متى تتحرّك شعوب دول التطبيع؟ مقاطعة الكيان الصهيوني أولى من الشجب والنحيب

يُحصي العالم 57 دولة مسلمة، منضوية تحت لواء منظمة التعاون الإسلامي، من بينها 22 دولة عربية، تتمدّد على مساحة تفوق 32 مليون كيلومتر مربع، وتحوز ثروات رهيبة ماديا وبشريا، إلا أن وزنها الوجودي لم يرق بعد إلى ما يمكن ـ أو ما يجب ـ أن تكون عليه ـ كتكتّل اقتصادي وسياسي يحسب له الحساب الأكبر، خاصة في زمن الهزات والانكسارات مثل ما يحدث اليوم في فلسطين ـ لتتجاوز بذلك مرحلة النواح والبكائيات المذلة، إلى مرحلة الأمر والنهي والقرارات الفاعلة.

باستثناء الجزائر، تونس، الكويت، لبنان، سوريا، العراق، ليبيا واليمن.. تتعرض بقية الدول العربية إلى اختراق صهيوني رهيب، أثر ـ حتى ـ على بنيتها السياسية الداخلية، وعلى علاقاتها الاجتماعية، إذ أصبحت دولا منبوذة غير مؤتمنة الجانب ولا الجوار، أضف إلى ذلك ما خلفه ـ الاختراق الصهيوني ـ من ضعضعة وبلبلة حتى داخل المؤسسات الرسمية لتلك الدول.

هذا الوضع، عبرت عنه الصحفية المغربية “شامة درشول” وهي تكشف عن العلاقة الحقيقية التي يريدها الصهاينة مع المغرب، وذلك من خلال ما وقفت عليه من حقائق أثناء محاورتها الإعلامية مع رئيس مكتب الاتصال الصهيوني بالرباط، أو بالأحرى سفير الكيان الصهيوني بالمغرب، حين تقول بأن المسمى “ديفيد غوفرين” أخبرها بأن أكثر ما يثير إعجابه في المغرب أولا هو النساء، في تأكيد صريح لسلوكاته المنحرفة بالمغرب، والتي كانت قد أدت به إلى الخضوع لعملية تحقيق أمني على خلفية اتهامه باستغلال نساء مغربيات قاصرات والتحرش بهن جنسيا، إلا أن كل ذلك قد تم التغاضي عنه من قبل السلطات المخزنية، ليستأنف السفير الصهيوني ـ المُتَّهَم ـ عمله على رأس مكتب الاتصال بالرباط، وكأن شيئا لم يكن، في استهتار فاضح بعرض المغرب وشرف المغربيات، من قِبَل نظام هو ذاته منحرف الأخلاق والسياسات.

وأما ما تعلق بالصحراء الغربية، فقد ذكرت الصحفية المشار إليها ـ “شامة درشول” ـ بأن السفير الصهيوني كان صادقا معها إلى حد بعيد، بقوله أنه لا يعترف للملكة “بمغربية الصحراء”، لأن ذلك مجرد اعتراف كان قد أطلقه “ترامب” فقط، ولا يلزم بأي حال من الأحوال القناعة السياسية للكيان الصهيوني حيال القضية، ثم إنه ليس في صالحنا إثارة غضب الجزائر.

القائم بمكتب الاتصال الصهيوني المسمى “غوفرين” بالرباط، قدم نفسه سفيرا بالمغرب وأصدر بيانا عقب عملية “طوفان الأقصى”، وأطلق فيه العنان لسيل من التهديد والوعيد ضد الفلسطينيين وضد كل من يتعاطف مع القضية الفلسطينية، وهو البيان الذي حرك مشاعر بقية شرفاء المغرب، وجعل أصواتهم ترتفع مطالبة بطرد هذا الصهيوني من المغرب، فقد تجاوز كل الأعراف والالتزامات الدبلوماسية، بأن حوّل الرباط ـ عاصمة المملكة المغربية ـ إلى عاصمة للكيان الصهيوني، في سابقة ثانية، بدأت يوم أطلق وزير الحرب الصهيوني تهديده بحق الجزائر من الرباط، وكان ذلك، سببا مباشرا في قطع العلاقات بين البلدين.

