بوفاريك” التي تعدُّ الأشهر بسبب سرّ صنعها ومذاقها الفريد، إضافةً إلى قلب اللوز” الذي لا تحلو السهرات إلا في حضرته.

سهام سعدية سوماتي - الجزائر

سهام سعدية سوماتي - الجزائر

اقرأ أيضا