بيان رئيس مكتب الاتصال الصهيوني من العاصمة الرباط، جاء مستفزا للمشاعر الشعبية المضطهدة، منتهكا للسيادة الوطنية “المحدودة”، مذلا للكرامة الملكية” المهدورة”، وهو يهدد الفلسطينيين برد قاس ومؤلم، في الوقت الذي كانت الفعاليات المغربية الحية، تواصل حشد صفوفها لتنظيم مسيرة مليونية للتعبير عن تضامنها المطلق مع الأشقاء الفلسطينيين في محنتهم، واحتفاء بالعملية البطولية “طوفان الأقصى”، واستنكارا لجرائم الاحتلال الصهيوني ضد المدنيين العزل في غزة وفي الضفة وفي كل فلسطين.

غضب عارم ساد الجماهير الشعبية في الشارع المغربي، وأظهر الشرخ الكبير الذي صار يفصل بين النظام المخزني المتصهين في الرباط، وبين الإرادة الشعبية المتمسكة بآخر خيوط الكرامة العربية الرافضة لأي شكل من أشكال التقارب بين المغرب والكيان الصهيوني.

وأما ما زاد الغضب تأجيجا ـ علاوة على التهديدات الوقحة التي أطلقها السفير “فوق العادة” بحق الشعب الفلسطيني، لدى القوى الشعبية الحية وبقايا الشرفاء في المغرب ـ هو تقديم “ديفيد غوفرين” نفسه بصفته سفيرا لـ”تل أبيب” في الرباط، على الرغم من أن الوضع الدبلوماسي الرسمي المتفق عليه إلى اليوم، لم يتجاوز بعد مستوى مكتب اتصال هنا وآخر هناك لا أكثر، رغم الضجيج الإعلامي والصخب السياسي الذي رافق عملية التقارب بين الكيانين: الكيان الوظيفي والكيان الافتراضي.

لكنّ الأمرّ في المشهد كله، يكمن في ردة فعل النظام المخزني الذي ضاعف من حملات التضييق على النشطاء المناهضين للتطبيع، بالحبس حينا وبالمقاضاة أحيانا أخرى، وبالتهديد المباشر من قبل عناصر الأمن والأجهزة السرية في كثير من الأحيان، فعوض أن يستدرك الوضع ولو بالوقوف على ذات المسافة من الكيان الصهيوني ومن شعبه، راح يتمادى في الميل، كل الميل، لصالح جرائم الاحتلال الغاشم، مدعيا بأن “حماس” لا تمثل الشعب الفلسطيني، وأن ما تقوم به من مقاومة لا تعدو أن تكون مجرد عمليات إرهابية لا أكثر، في تمييع فاضح للواقع والحقيقة ومعطيات الميدان.

لقد فضحت عملية “طوفان الأقصى” المنافقين والمرجفين والأفاكين، وعرّت سوءاتهم على رؤوس الأشهاد، فسمت الأشياء بمسمياتها الحقيقية: فالخائن خائن، والوفي وفي، والحر حر، والعبد عبد.. وهذا، ليس على مستوى العالم العربي فقط وإنما على مستوى العالم بأسره، فها هي الشعوب تغزو شوارع المدن الكبرى والعواصم في الغرب كله، رغم المنع والردع والتخويف، بحق شرفاء الأرض وأحرارها، من قبل النظام الصهيوني العالمي النافذ والمستنفذ عبر مؤسسات الحكم وصناعة القرار، ودوائر الدعاية ومراكز الإعلام، لينقسم العالم كله شطرين؛ الشرفاء والأحرار والمخلصون للطبيعة البشرية السوية من دعاة السلام في صف، وفي الصف الآخر القوى المتغطرسة المنحرفة من الشواذ والشذّاذ في الأخلاق وفي السياسة وفي العلاقات الاجتماعية المختلة، وليختر كل الصف الذي يلائمه، فالطيور على أشكالها تقع.

ينسحب وضع المغرب والكيان الصهيوني، على كثير من الدول العربية والإسلامية، ذلك أن الشعوب في واد والأنظمة الحاكمة في وادي آخر: في مصر.. في الأردن.. في السعودية.. في البحرين.. في الإمارات.. في قطر.. في عمان.. في السودان.. وحتى في تركيا التي لا يزال نظامها “الاخواني” يتعاطى مع القضية بموقفين وبرأيين وبسياستين، إذ انفصم العقد بين الشارع الشعبي والنظام الرسمي.

ولذلك، وعوض أن تكثر الشعوب من الهرج والمرج الذي لا يوفي إلى شيء، عليها بتنظيم مسيرات عارمة باتجاه سفارات الكيان الصهيوني والاعتصام أمامها إلى أن تغلق أبوابها ويتم طرد سفراء الجريمة والعدوان من أراضيها، تماما كما فعلت جمهورية كولومبيا، حين اعتبر وزير الخارجية الكولومبي “ألفارو ليفا” كلام السفير الصهيوني في “بوغوتا” “وقاحة مجنونة”، مطالبا منه تقديم “الاعتذار والمغادرة”، على خلفية ردّه الوقح على تصريحات الرئيس الكولومبي “غوستافوبيترو” والتي كان قد أعطى تشبيها من خلالها للقصف الصهيوني ضد غزة بقوله: إنها تشبه اضطهاد النازيين لليهود خلال الحرب العالمية الثانية… ولن يحظى الأطفال ـ الإسرائيليون ـ بنوم هنيء ما لم يحظ الفلسطينيون بنوم هنيء كذلك.

وفي منشور على منصة إكس ردا على إعلان وزير الدفاع الصهيوني أنه يقيم “حصارا كاملا” على غزة في المعركة ضد الفلسطينيين الذين وصفهم بـ”الحيوانات”، قال الرئيس “بيترو”؛ “هذا ما قاله النازيون عن اليهود تماما”.. مشددا على أن “الشعوب الديمقراطية لا يمكنها السماح للنازية بإعادة ترسيخ نفسها في السياسة الدولية”، في إشارة إلى ما تقترفه الآلة الصهيونية من جرائم ومن عدوان ومن استهتار بالمواثيق والقوانين والأعراف الدولية، على مرأى ومسمع من الأمم المتحدة وكذا منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان والأطفال والنساء.

بذات الموقف كان الراحل “شافيز” قد طرد سفير الكيان الصهيوني من “كاراكاس”، وهو القرار الذي لا يزال قائما إلى اليوم، وذلك احتجاجا على العدوان الصهيوني على غزة الذي وصفه يومها وزير الخارجية الفنزويلي “مادورو” بأنه أفظع من المحرقة النازية، في حين نعته الرئيس “هوغو شافيز” بـ”العدوان الجبان”، داعيا في الوقت ذاته إلى محاكمة القادة الصهاينة بتهمة اقتراف جرائم حرب بحق مدنيين عزل. وفي خرجة غريبة غبية حينها، سارع المغرب إلى طرد السفير الفنزويلي من الرباط، تضامنا مع الكيان الصهيوني، وبحجة أن نظام كاراكاس ليس ديمقراطيا.

إذا، وبكل واقعية ومنطق، على الدول الإسلامية والدول العربية التي تقيم علاقات مع الكيان الصهيوني، أن تحذو حذو شرفاء الدول اللاتينية التي طردت سفراء الاحتلال الإرهابي من عواصمها، في صورة: كوبا، فنزويلا، بوليفيا وكولومبيا آخر الأحرار الشرفاء.. وحينها، سيجد الكيان الصهيوني نفسه منبوذا ومطاردا عبر نصف دول العالم، فإما أن يستقيم عوده ويخضع لما تمليه القرارات الدولية من مخرجات تجعل من حل الدولتين واقعا مجسدا على الأرض، رغم ما فيه من ظلم للشعب الفلسطيني صاحب الأرض والوطن، وإما…!..

مصطفى بن مرابط - الجزائر

مصطفى بن مرابط - الجزائر

كاتب في الأيام نيوز

اقرأ أيضا